ناعم زينب جيهان - خولة بن ساسي... بين التوجيه النفسي ودهشة السرد الروائي

من مدينة بسكرة، حيث يلتقي عبق التاريخ بصفاء الواحات، برز اسم خولة بن ساسي ككاتبة وروائية شابة استطاعت أن توفق بين مسارها الأكاديمي والمهني من جهة، وشغفها الكبير بعالم الأدب والكتابة من جهة أخرى. ولدت خولة في 29 أوت 1997، وتخرّجت من جامعة محمد خيضر – بسكرة حاصلة على شهادة ماستر في الإرشاد والتوجيه النفسي. تعمل اليوم كمستشارة توجيه في متوسطة، لكن الكتابة بقيت فضاءها الحر الذي تبوح فيه بما لا يُقال داخل الجدران الرسمية.
الكتابة… من التجربة الشخصية إلى الرواية
رحلة خولة مع الكتابة بدأت بمحاولات بسيطة، لكنها سرعان ما تحولت إلى أعمال منشورة تركت أثرًا في الساحة الأدبية. أولى أعمالها جاءت في رواية "المسرحية الملعونة"، نص قصصي يتناول مجموعة من الممثلين الذين يحاولون إنقاذ مسرح مهدد بالإغلاق. غير أن المسرحية التي يجسدونها تتلبسهم، فتسلبهم شخصياتهم الحقيقية. ورغم بساطة المحاولة الأولى، إلا أن العمل حمل بصمة شخصية وتجربة عاطفية عايشتها الكاتبة، لتجعل من النص مزيجًا بين الخيال الفني وصدق المشاعر.
أما إصدارها الثاني، رواية "العاطلون"، فقد مثّل نقلة نوعية في أسلوبها ومواضيعها. إذ اختارت هذه المرة أن تنزل إلى عمق الواقع الاجتماعي، مستكشفةً المشكلات النفسية والعلاقات الإنسانية المعقدة. تتناول الرواية شخصية الإنسان العاطل عن الحياة قبل أن يكون عاطلًا عن العمل، حيث يفقد هذا الإنسان بوصلة العيش، ويذوب في ظلال الآخرين بدل أن يصنع أثره الخاص. هي رواية عن الاغتراب الداخلي، عن الذكريات التي تعيش فينا أكثر مما نعيشها، وعن الوجوه الضائعة في مجتمع لا يمنح الجميع فرصة النجاة.

1756640475563.png

بين الاستشارة والكتابة:
تبدو خولة بن ساسي في مسارها مثالا عن التوازن بين العقل والعاطفة. فعملها كمستشارة توجيه يجعلها قريبة من قضايا الشباب وهمومهم النفسية والاجتماعية، بينما يمنحها الأدب المساحة الأرحب لتترجم هذه القضايا في شكل حكايات نابضة بالحياة. لقد استطاعت أن تدمج تكوينها الأكاديمي مع موهبتها الإبداعية، لتقدّم أعمالًا تمزج بين الواقعية والرمزية، بين التحليل النفسي والبوح الأدبي.
نحو أفق مفتوح:
لم تتوقف خولة عند تجربتيها الأوليين، بل تعتبرهما بداية لمسار طويل تسعى من خلاله إلى تقديم نصوص أكثر عمقًا ونضجًا، وإلى أن تكون صوتًا للأرواح التائهة في المجتمع، تكتب عنها وتكتب لها. هي اليوم وجه أدبي واعد من مدينة بسكرة، تمثل جيلًا من الكاتبات الجزائريات اللواتي يضعن بصمتهن بثقة، ويحوّلن الخيبة الإنسانية إلى مادة روائية قادرة على الإضاءة والتأثير.
إنها خولة بن ساسي… الكاتبة التي بدأت بالمسرح فانتهت إلى الفلسفة الاجتماعية، والتي جعلت من الأدب مرآةً لذاتها ونافذةً على مجتمعها.

بقلم: ناعم زينب جيهان

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى