رسائل الأدباء 11 رسالة بين غانية ملحيس وغسان جابر

1- رسالة غانرة ملحيس

خالص الشكر والتقدير للأستاذ غسان جابر على قراءته التحليلية لمقالي. وعلى تفكيكه المقال واعادة تركيبه ما أثراه وأضفى وجعله أكثر وضوحا وسهولة للقراء. إن إعادة صياغته للأفكار وطريقة عرضها ساعدت على أن يصل المعنى بعمق وبساطة في آن معا، وهو ما يعد إضافة نوعية أعتز بها. خصوصا أن الملاحظات النقدية على مقالاتي تتعلق بطولها.
هذا الجهد الكريم ليس مجرد قراءة، بل مشاركة حقيقية في صياغة الخطاب الفكري والإعلامي الذي نسعى جميعا لأن يكون في خدمة الوطن وقضاياه العادلة.
Ghania


***

2- رسالة من غسان جابر إلى غانية ملحيس

إلى الكاتبة القديرة غانية ملحيس،

أعبّر عن خالص شكري وتقديري لقراءتك العميقة والمضيئة لمقالي "الفساد بين بلاد التنين وبلاد التنوين". لقد التقطتِ ببصيرتك النقدية ما كنتُ أطمح أن يصل إلى القارئ خلف طبقات السخرية، من فكرةٍ ترى في الفساد بنيةً مركّبة أكثر من كونه انحرافًا فرديًا، ومن اللغة ساحة صراعٍ بين الوعي والتبرير.

تحليلكِ الرفيع لمستويات النص — من رمزيته اللغوية إلى أبعاده الاقتصادية والسياسية والثقافية — أعاد تقديم المقال في سياقه الأعمق، سياق السؤال عن علاقة السلطة بالمعنى، واللغة بالفعل، والمجتمع بذاته. وقد أسعدني أنكِ قرأتِ السخرية لا كترفٍ بلاغي، بل كفعل مقاومة، وكوسيلة لتعرية واقعٍ يختبئ خلف الشعارات والتقارير والمصطلحات المنمّقة.

أقدّر إشارتكِ إلى الاقتصاد الريعي والهيمنة الثقافية كجذورٍ لإعادة إنتاج الفساد، فهما بالفعل مفتاح فهم العلاقة المعقّدة بين الدولة والمجتمع في عالمٍ عربيٍّ يعيش ازدواجية الخطاب والفعل. كما أتفق معكِ في أنّ المقارنة بين الصين والعالم العربي هي رمزية في جوهرها، هدفها الإشارة إلى الفارق بين ثقافة تُحاسِب بالفعل، وأخرى تُبرّر بالقول، أكثر من كونها مقارنة بين نظامين سياسيين بعينهما.

لقد التقطتِ ببراعة البعد الفلسطيني في النص — البعد الذي لا يُعلن نفسه مباشرة لكنه يسكن المفردة والنية، إذ لا يمكن فصل الفساد الداخلي عن منظومة الاحتلال والاستعمار، ولا عن الحاجة إلى وعيٍ تحرّري يعيد تعريف المسؤولية والمواطنة والكرامة.

قرأتُ مقالتك كحوار فكري لا كمجرد نقد أدبي، وكجسر بين الكاتب والقارئ في زمنٍ نحتاج فيه إلى نقاشٍ مسؤول حول الإصلاح والعدالة واللغة.
أؤمن كما تفضلتِ أن معركتنا ليست فقط مع الفساد، بل مع النظام الذي يحتاج إليه ليستمر، ومع الوعي الذي يُعيد إنتاجه دون قصد.

فشكرًا لكِ على قراءةٍ تعيد للناقد دوره الحقيقي: أن يضيء النص لا أن يختزله، وأن تمنح الكلمة بعدَها الفكري لا مجرد صداها البلاغي.

مع خالص التقدير والاحترام،
غسان جابر

///

3- رسالة جوابية من غانية ملحيس إلى غسان جابر


الصديق العزيز غسان،

جزيل الشكر على رسالتك النبيلة التي تعكس عمق الفكر ورقي الكلمة، وتؤكد أن الكتابة الحقيقية لا تتوقف عند حدود النص، بل تمتد إلى فضاء الحوار والتفاعل الفكري الخلّاق.

سرّني كثيرًا أن قراءتي لمقالك «الفساد بين بلاد التنين وبلاد التنوين» وجدت صداها لديك، وأنها تفاعلت مع ما أردتَ قوله بين السطور؛ فالنص الذي يوقظ الحوار هو النص الذي يمتلك حياةً خاصة، تتجدّد كلما قُرئ بعينٍ مختلفة.
لقد تميّز مقالك بجرأة الطرح واتساع الرؤية، إذ تناول الفساد لا كعرضٍ اجتماعيّ أو خللٍ إداري، بل كبنيةٍ متجذّرة في منظومة الوعي والاقتصاد والسياسة، تربط بين الفعل اللغوي والفعل الاجتماعي في شبكةٍ واحدة من المعاني والمصالح. وهي مقاربة نادرة في الكتابة العربية المعاصرة، لأنها تعيد إلى اللغة دورها كأداةٍ للوعي لا كوسيلةٍ للتبرير.
وأقدّر في مقالك أنك جعلت من السخرية موقفًا معرفيًا ومقاومةً فكرية، لا مجرّد أسلوبٍ بلاغي، فهي هنا ليست نفيًا للجدّية، بل وجهها الأكثر صدقًا.
كما شدّني حضور البعد الفلسطيني في المقال، وإن كان مواربًا، ذلك البعد الذي لا يرفع رايةً، بل يتسرّب في نَفَس النصّ ووعيه، بوصفه وعيًا بالتحرر لا جغرافيا للصراع فحسب.
ما يجمعنا، في جوهره، هو الإيمان بأن معركتنا الفكرية لا تنفصل عن معركتنا الأخلاقية، وأن الإصلاح لا يبدأ من المؤسسات وحدها، بل من اللغة التي تصوغ وعينا بالعالم وبأنفسنا.
غايتنا أن تتحوّل المقالات إلى فضاءٍ للحوار كهذا، حيث يلتقي النقد بالفعل الثقافي في تفاعلٍ يفتح أفقًا جديدًا للمعنى، ويعيد الاعتبار لدور المفكر والمثقف والناقد كصوتٍ يضيف ولا يتربّص، يضيء ولا يُدين، ويكشف ولا يُقصي.

دمتَ شريك الحلم والعمل في التأسيس لمستقبل يليق بتضحيات شعبنا.

خالص التقدير والاحترام

غانية ملحيس


***

4- رسالة من غانية ملحيس إلى غسان جابر

الصديق العزيز غسان جابر

قرأتُ بإعجاب مقالك المتميّز “حين يسقط الجدار في الوعي قبل أن يسقط في الأرض”، وقد شدّني فيه عمقه التحليلي وبلاغته الرمزية التي باتت سمة مميّزة لمقالاتك.
استوقفني على نحو خاص دقّة تصويرك للمعاناة الفلسطينية، كما في تمييزك البليغ بين الموت في غزة والموت في الضفّة، ووضوحك في النقد الذاتي، وتسليطك الضوء على الانقسام الداخلي كأخطر العقبات أمام المقاومة والوحدة الوطنية.
ومع ذلك، أرى أن هذا الانقسام لم يعد مجرّد تنافس على السلطة والنفوذ، بل تحوّل بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى تباين جوهري في الرؤى والمناهج في مقاربة الصراع.
فالسلطة الفلسطينية حسمت خيارها بالاستمرار في ترويج أوهام التسوية السياسية مع عدوّ وجوديّ مسيانيّ إحلاليّ نقيض مأفون بعقدة التفوّق على الأغيار، تراهن على حُماته، وتظنّ أن بقاءها ممكن بمزيد من التكيّف والتنازل عن الحقوق الوطنية غير القابلة للتصرّف.
في المقابل، تراهن المقاومة على ما يُحدثه الصمود الأسطوري والاستعصاء على الاستسلام من تحوّلات نوعيّة في الوعي الفلسطيني والعربي والعالمي، تُسقط أوهام “القوة التي لا تُقهر” التي زرعت الخوف في الوعي العربي، وشلّت إرادة التحرّر، وأمّنت للكيان الصهيوني شعورا زائفا بالأمان على مدى خمسة وسبعين عاما.

لقد كشف قطاع غزة الصغير المحاصَر - من عدوّه وأهله وذويه والعالم - حدودَ القوة حين تفعل الإرادةُ التحرّرية فعلها، وأسقط القناع عن وجه الوحشية الصهيونية، وعرّى حُماتها أمام شعوبهم التي بدأت تكتشف زيف المنظومة القيمية التي صاغت وعيها.
فانهارت السرديّة التي منحت العدوّ شرعية سياسية وأخلاقية طوال ثمانية عقود، ووُضع هو وحلفاؤه في مواجهة القانون الدولي والرأي العام الإنساني.
إن القيمة الجوهرية في مقالك تكمن في رؤيته الفلسفية والفكرية التي تساعد القارئ على فهم المأساة الفلسطينية بعمق أكبر، وفهم الملهاة الفلسطينية أيضا.
وأشاركك الرأي في أهمية الوحدة الوطنية، لكنّ الوحدة المطلوبة ليست تلك التي تُرمّم نظاما فصائليا استنفد أغراضه، بل وحدة قاعدية شعبية عابرة للفصائل والتنظيمات والأحزاب، تقوم على مشروع نهضويّ تحرّريّ إنسانيّ جامع للكلّ الفلسطيني، داخل الوطن المحتلّ وخارجه.
نحتاج إلى بناء أطر سياسية وتنظيمية ونقابية وشبابية جديدة، مستقلة عن وصاية الجيل الذي استنفد قدرته على إحداث التغيير الجذري المطلوب، كي تواكب التحوّلات التكوينية التي أحدثها طوفان الأقصى في الوعي الجمعي.
لسنا بحاجة إلى أجهزة تنفّس اصطناعيّ لإحياء فصائل تعاني من موت سريري منذ عقود، بل إلى روحٍ جديدة تُعيد للحلم الفلسطيني جوهره التحرّري ومعناه الإنساني الكوني.
شكرا لك على جهدك الدؤوب الذي يُثري الوعي، ويوسّع دائرة الحوار الوطني حول مستلزمات النهوض والتأسيس لمستقبل أكثر عدلا وكرامة.

خالص المودّة والتقدير،
غانية ملحيس

***

5- رسالة جوابية من غسان جابر إلى غانية ملحيس

الصديقة الكاتبة الكبيرة غانية ملحيس،

قرأت تعليقكِ بامتنانٍ عميق، وشعرت وأنا أتتبّع كلماتك أن الفكر حين يلتقي بالصدق، يولد منه نورٌ لا يخبو. كلماتك لم تكن مجرّد إشادةٍ بمقال، بل كانت امتدادًا لروحٍ تؤمن أن الكلمة يمكن أن تفتح نوافذ الوعي، حتى في أكثر الأزمنة عتمة.
لقد أصبتِ تمامًا في توصيف التحوّل الذي نعيشه بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر؛ فهو لم يكن مجرد حدثٍ عسكري، بل زلزالًا وعيًا أعاد تعريف الصراع، وفضح زيف التسويات المزيّفة التي جعلت من الوهم سياسةً ومن الخضوع واقعيةً. اليوم تتفكك الأسطورة الصهيونية في عقول من صدّقوها، كما يتفكك نظامنا الفصائلي في أذهان من كانوا يرونه قدرًا أبديًا لا يُمسّ.
ما قلتهِ عن الانقسام أوجعَ وأصدقَ من أن يُردَّ عليه بعباراتٍ دبلوماسية. نعم، الانقسام لم يعد ترفًا سياسيا أو تنافسًا على شرعيةٍ باهتة، بل صار شرخًا وجوديًا في الجسد الوطني، جعل الاحتلال يتمدّد في الضفة بـ«ضمٍّ ناعم»، فيما يُدفن أهلنا في غزة تحت الركام. لقد تحوّل الانقسام إلى جدارٍ داخليّ أخطر من الجدار الإسمنتي الذي بنته إسرائيل، لأنه يحاصر الفكرة قبل أن يحاصر الأرض.
أتفق تمامًا مع رؤيتكِ بأن المطلوب ليس «وحدةً فصائلية» تُرمّم هياكل ميتة، بل وحدة شعبية قاعدية جديدة تنبع من الناس لا من فوقهم. من الشوارع والأسواق والجامعات والمخيمات لا من مكاتب التنظيمات ولا من شعاراتٍ مُتعبة. فالوطن لا يُبنى من فوق إلى تحت، بل من الجذور إلى السماء.
إن ما نحتاجه اليوم هو أن نعيد صياغة معنى «المقاومة» نفسها؛ أن تكون مشروع حياةٍ وكرامةٍ ووعيٍ، لا مجرد فعلٍ عسكري. فالمقاومة التي لا تصنع إنسانًا حرًّا، لا يمكن أن تصنع وطنًا حرًّا.
ومثلما قلتِ في تعليقكِ الجميل، فالأجيال الجديدة التي خرجت من رحم النار والطوفان لم تعد ترى فلسطين من خلال عدسة الفصائل، بل من خلال بصيرتها الفطرية بالحرية والعدالة. وهذه هي اللحظة التي يجب ألّا نضيعها في اجترار الماضي أو تكرار الشعارات.
شكراً لكِ على قراءتك العميقة التي تُعيد للمقال روحه، وللحوار الفلسطيني نبضه.
وشكرًا لأنكِ تؤكدين أن الفكر المقاوم لا يقلّ أهمية عن الفعل المقاوم، وأننا بحاجة إلى من يضيئون الطريق بالكلمة، لا إلى من يستهلكون الوعي بالضجيج.

بصدق المحبة والتقدير،
غسان جابر

***


6- رسالة غسان جابر الى غانية ملحيس


قراءة متزنة في مراجعة غانية ملحيس لمشروع القرار الأمريكي بشأن غزة



تقدم الكاتبة غانية ملحيس قراءة نقدية لمسودة القرار الأمريكي المطروح أمام مجلس الأمن، معتبرة أنه يشكل إطارًا لإعادة صياغة السيطرة على قطاع غزة في مرحلة ما بعد الحرب. وعند تحليل بنود المشروع كما عرضتها، يمكن استخلاص مجموعة من الملاحظات الجوهرية التي تستحق التوقف عندها لفهم مسارات القرار وانعكاساته على المشهد الفلسطيني.

أولاً: غياب المساءلة وترسيخ الإفلات من العقاب

تشير ملحيس إلى أن المسودة لا تحمل أي مضمون قانوني لمحاسبة إسرائيل على جرائم الحرب والإبادة، بل تذهب نحو ترتيب بيئة "استقرار" أمني بوساطة قوة دولية مخولة باستخدام القوة. هذا الطرح، وفق القراءة، يضع الأولوية لحماية الوضع القائم وليس لتطبيق القانون الدولي أو العدالة.

ثانيًا: إعادة إنتاج الاحتلال بصيغته النيوليبرالية

المشروع، كما تراه، لا ينهي الاحتلال بل يعيد تشكيله في صورة "إدارة أمنية دولية" تحافظ على السيطرة دون رموز الاحتلال التقليدية. القوة الدولية، بحسب المسودة، تعمل بكامل الصلاحيات وتحت غطاء إنساني – أمني، ما يعني بقاء اليد الإسرائيلية فعليًا عبر تعريفات فضفاضة للاستقرار والمعايير الأمنية.

ثالثًا: إعفاء إسرائيل من تكلفة الدمار

تلفت ملحيس إلى أن مسار إعادة الإعمار يُدار عبر صندوق دولي تموله الدول المانحة، خصوصًا الخليجية، بينما تغيب مسؤولية إسرائيل عن تحمل تبعات الحرب التي شنتها. وهذا يعيد إنتاج نمط قديم: طرف يدمر، وآخر يدفع ثمن إعادة البناء.

رابعًا: تكريس وصاية دولية طويلة الأمد

إنشاء "مجلس السلام" كهيئة انتقالية لإدارة القطاع تحت إشراف دولي يمثل، وفق التحليل، نقلًا لصلاحيات الفلسطينيين إلى جهة خارجية ذات ارتباط مباشر بالمصالح الأمريكية والإسرائيلية. الانسحاب الإسرائيلي التدريجي المشروط بالمعايير الأمنية يكرس التبعية الأمنية بدلاً من إنهاء الاحتلال.

خامسًا: تفكيك البنية الفلسطينية القائمة

تشير الكاتبة إلى أن المسودة تضع مهامًا تتعلق بنزع السلاح، وإعادة تشكيل الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وإخضاعها لإشراف دولي، وهو ما يعني التحكم في أدوات الحكم الفلسطينية وتفريغها من استقلاليتها.

سادسًا: تشكيل نخب جديدة بلا عمق وطني

تنتقد ملحيس محاولات صياغة "بيئة قيادية جديدة" داخل غزة تعمل ضمن متطلبات المشروع الدولي، معتبرة ذلك خطوة نحو صناعة طبقة إدارية منفصلة عن السياق التاريخي للنضال الفلسطيني.

سابعًا: تحويل القضية إلى ملف إنساني

من أخطر ما تشير إليه الكاتبة هو تحويل القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى مسار إنساني – إداري مرتبط بإصلاحات تقنية للسلطة الفلسطينية، على نحو مشابه لمسار أوسلو الذي طال دون نتائج وطنية ملموسة.

ثامنًا: هندسة الوعي والسيطرة الشاملة

ترى ملحيس أن القرار لا يتوقف عند الأمن والإعمار، بل يتعداه إلى التأثير على التعليم والاقتصاد والسياسة والبعد الثقافي، بهدف إعادة تشكيل الوعي الفلسطيني نحو نموذج "تعاوني–وظيفي" بعيد عن روح المقاومة.

نقول: تسلط غانية ملحيس الضوء على أن مشروع القرار الأمريكي لا يقدم حلولًا سياسية حقيقية، بل يسعى إلى إدارة الصراع بدل حلّه، عبر إعادة ترتيب قطاع غزة ضمن نظام وصاية أمنية – اقتصادية دولية تبقي زمام التحكم بيد الولايات المتحدة وإسرائيل.

ورغم أهمية هذه القراءة النقدية، فإن التحليل المتوازن يدعو أيضًا إلى التأكيد على أن أي نقاش حول مستقبل غزة يجب أن يُبنى على حق الفلسطينيين في السيادة الكاملة، والمساءلة القانونية للاحتلال، ورفض استبدال الاحتلال العسكري باحتلال ناعم تحت مسمى الاستقرار الدولي.

بهذه الروح، تصبح قراءة ملحيس دعوة لليقظة السياسية، ورفض حل يُدار من الخارج دون تمثيل حقيقي للإرادة الوطنية الفلسطينية.

مع أطيب التحيات
غسان جابر
18/11/2025




7- رسالة اانية ملحيس


الأستاذ غسان جابر

أشكرك جزيل الشكر على مداخلتك القيمة وقراءتك العميقة للمقال حول مسودة القرار الأمريكي بشأن غزة. يسرني أن نلتقي على أرضية التحليل الموضوعي التي ركزت عليها، خاصةً فيما يتعلق بأبعاد المساءلة القانونية وإعادة صياغة السيطرة على القطاع، وكذلك التأكيد على حق الفلسطينيين في السيادة والمساءلة.

أقدر بشكل خاص إشارتك إلى ضرورة التوازن في قراءة المشهد، وعدم الاقتصار على الجوانب النقدية فقط، بل أيضًا النظر إلى الأطر التي يمكن أن تشكل أساسًا لأي نقاش سياسي جاد حول مستقبل غزة، وارتباطه البنيوي بعموم المستقبل الوطني الفلسطيني. تعليقك يركز على مركزية تعزيز الوعي السياسي الفلسطيني وعدم الانزلاق إلى المبالغة في التوقعات، وهو ما أراه ضروريًا لأي تحليل معمق لمسائل شائكة كهذه.

أتطلع إلى استمرار مثل هذه الحوارات التي تثري النقاش العام وتساعد في رسم صورة أوضح للمسارات الممكنة للتعامل مع التحديات المتنامية، مرتكزين على التاريخ ودلالاته، مع التأكيد على أن الإرادة الوطنية التحررية الفلسطينية الجامعة يجب أن تظل محور أي مقاربة مستقبلية.

خالص المودة والاحترام
غانية ملحيس
19/11/2025

***


8- رسالة د. غانية ملحيس الى غسان جابر



الأستاذ العزيز غسان

‎كعادتك، وببلاغتك المعهودة، تنجح في مقالك الثري المعنون " غزة… حين يكتشف رئيس العالم أن للتاريخ كلمة أخيرة" المنشور في وكالة وطن للأنباء 22/1/2026، بإعادة غزة إلى مكانها الطبيعي: لا كخبر عاجل أو مأساة إنسانية معزولة، بل كامتحان تاريخي متكرر لمشاريع القوة حين تفقد معناها.

‎لفتني كثيرا استدعاؤك غزة بوصفها «مدينة التأخير» لا الهزيمه، تفكيك دقيق لوهم الحسم الذي لازم الإمبراطوريات الكبرى، من الإسكندر الأكبر إلى ترامب، الذي يسارع الخطى للاستحواذ على العالم، عله يجعل أمريكا “عظيمة” بالنهج الإبادي ذاته الذي بُنيت فيه قبل قرون.

‎يمارس السياسة بعقلية المقامر العقاري، ويتوهم أن النجاة ممكنة بالطريقة نفسها التي أفلت بها من الحساب عبر التحايل على قانون الإفلاس الأمريكي. ولجهله بالتاريخ، لا يتعظ بمصير نيرون ولا هتلر.

‎تستحضر التاريخ القديم والحديث باقتدار لتؤكد حقيقة ثابتة: غزة، التي تموضعَت جغرافيا في مركز وصل وفصل العالم القديم، وعبرها الغزاة من كل حدب وصوب، تذكّرنا بأنهم جميعا رحلوا، وباتوا أثرا عابرا في سجلها، بينما بقيت هي عصيّة على الزوال، وبقي شعبها الأبيّ المرابط عصيا على الفناء.

‎وكما تقول، غزة تُسقط الأوهام وتكشف التناقضات. لكن يبقى السؤال المركزي: كيف نرتقي إلى مستوى غزة؟

‎وكيف نترجم ما كشفته أنهار دماء أهلها على أرضها الطاهرة إلى فعل سياسي منظم، لا يكتفي بإرباك الخصم، بل يمنع إعادة إنتاج الهيمنة بأدوات جديدة

‎الخطر، كما تشير، لا يكمن في القوة العارية وحدها، بل في “سلام” يولد بلا عدالة، وفي أطرٍ دولية تحاول تحويل غزة من سؤال أخلاقي إلى “ملف إدارة”. هنا يصبح التحدي الفلسطيني ليس في الصمود فقط، بل في منع تحويل أثر غزة إلى رأس مالٍ سياسي يُستثمر ضدها.

‎غزة، كما تقول يا غسان، لا تطلب حكم العالم، لكنها لا يمكن أن تبقى مجرد مرآة. الامتحان الحقيقي يبدأ حين ننتقل من كشف زيف “الرجل - العالم” إلى بناء ذات فلسطينية قادرة على التقاط لحظة التشقق في الولايات المتحدة والغرب الاستعماري، وتوظيف التصدّع الذي عمّقته غزة بين الأنظمة والشعوب - فلسطينيًا وعربيا وإقليميا ودوليا - للتأسيس لنهوضٍ حقيقي، يحوّل اللحظة الأخلاقية إلى مسار تحرري واضح. لكن يبقى السؤال الأكثر إلحاحا:

‎كيف يتطهّر النظام السياسي الفصائلي الفلسطيني من رجس أوسلو والانقسام، ويرتقي إلى مستوى طُهر دماء أطفال ونساء وشيوخ وشباب غزة ومخيمات الضفة؟

‎بهذا المعنى، لا تكون غزة سبب سقوط هذا الرئيس أو ذاك، بل سبب سقوط الوهم الأخطر: وهم أن التاريخ انتهى، وأن العدالة ترف، وأن القوة وحدها تكفي لإدارة العالم.

مودتي واحترامي

غانية ملحيس
23/1/2025


//////



9- رسالة غسانوجابر


الأستاذة القديرة غانية ملحيس،

أشكرك من القلب على هذا التعليق العميق الذي لا يقرأ المقال فقط، بل يقرأ ما وراءه وما قبله وما ينبغي أن يأتي بعده. كلماتك ليست مجاملة عابرة، بل قراءة نقدية واعية تُضيف إلى الفكرة وتدفعها خطوة أخرى إلى الأمام.

توصيفك لغزة بأنها ليست مجرد مأساة، بل امتحان تاريخي لمشاريع القوة، أصاب جوهر ما نحاول قوله دائما: غزة ليست حدثا طارئا في نشرات الأخبار، بل لحظة كاشفة في مسار التاريخ. هي النقطة التي تتكسر عندها أوهام التفوق، ويتعرّى فيها منطق القوة حين ينفصل عن المعنى والأخلاق.

توقفتُ كثيرًا عند سؤالك المركزي: كيف نرتقي إلى مستوى غزة؟

وهذا، برأيي، هو السؤال الذي يجب أن يطغى على كل نقاش فلسطيني اليوم، أكثر من أي سؤال تكتيكي أو فصائلي.

غزة قدّمت ما هو أبعد من الصمود؛ قدّمت لحظة أخلاقية كونية أعادت تعريف الصراع في وعي الشعوب، وخلخلت السرديات الجاهزة في الغرب قبل الشرق. لكن الخطر - كما تفضلتِ بدقة - أن تتحول هذه اللحظة إلى مجرد رأسمال عاطفي يُستثمر في الخطاب، لا إلى رأسمال سياسي يُبنى عليه مشروع تحرري متجدد.

المعركة اليوم لم تعد فقط مع احتلال يبطش، بل مع محاولة تحويل القضية إلى: ملف إغاثي، أزمة إنسانية مزمنة، ومشكلة إدارة سكان تحت سقف أمني. وهنا يصبح التحدي فلسطينيا داخليا بقدر ما هو خارجي: كيف نمنع سرقة المعنى الذي صنعته تضحيات غزة؟

كيف نمنع تحويل الدم إلى بند في موازنة المانحين بدل أن يكون حجر أساس في مشروع وطني جامع؟

سؤالك عن تطهّر النظام السياسي من إرث أوسلو والانقسام ليس ترفا فكريا، بل شرط بقاء سياسي. لا يمكن لواقع فصائلي متشظ، محكوم بحسابات سلطة محدودة الأفق، أن يوازي تضحيات بحجم ما قدمته غزة والضفة. الارتقاء إلى مستوى الدم يعني إعادة بناء:

وحدة التمثيل، أولوية المشروع الوطني على الكيانات، والسياسة بوصفها فعل تحرر، لا إدارة أزمة.

غزة اليوم لا تطلب منا خطابًا أعلى صوتا، بل أفقًا أوضح.

لا تطلب بطولات لفظية، بل إطارًا سياسيًا يليق بتضحياتها.

صدقتِ تمامًا: المسألة ليست سقوط رئيس هنا أو حكومة هناك، بل سقوط الوهم الأكبر - وهم أن العالم يُدار بالقوة وحدها، وأن العدالة يمكن تأجيلها إلى ما لا نهاية.

غزة أعادت العدالة إلى مركز النقاش العالمي، والتحدي أن نُعيدها نحن إلى مركز الفعل السياسي الفلسطيني.

كل التقدير لقراءتك الرفيعة، ولأسئلتك التي تفتح الطريق بدل أن تغلقه.

غسان جابر
25/1/2025


***



- رسالتان متبادلتان بين غانية ملحيس وغسان جابر حول الشراكة المسيحية في النضال التحرري الفلسطيني

10- رسالة غانية ملحيس


الأستاذ العزيز غسان

مقالك المعنون " المسيحي الفلسطيني… جذورٌ في الأرض، وبوصلةٌ للهوية، وشريكٌ في مسيرة الحرية" في 30/1/2026
ليس مجرد مقال توصيفي، بل شراكة في الوعي، واستعادة ضرورية لمكانة المسيحي الفلسطيني في قلب السردية الوطنية، ليس على هامشها ولا بوصفها حالة خاصة تحتاج تعريفا.
ما تطرحه ينسجم مع حقيقة أوسع في تاريخ المشرق: لم يكن المسيحيون العرب عبر التاريخ طائفة على هامش الصراع، بل فاعلين أصليين في مقاومة الغزو الأجنبي، لأن الصراع في المشرق لم يكن دينيا في جوهره، بل صراعا على الأرض والسيادة والمعنى.
وعليه، كل عربي، مسلما كان أم مسيحيا، يُقرأ أولا كإنسان سياسي كامل قبل أي دور رمزي أو أخلاقي.
منذ القدم دافع أهل البلاد - مسيحيون ومسلمون - عن عروبتها، وقاتلوا سويا إبان الحروب الإفرنجية /الصليبية/ باعتبارها أرضا عربية لا طائفة، وصولا إلى النضال التحرري في مواجهة الاستعمار الحديث. نحن أمام خيط واحد: الانحياز للأرض وللناس ضد كل مشروع استعمار أجنبي أو اقتلاع.
أهمية مقالك أنه يعيد المسيحي الفلسطيني إلى هذا السياق الطبيعي، كفاعل وطني تشكّل وعيه في قلب الصراع. ومن هنا، يبدو لي أن المقال يفتح الباب أمام مجموعة من القضايا التي باتت اليوم جزءا من تحديات المرحلة وتستحق المعالجة الجماعية:
أول هذه القضايا هو كيفية الموازنة بين الاعتزاز بالدور التاريخي، ومواجهة الواقع القاسي الذي يهدد الوجود المسيحي الفلسطيني اليوم، من هجرة قسرية وضغوط اقتصادية وسياسية، في ظل استعمار لا يميّز بين أبنائه إلا بقدر ما يخدم مشروع التفريغ.
وثانيها هو الحاجة إلى تحويل الذاكرة من سردية استدعاء إلى أداة فعل سياسي وثقافي، تحمي التعدد الفلسطيني من التحوّل إلى رمز فولكلوري، وتبقيه جزءا حيا من مشروع التحرر. فقد يتبادر إلى الذهن أن هذا الدور يُبنى كلغة إثبات، كأننا بحاجة إلى تأكيد وجوده أمام العالم. غير أن استدعاء التاريخ على أهميته - فرصة أيضا للتفكير في أن فلسطين لم تكن يوما بحاجة إلى إثبات طائفي، بل إلى استعادة فهمها كوحدة شعبية ومصيرية، بوصفها حقيقة تاريخية راسخة، لكنها اليوم مطالبة بأن تُصان سياسيا ومجتمعيا، لا أن تُفترض أخلاقيا فقط، في زمن الاستقطاب والتفكيك.
وتبرز أيضا مسألة الخطاب الفلسطيني الموجّه إلى العالم: كيف نُبقي المسيحي الفلسطيني جسرا أخلاقيا ومعرفيا يخاطب الضمير العالمي، دون أن يتحوّل هذا الدور إلى بديل عن الفعل الوطني الجماعي، بل مكملا له.
وأخيرا، يظل السؤال المفتوح الذي يطرحه مقالك ضمنيا: كيف نحمي هذا المكوّن الأصيل من العزل أو التذويب، ونضمن أن يبقى، كما كان دائما، جزءا من بوصلة النضال لا مجرد شاهد على مساره؟
مقالك لا يُغلق النقاش، بل يفتحه في الاتجاه الصحيح. وهو نص يُقرأ بوصفه دعوة لاستكمال السردية الفلسطينية الجامعة، لا لتجزئتها.
حين نستعيد هذا التاريخ وننظر في تحديات الحاضر، لا نفعل ذلك من باب التذكير أو الحنين، بل من باب المسؤولية المشتركة: مسؤولية حماية التعدد الفلسطيني بوصفه قوة نضال لا زينة، وصون المسيحي الفلسطيني - كما كان دائما - جزءا حيا من بوصلة التحرر، لا شاهدا عليه ولا عنوانا رمزيا يُستدعى عند الحاجة.
نحن أبناء هذه الأرض، نختلف في طرق الإيمان ونتوحّد في المصير، وحين نحمي تعددنا، نحمي فلسطين نفسها، حاضرا ومستقبلا.
كل التقدير لجهدك ولمكانته في هذا الحوار الضروري.
غانية ملحيس
30/1/2025



//////////////

11- رسالة غسان جابر


الأستاذة الكاتبة القديرة غانية مليحس حفظها الله
قرأت كلماتك بامتنان عميق، لا لأنها أثنت على المقال فحسب، بل لأنها قرأته من المكان الذي كُتب منه: من مساحة الوعي المشترك والمسؤولية الوطنية.
مداخلتك لم تكن تعليقًا عابرًا، بل إضافة فكرية حقيقية للنص، وامتدادًا طبيعيًا له. لقد وضعتِ يدك على جوهر الفكرة: أن حضور المسيحي الفلسطيني في السردية الوطنية ليس تفصيلاً ولا استثناءً، بل جزء أصيل من تكوينها التاريخي والإنساني والسياسي. وهذا الفهم هو بالضبط ما نحتاجه اليوم في مواجهة محاولات التفكيك والعزل وإعادة تعريف شعبنا على أسس ضيقة لا تشبه تاريخه.
توقفتُ كثيرًا عند إشارتك إلى ضرورة تحويل الذاكرة من مجرد استدعاء إلى أداة فعل، وإلى خطورة أن يتحول التعدد الفلسطيني إلى رمز فولكلوري بدل أن يبقى طاقة حية في مشروع التحرر. هذا الطرح يلامس جوهر التحدي الذي نعيشه، ويمنح المقال بعدًا مستقبليًا يتجاوز التوثيق إلى المسؤولية.
كما أن طرحك حول دور الخطاب الفلسطيني الموجّه إلى العالم، وأهمية بقاء المسيحي الفلسطيني جسرًا أخلاقيًا ومعرفيًا دون أن يكون بديلاً عن الفعل الوطني الجامع، هو طرح في غاية النضج ويستحق أن يُبنى عليه في نقاشات أوسع.
أشعر أن مقالكِ الموازي للنص - إن صح التعبير - لم يقرأ ما بين السطور فقط، بل أضاء مساحات لم أكتبها لكنها كانت حاضرة في النية والوجدان. وهذا بالنسبة لأي كاتب هو أعلى درجات التكريم.
لكِ مني كل التقدير على هذا الجهد الفكري النبيل، وعلى روحك الوطنية الجامعة التي ترى في التعدد قوة، وفي الوحدة مسؤولية، وفي فلسطين هويةً ومصيرًا لا يقبلان القسمة.
بكل الاحترام والامتنان،
غسان جابر
30/1/2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى