علجية عيش - النقد السلبي قَهْرٌ و القهر يؤدي إلى انهيار الحضارات

هل نقد الموتى سُلوكٌ حضاريٌ؟

عندما تحدث العلاّمة ابن خلدون عن خطورة "القهر" كأحد أهم أسباب انهيار الحضارة و هو الاستبداد بالمُلك حين يعرض الحاكم عن الأخذ برأي الشورى من حاشيته و أهل عصبيته، فيقلب المُلكُ من العدل إلى الاستبداد، لأن الملك منصب شريف ، قلّما يسلمه أحد للأخر، إلا إذا غلب عليه فيقضي إلى الحرب و لا أحد يعرف نتائجها و حجم الخسارة التي تسببها هذه الحروب ، وقد تأخذ طريقها إلى الاغتيالات، و كم من مفكرين اغتيلوا أو تعرضوا لمحاولة اغتيال بسبب ما يطرحونه من أفكار لا تخدم السلطان، وقد تتسبب أيضا في ضعف الدولة، و القهر أنواع: القهر السياسي عن طريق الاعتقالات و السجن ، ثم التجويع و ترك شعب بدون أكل و بدون ماء و يغلق عنه كل المنافذ التي يحصل عن طريقها على الطعام و الشراب و هو أشد أنواع القهر، لأن الجائع يعيش الموت البطيء قبل أن تخلص روحه إلى بارئها، كما نراه الأن في غزة و سياسة لتجويع التي يمارسها الكيان الصـــه... ــــيوني، و هناك القهر الجسماني عن طريق التعذيب و الاستنطاق داخل السجون باستعمال الكهرباء ، و هناك القهر المعنوي حينما يترك الحاكم رعيته تعاني من الفقر و يمارس دكتاتوريته من خلال احتكار السلع و رفع أسعار المواد الغذائية و إجبارهم على دفع الضرائب، في الوقت الذي يعمل على إرضاء فئة ما و الزيادة في أجورهم و أرزاقهم فيزيد الترف مثلمات يحدث في الجزائر.

و هنا يحدث الخلل، فتنتفض الشعوب على الظلم و القهر، و تخرج إلى الشوارع لتُعَبِّرَ عن غضبها، و قد عاشت الساحة العربية أحداثا دموية بسبب دكتاتورية الحكام و تعاملهم مع الشعوب و كأنهم عبيد، إلا أن هناك نوع أخر من القهر، يمكن أن نسميه بـ: "القهر الفكري"، و يراد به الذين يطعنون في أفكار من غادروا الحياة من الفلاسفة و المفكرين من طرف أهل الفكر أنفسهم، إذ نجدهم يطلقون العنان لمخيلتهم لنقدهم و تخوينهم و قد يلغون عنهم صفة التديّن، لا لشيئ إلا لأنهم انتقدوا الفكر الإسلامي و دعوا إلى تجديد الدّين ، كان التجديد عندهم إعادة قراءة النص الديني وتحليله، فعمل البعض على تكفيرهم و هم لا يدركون أنهم يؤذونهم ، لأنهم غادروا الحياة ، و بالتالي نقدهم لهم جاء متأخرا ، فلو كانوا أحياء لردوا عليهم بالمثل و وقفوا لهم ندًّا للندِّ، فكثيرا من نجد من يطعن في الموتى من المفكرين، في فكرهم و مواقفهم و في رؤيتهم للقضايا، من دون أن يأخذوا في الحسبان أنّ كل فكرة يطرحها صاحبها للنقاش يجب ان تراعى فيها البيئة الفكرية التي نشأ فيها ذلك المفكر، و الظروف التي عاشها .

فهناك من طعن في فكر محمد أركون و في محمد شحرور، و في الجابري و في هشام جعيط و في حسن حنفي و في علي حرب و في أدونيس و برهان غليون و هناك من طعن حتى في مالك بن نبي و قال أن كتبه عبارة عن حشو، لمجرد أن هؤلاء ( الراحلين) خاضوا في مسألة التراث، هذا التراث الذي أحدث جدلا و لا يزال إلى اليوم كونه متفرع إلى (تراث سُنّي و تراث شيعي، و تراث خوارجي الخ) و كل ما يتعلق بالنص الديني (القرأن) ، فكل مجموعة ترى أن تراثها هو الخط الصحيح و الإسلام الصحيح، كما أن كل رؤية مختلفة للعالم هي فكرة ينبغي له أن تُحِتَرمْ و توضع تحت المجهر ، نقول أن هذا الصنف من الناس يعيش لنفسه غير عابئ بما عداها، يريد أن يحقق غاية ما على حساب من سبقوه من المفكرين و أسسوا مدرسة للفكر و زرعوا بذورها ، و قد وجدوها هم جاهزة فراحوا يغلطون الناس و يلعنون هذا و ذاك و يُكَفِّرُونَ كل من دعا إلى التجديد ، و يكون بذلك قد حرم نفسه من أن يكون مع الصنف الذي يعيش لدينه و لله.

فمن أنتَ يا إنسان حتى تكفر الناس و تلعنهم؟ و منْ أنت يا إنسان حتي تحكم على الأخر بما لا ترضاه لنفسك؟ ، و لنا في الجزائر جماعة من المفكرين و الدعاة خير مثال، و ليتنا نقتدي بهم، فهذه الجماعة رغم تواجدهم في أمكنة مختلفة أو ربما جمعتهم الصدفة في مكان واحد (القاهرة) و هنا نتحدث عن مالك بن نبي و الشيخ الورتلاني الذي أسس مكتب جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في القاهرة عام 1948، في نفس الوقت كان مالك بن نبي قد استقر في القاهرة 1956 ، وجعل بيته ملتقى للطلاب المسلمين، طبعا لا تذكر الدراسات إن كان مالك بن نبي قد التقي بالشيخ الورتلاني أم لا ، لكن كل منهما تعرف على جماعة الإخوان المسلمين و كان لهم دورٌ في الإصلاح و التغيير فكانوا خير خلف لخير سلف، استطاعوا أن يشعلوا شمعة التغيير الإيجابي، رغم اختلافهما في الرؤية و المنهج ( التنوير و التقليد) ، فمالك بن نبي كان مدرسة فكرية مستقلة ما جعل جمعية العلماء المسلمين تدير له ظهرها عكس الورتلاني الذي كان محسوبا على الجمعية و كان له حظا واسعا فيها ، إن الحديث عن هاتين الشخصيتين حديث ذو شجون و يحتاج إلى وقفة أخرى.

علجية عيش

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى