د. محمد عباس محمد عرابي - جماليات الخطاب السردي في القصة... جماليات المكان أنموذجًا

-1- جماليات المكان أنموذجًا

لا يقل المكان في الأعمال السردية: الروائية والقصصية مكانة وأهمية عن عناصر الرواية والقصة الأخرى من زمن وشخصيات بل هو أهم هذه المكونات لكونه الوعاء الذي يشتمل على عناصر البنية السردية .
ويُعتبر الوصف ومنه وصف المكان ركيزة رئيسة في بناء نصوص السرد في القصة ومنها قصص الأطفال، فهو نوع من أنواع التصوير، و وصف المكان هو تقنية إنشائية تتناول وصف الأشياء الواقعية في مظهرها الحسي، ويعمل الوصف أيضًا على بيان البعد المكاني للقصة ([ () تزفيتان، تودوروف، الإنشائية الهيكلية، ترجمة مصطفى التواني، بغداد، مجلة الثقافة الأجنبية، العدد 3 ،1982م، ص 5])
وقد نشرت دار فنون للنشر والتوزيع العديد من قصص الأطفال لمشاهير المؤلفين
، واتسمت هذه القصص بمراعاة الأسس الفنية لقصص الأطفال، وبيانا لهذه الأسس يتناول هذا المقال:
ملامح جماليات وصف المكان في قصص الأطفال
من خلال تحليل قصص الأطفال عينة الدراسة لوحظ أن الوصف في قصص الأطفال وصف بسيط هدفه تحقيق الإثارة بهدف المحافظة على وضع يتلاءم مع أوصاف الشخصية من خلال تواجدها في المكان، وكل جمل هذا الوصف جمل وصفية قصيرة.
* وصف الأجواء للطريق العام المؤدي للمدرسة والفرن التي به:
ومن أمثلة هذه الوصف ما ورد في قصة "ملفوف يعود إلى صوابه" للقاصة أريج بوادقجي حيث وصفت الأجواء للطريق العام المؤدي للمدرسة والفرن التي به والتي تصدر منها روائح الأطعمة والمخبوزات المحببة إلى شخصية القصة الرئيسة الطفل" ملفوف " حيث انتظر ملفوف حتى تطيب فكانت سببا في تأخره عن المدرسة:" في يوم من الأيام ،وبعد أن قامت والدة ملفوف بإعداده للذهاب إلى المدرسة ...وما إن وصل إلى الطريق العام ،حتى تسللت إلى أنفه الصعير رائحة زكية ،داعبت حبة للمعجنات ،فراح يتخيل قطعًا من الخبز المُحلى خرجت لحينها من الفرن ،واحدة محشوة بالتمر ،وأخرى بالشوكولا ،وثالثة ملأى بالفواكه المجففة ،ويتصاعد منها بخار يقول " تعال وتذوقني ،أنا مغذية وطازجة !
لم يقاوم ملفوف ذلك المشهد وراح يسير بلهفته نحو الرائحة الشهية، ليصل أخيرًا إلى الفرن !...صمت ملفوف قليلا وقال :"لديَّ فضول لتذوق تلك الحلوى اللذيذة ،سأنتظر قليلا !" ([ () قصة ملفوف يعود إلى صوابه للقاصة أريج بوادقجي ، ص12 ])
وهكذا أدى وصف المكان في تطور أحداث القصة، وبيان السمات الشخصية لبطل القصة (ملفوف)، حيث تأخر ملفوف عن المدرسة وانشغل بما يتم من أحداث في الطريق حيث مشاجرات بعض الأطفال المشاغبين
ولكن الشرطي علمه درسا لا ينساه "أن يعرف طريقه جيدًا، وألا يحيد عنه حينها " نفض الغبار عن ثوبه، ولملم ما وقع من حقيبته المدرسية، وحملها مجددا على كتفيه الصغيرتين، نظر إلى الأمام نحو المدرسة؛ ليمضي هذه المرة مسرعًا، يسابق بخطواته رنين الجرس "([ () قصة ملفوف يعود إلى صوابه للقاصة أريج بوادقجي،المرجع السابق ، ص24 ])
*وصف الغابة نتيجة اشتداد الحرارة بها وأثر ذلك على تطور أحداث القصة:
وقد ساهم الوصف البسيط للمكان أيضًا في وتطور أحداث القصة وإبراز الشخصيات"الغزالة الصغيرة "حيث تم بيان أثر ما تتصف به الغابة على سلوكياتها كما في قصة "متى تنزل أيها المطر " للقاصة جميلة يحياوي حيث تم وصف المكان ( الغابة )نتيجة اشتداد درجة الحرارة بها "في يوم شديد الحرارة، سارت الغزالة الصغيرة في الغابة تبحث عن عشب طري تأكله ،نظرت حولها ،فرأت الأرض صفراء ،والعشب يابسًا ،والأزهار ميتة ،وأغصان الشجر مائلة ،ولما تعبت أكلت بعض الأوراق الذابلة ،وجلست أرضًا لتستريح ([ () يحياوي ، جميلة : "متى تنزل أيها المطر ،ص3])
ونتيجة ذلك بحثت الغزالة عن النهر لتشرب منه "ولما اشتد عليها العطش، غادرت الغزالة الصغيرة الغابة، وسارت طويلا ،حتى وصلت إلى النهر ،فانحنت وشربت من ماء النهر حتى ارتوت ."([ () نفسه ،ص5])
حيث نلمح في النصين العبارة والجمل القصيرة في وصف الغابة والنهر : في يوم شديد الحرارة/سارت الغزالة الصغيرة في الغابة/ تبحث عن عشب طري تأكله /نظرت حولها /فرأت الأرض صفراء /والعشب يابسًا /والأزهار ميتة /وأغصان الشجر مائلة /ولما تعبت أكلت بعض الأوراق الذابلة /وجلست أرضًا لتستريح
ولما اشتد عليها العطش /غادرت الغزالة الصغيرة الغابة /وسارت طويلا /حتى وصلت إلى النهر /فانحنت وشربت من ماء النهر حتى ارتوت.
وهكذا اتضحت أثر وصف المكان على سير أحداث القصة، ووصف الشخصية وحالتها النفسية أثناء تواجدها بالمكان الموصوف

المراجع:
أريج بوادقجي :"ملفوف يعود إلى صوابه "، ط3،دار فنون للنشر والتوزيع، عمان – الأردن ،1443هـ
تزفيتان، تودوروف: الإنشائية الهيكلية، ترجمة مصطفى التواني، بغداد، مجلة الثقافة الأجنبية، العدد 3 ،1982م
يحياوي ، جميلة : "متى تنزل أيها المطر ،ط2 "، دار فنون للنشر والتوزيع، عمان – الأردن ،1442هـ

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى