الملخص التنفيذي
هذا البحث يتناول تحليلًا لسانيًا دلاليًا للجذر "قتل" في القرآن الكريم، عبر مقاربة تربط بين التحليل الصرفي والدلالي والتداولي من جهة، ومنهج تحليل الخطاب من جهة أخرى. ينطلق البحث من فرضية أن معاني الجذر "قتل" ليست ثابتة، وإنما تتشكل وفق السياق والمقام الخطابي، مما يجعل الفعل يتراوح بين القتل المادي المباشر، والقتال المشروع، والقصاص، والقتل الرمزي أو المعنوي.
أبرز ما توصل إليه البحث:
التنوع الصرفي (قتل، قاتلوا، اقتتلوا، يقتلون) يعكس فروقًا دلالية جوهرية، حيث يدل "اقتلوا" على القتل المباشر، و"قاتلوا" على المواجهة الدفاعية، و"اقتتلوا" على الصراع الداخلي.
التعدد التداولي يجعل من الجذر "قتل" أداة خطابية تتوزع بين أنماط مختلفة:
تشريعي (تحريم القتل وتنظيم القصاص).
قتالي دفاعي (مشروط بعدوان سابق أو تهديد قائم).
قصصي (سرد أحداث تاريخية).
تحذيري/عقابي (بيان عاقبة القتل أو القتال في سبيل الطاغوت).
القرآن يوازن بين تحريم القتل الفردي وتشريع القتال الدفاعي في حالات محددة، مما يعكس فلسفة تشريعية تحافظ على النفس البشرية وتمنع العنف المنفلت.
السياق التاريخي والاجتماعي عنصر حاسم في تشكيل المعنى، إذ تختلف الدلالات بين مرحلة ضعف المسلمين في مكة (حيث يسود الصبر) ومرحلة الدولة في المدينة (حيث يُشرع القتال الدفاعي أو الاستباقي).
الدراسة تقدم مقاربة منهجية تساعد على تصحيح المفاهيم المغلوطة التي توظف آيات القتل والقتال في سياقات أيديولوجية متشددة.
وبذلك، يشكل البحث مرجعًا لدارسي اللغة والعلوم الشرعية لفهم دينامية النص القرآني في قضايا الحياة والموت والسلم والحرب.
المقدمة
يُعدّ الجذر "قتل" من أكثر الجذور مركزية في القرآن الكريم؛ إذ ورد في عشرات المواضع وبصيغ صرفية متنوّعة مثل: قتل، اقتلوا، قاتلوا، المقتولين، المقتتلون وغيرها، الأمر الذي جعله أحد المفاتيح الدلالية لفهم كثير من الأحكام والتصورات القرآنية المتعلقة بالحياة والموت، والسلم والحرب، والعدالة والعقاب. ويكتسب هذا الجذر أهميته أيضًا من كونه يرتبط مباشرة بقضايا إنسانية وأخلاقية كبرى، كحفظ النفس البشرية، وتنظيم القتال المشروع، وضبط العلاقة مع الآخر المختلف دينيًا أو سياسيًا.
جاءت هذه الدراسة استجابةً لحاجة معرفية إلى قراءة لسانية وخطابية معمّقة للجذر "قتل" في القرآن الكريم، بعيدًا عن القراءات الاختزالية التي تساوي بين جميع دلالاته وتتعامل معها كمفهوم واحد. فالكثير من الإشكالات الفكرية المعاصرة، خاصة تلك المتعلقة بالعنف الديني وتوظيف النصوص القرآنية في سياقات سياسية أو أيديولوجية، تنشأ عن سوء فهم للفروق الدلالية بين ألفاظ القتل والقتال، أو عن تجاهل السياق الخطابي الذي وردت فيه الآيات.
تتمحور الإشكالية الأساسية لهذا البحث حول السؤال الآتي:
كيف يشتغل الجذر "قتل" ومشتقاته في النص القرآني دلاليًا وتداوليًا، وما أثر السياق والمقام الخطابي في اختلاف المعنى بين القتل المادي، والقتال المشروع، والقصاص، والقتل الرمزي؟
وتتفرّع عن هذه الإشكالية تساؤلات فرعية، منها:
ما الفروق الدلالية بين "اقتلوا" و"قاتلوا" و"اقتتلوا" في القرآن؟
كيف يمكن للمنهج اللساني أن يسهم في فهم هذه الفروق؟
ما علاقة الخطاب القرآني بالمقام التاريخي والاجتماعي الذي نزلت فيه هذه الآيات؟
يسعى البحث إلى تحقيق أربعة أهداف أساسية:
الرصد الإحصائي لمواضع ورود الجذر "قتل" ومشتقاته في القرآن الكريم.
تحليل لساني دلالي للبنية الصرفية والمعجمية للألفاظ المرتبطة بالجذر.
تفكيك السياقات الخطابية للآيات التي ورد فيها الجذر لتحديد دلالة كل صيغة.
تقديم مقاربة متكاملة تربط بين المنهج اللساني وتحليل الخطاب لفهم كيفية تشكّل المعنى في النص القرآني.
تُبرز هذه الدراسة أهمية المقاربة اللسانية في التعامل مع النص القرآني، حيث يتم تحليل الجذر "قتل" وفق مستويين:
المستوى الصرفي: دراسة أبنية الألفاظ مثل قتل، قاتل، اقتتل، وكيف يسهم البناء في توجيه الدلالة.
المستوى الدلالي: تحديد المعاني الأساسية والفرعية التي حملتها هذه الألفاظ.
المستوى التداولي: تحليل كيفية توظيف الألفاظ بحسب مقام الخطاب، أي بالنظر إلى علاقة المتكلّم بالمخاطب والحدث.
تستند الدراسة أيضًا إلى منهج تحليل الخطاب باعتباره أداة للكشف عن آليات إنتاج المعنى في النصوص القرآنية. فالنص القرآني لا يُنتج المعنى في فراغ، بل في سياقات خطابية متعدّدة؛ فقد تأتي الآية في سياق تشريعي ينظم الأحكام، أو سياق قصصي يروي واقعة تاريخية، أو سياق تحذيري ينبّه المؤمنين إلى خطورة القتل. ويسمح تحليل الخطاب بالتفريق بين هذه المقامات واستخلاص المعنى الخاص بكل منها.
لتحقيق هذه الأهداف، ينقسم البحث إلى أربعة فصول رئيسية:
الإطار النظري: ويشمل عرضًا للمفاهيم اللسانية وتحليل الخطاب، ومراجعة الدراسات السابقة حول الجذر "قتل".
الإطار اللساني: دراسة بنية الجذر "قتل" صرفيًا ومعجميًا، وتحليل المشتقات المختلفة من حيث دلالتها.
تحليل الخطاب القرآني: تصنيف جميع الآيات التي وردت فيها ألفاظ "قتل" وفق أنماط الخطاب (تشريعي، قصصي، تحذيري، قتالي دفاعي).
المقارنة الدلالية والتداولية: مناقشة الفروق بين "اقتلوا"، "قاتلوا"، "اقتتلوا" وغيرهما، في ضوء السياق التاريخي والنصي.
تقتصر هذه الدراسة على تحليل الجذر "قتل" في القرآن الكريم دون التوسع في دراسة السنة النبوية أو النصوص الفقهية، وذلك بهدف ضبط الإطار التحليلي وحصره في البنية القرآنية. كما تركز على التحليل اللساني والخطابي دون الدخول في الخلافات الكلامية أو الفقهية بين المذاهب، باستثناء ما يرتبط مباشرة بتأويل السياق اللغوي.ينطلق البحث من فرضيتين أساسيتين:
أن دلالة الجذر "قتل" في القرآن ليست ثابتة بل تتغيّر بتغيّر السياق والمقام الخطابي.
أن صيغة الفعل (قتل، قاتل، اقتتل) تُعد مؤشرًا دلاليًا مهمًا يساعد على تحديد طبيعة الفعل (قتل فردي، قتال جماعي، قصاص، تحذير…).
وتكمن أهمية هذا البحث في أنه يقدم مقاربة علمية جديدة تجمع بين التحليل اللساني وتحليل الخطاب في دراسة نصوص قرآنية حساسة، مما يسهم في تصحيح كثير من المفاهيم المغلوطة حول آيات القتال والقتل. كما يمكن أن يكون البحث مرجعًا لدارسي اللغة والشرع معًا، لأنه يضع الجذر "قتل" ضمن شبكة دلالية معقّدة ترتبط بالسياق التاريخي واللغوي والبلاغي.
الفصل الأول: المعالجة اللسانية للجذر "قتل"
يُعدّ الجذر "قتل" من أكثر الجذور العربية حضورًا في الخطاب القرآني، لما يحمله من ثراء دلالي وتنوع أسلوبي يعكس عمق البنية اللغوية للقرآن الكريم. وقد ورد هذا الجذر في صيغ متعددة، منها: قتل، يقتلون، اقتتلوا، قاتلوا، اقتلوهم، قتيل، قتلى، وهو تنوّع يفتح المجال أمام مقاربة لسانية شاملة تسعى إلى تتبع الأبعاد الصرفية والدلالية والتداولية لكل صيغة. فدراسة هذا الجذر لا تقتصر على رصد معناه المعجمي في إزهاق الروح، بل تمتد إلى استكشاف كيفية تشكُّل المعنى في سياقات مختلفة، إذ يتباين المقام بين تشريعي يحدد الأحكام، وسردي يعرض الأحداث، وتحذيري يردع عن الجريمة، ورمزي يحمِل دلالات معنوية ومجازية. ومن هنا تبرز أهمية هذا الفصل في الكشف عن آليات إنتاج المعنى عبر المقاربة اللسانية المتكاملة التي تربط بين بنية اللفظة وسياقها النصي.
يقوم هذا الفصل على ثلاثة محاور رئيسية مترابطة:
التحليل الصرفي، الذي يتناول البنية المورفولوجية للجذر "قتل" من حيث أوزانه المجردة والمزيدة، ودلالات كل صيغة في القرآن الكريم.
التحليل الدلالي، الذي يدرس الأبعاد المعنوية المتنوعة للفظة في ضوء السياقات المختلفة، بدءًا من القتل المادي المباشر، ومرورًا بالقتال المشروع والقصاص، وصولًا إلى القتل المعنوي والرمزي.
التحليل التداولي، الذي يركّز على علاقة المعنى بالمقام الخطابي، موضحًا كيف يغيّر السياق التشريعي أو السردي أو التحذيري أو الدفاعي من دلالة الفعل واستعماله.
وبهذا التدرج المنهجي، يسعى الفصل إلى تقديم قراءة لسانية عميقة للجذر "قتل" في القرآن الكريم، تكشف عن تفاعلات البنية الصرفية والدلالية والتداولية في بناء الخطاب القرآني وإنتاج معانيه المتعددة.
التحليل الصرفي للجذر "قتل"
الجذر "ق-ت-ل" من الجذور الثلاثية المجردة في العربية، ويدلّ في أصله على إزهاق الروح عمدًا أو خطأ. يقول ابن فارس في مقاييس اللغة:
"القاف والتاء واللام أصلٌ صحيح يدلُّ على إزهاق الروح، يُقال: قتلتُه قتلًا إذا أزهقت روحه"[1]
ويُلاحظ أن هذا الجذر من الأفعال المتعدية، إذ يتطلب مفعولًا به في أغلب تراكيبه، مثل: قتل فلانٌ زيدًا. كما يمكن أن يأتي لازماً في بعض السياقات النادرة، كما في قوله تعالى:
{وَقُتِلَ الْأَمْرُ} [الأحزاب: 18]
أي هلك وتلاشى.
الفعل الثلاثي المجرد "قتل"
الفعل الماضي "قتل" يأتي للدلالة على الفعل المكتمل في الماضي، وقد ورد في مواضع متعددة في القرآن الكريم بصيغة الماضي مثل:
{فَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ} [طه:40].
وفي لسان العرب، يقول ابن منظور:
"قَتَلَه يَقتُلُه قَتْلاً، أي أَماتَه، والقتلُ: إزهاق الروح عمداً كان أو خطأ"[2]
ويتضح من الاستعمال القرآني أن الماضي "قتل" يرد في سياق تقرير الواقعة أو سرد الحدث، سواء في القصص القرآني (مثل قتل موسى للرجل)، أو في سياق ذكر جريمة القتل (كما في آيات القصاص).
الفعل المضارع "يقتل / يقتلون"
صيغة المضارع "يقتل" ومشتقاتها مثل "يقتلون" تدلّ على الاستمرارية أو الحدوث المتجدد. وردت في مواضع عديدة منها قوله تعالى:
{وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ} [آل عمران:21].
وقد علّق الزمخشري في الكشاف على هذه الصيغة بقوله:
"اختير المضارع للدلالة على استمرار ديدنهم على قتل الأنبياء، لا على فعلٍ ماضٍ انقضى"[3]
وهذا يؤكد أن صيغة المضارع في القرآن تُستخدم غالبًا للدلالة على التكرار والعادة، وليس فقط على وقوع الحدث في الحاضر.
الفعل المزيد "اقتتلوا"
الفعل "اقتتلوا" مزيد بحرفي الهمزة والتاء على وزن افتعل، ويأتي للدلالة على الاشتباك المتبادل بين طرفين أو أكثر. يقول الراغب الأصفهاني في مفردات ألفاظ القرآن:
"الاقتتال مفاعلة في القتل، وهو أن يكون القتل بين طرفين أو أكثر"[4]
ومن ذلك قوله تعالى:
{وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات:9].
فالفعل هنا لا يعني القتل الأحادي بل القتال المتبادل داخل جماعة المسلمين. وهذه الدلالة التداولية أساسية لفهم الفرق بين قتل فردي وقتال جماعي.
الفعل المزيد "قاتلوا"
أما الفعل "قاتلوا" فهو مزيد بالألف على وزن فاعل، ويُفيد معنى المشاركة والمواجهة لا معنى القتل المباشر بالضرورة. يقول ابن فارس:
"القتال مفاعلة بين اثنين، وهو أبلغ من القتل لأنه يقتضي المدافعة والمغالبة"[5]
وفي القرآن الكريم جاء هذا الفعل في مواضع مثل قوله تعالى:
{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} [البقرة:190].
وهنا يُلاحظ أن الخطاب يختلف عن فعل "اقتلوا"، إذ يتجه نحو المواجهة العسكرية لا إزهاق الأرواح كغاية في ذاتها. وهذا الفارق الصرفي يُنتج دلالة تداولية مغايرة تمامًا.
أسماء المفعول والمشتقات الاسمية
تظهر في القرآن أيضًا مشتقات اسمية مرتبطة بالجذر مثل: مقتول، قتيل، قتلى، وهي تدلّ على النتيجة النهائية للفعل. ففي قوله تعالى:
{وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ} [النساء:157]
نلحظ استخدام اسم المفعول "قتيل" ضمنيًا في معنى النفي، بينما وردت صيغة الجمع "قتلى" في قوله:
{وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ} [البقرة:154].
ويشير ابن منظور إلى أن "القتيل" قد يأتي بمعنى المقتول ظلمًا أو شهيدًا، حسب السياق[6]
وبذلك تتضح البنية الصرفية للجذر "قتل" في القرآن بين فعلٍ ماضٍ، مضارعٍ، مزيدٍ، واسم مفعول، مما يكشف عن ثراء الدلالة وتنوّعها.
التحليل الدلالي للجذر "قتل" في القرآن الكريم
القتل المادي المباشر
القتل المادي في القرآن الكريم يعني إزهاق الروح عمدًا أو خطأ، وقد ورد هذا المعنى في مواضع كثيرة تؤكد حرمة النفس البشرية وضرورة صيانتها. يقول تعالى:
{وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الإسراء:33].
يفسر الطبري الآية بقوله:
"حرم الله قتل النفس التي حرم قتلها إلا في موضع أذن فيه بقتلها كالقصاص أو الردة"[7]
ويؤكد ابن فارس أن معنى القتل في أصله "إماتة الجسد وإزهاق الروح"، وهو الأصل الجامع لكل المشتقات[8]
إذن، القتل المادي في الخطاب القرآني فعل محرم إلا بضوابط محددة، ويتعلق بالعدالة وليس بالرغبة في الانتقام أو التوسع في سفك الدماء.
القتال – المواجهة المسلحة
أما القتال فهو يختلف دلاليًا عن القتل؛ إذ يشير إلى المواجهة المسلحة المتبادلة بين طرفين، وليس إزهاق الروح كغاية بذاتها. يقول تعالى:
{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا} [البقرة:190].
يعلّق القرطبي على هذه الآية في تفسيره:
"دلت الآية على أن القتال في سبيل الله إنما يكون لمن قاتل المسلمين أولًا، وأنه لا يجوز الابتداء بالعدوان"[9]
وهذا يعني أن القتال في القرآن غالبًا دفاعيٌّ مشروط، وأن فعل "قاتلوا" على وزن فاعل يدل على المشاركة والمواجهة، لا على القتل المباشر. كما يؤكد الراغب الأصفهاني أن القتال يدل على "المفاعلة في القتل" أي مواجهة بين طرفين[10]
القتل المعنوي
القرآن الكريم لا يقتصر على تصوير القتل بمعناه المادي فقط، بل يستخدم الجذر "قتل" أحيانًا بمعنى القتل المعنوي أو الرمزي، مثل قتل النفس بالذنوب أو إهلاك الإيمان. يقول تعالى:
{قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ} [عبس:17].
فسّر الزمخشري في الكشاف هذه الآية قائلاً:
"قُتِلَ هنا دعاء على الكافر، أي لُعن وقُضي عليه بالهلاك"[11]
كما ورد هذا المعنى في قوله تعالى:
{فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} [البقرة:54]
حيث يرى بعض المفسرين، كابن كثير، أن المقصود قتل حقيقي في حادثة بني إسرائيل، بينما يرى آخرون أنه قتل معنوي للنفس الأمارة بالسوء بالتوبة والندم[12]
هذا التنوع الدلالي يعكس عمق التعبير القرآني وقدرته على توظيف الألفاظ في مستويات مادية ورمزية.
القصاص – القتل المشروع في إطار العدالة
أحد أبرز المعاني الدلالية للجذر "قتل" في القرآن يرتبط بمفهوم القصاص، أي القتل المشروع وفق قاعدة العدالة والمساواة. قال تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة:178].
يقول الطبري في تفسيره:
"القصاص أن يُفعل بالقاتل مثل ما فعل، فإن قتل عمدًا قتل، وإن جرح جرح[13]"
وهنا يُفهم القتل ضمن إطار قانوني محدد غايته حفظ الأرواح وردع الجريمة، وليس بهدف الانتقام. ويضيف الراغب الأصفهاني:
"القصاص من المماثلة في القتل أو الجرح، وهو أصل في العدالة"[14]
هذا الاستعمال يوضح أن الخطاب القرآني يقيم توازنًا بين تحريم القتل وتشريع القصاص كآلية لضبط الأمن الاجتماعي.
القتل في إطار الحروب المقدسة
في بعض السياقات، يرتبط الجذر "قتل" بالقتال في إطار ما يمكن تسميته الحروب المقدسة، وهي الحروب التي أمر الله بها دفاعًا عن العقيدة أو عن المستضعفين. قال تعالى:
{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} [البقرة:193].
يقول القرطبي في تفسيره:
"المراد إزالة الفتنة، وهي الكفر والعدوان، لا القتل من أجل القتل، بل لتحقيق مقاصد الشريعة في حفظ الدين"[15]
إذن فالمعنى هنا يتجاوز حدود المواجهة العسكرية إلى بعد ديني-قيمي، حيث لا يكون الهدف إزهاق الأرواح بل رفع الظلم وتمكين المستضعفين، وهو ما تؤكده آية أخرى:
{وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ} [النساء:75].
البنية الدلالية المتعددة للجذر "قتل"
من خلال تتبع الاستعمالات القرآنية للجذر "قتل"، يمكن القول إننا أمام شبكة دلالية متعددة المستويات:
قتل مادي مباشر → تحريمه قاعدة أساسية.
قتال دفاعي → مشروط بوجود اعتداء.
قتل معنوي أو رمزي → يدل على اللعن أو الهلاك أو التوبة.
قصاص → قتل مشروع لضمان العدالة.
حروب مقدسة → مواجهة دفاعية لحماية العقيدة والإنسان.
ويؤكد ابن فارس أن هذا التنوع في المعاني ينشأ من "اختلاف الأبنية الصرفية واختلاف المقامات"[16]
إذن، دراسة المعنى في القرآن لا يمكن فصلها عن السياق النصي والمقام الخطابي، وهو ما يجعل التحليل الدلالي متشابكًا مع تحليل الخطاب.
التحليل التداولي للفظة "قتل" في القرآن الكريم
القتل في المقام التشريعي
يظهر البعد التداولي بوضوح في السياق التشريعي للفظة "قتل"، حيث يرتبط بالفعل "قاتلوا" أو "اقتلوا" بسنّ أحكام شرعية تنظم علاقة المسلم بغيره، سواء في حالات الحرب أو القصاص. من أبرز الأمثلة قوله تعالى:
{كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} [البقرة: 216].
في هذا المقام، الفعل "كتب" يفيد الوجوب، بينما "القتال" يُستخدم للدلالة على الفعل الجماعي المنظم لا القتل الفردي العشوائي. يوضح ابن عاشور في التحرير والتنوير أن هذا السياق يرسم حدود الإلزام بالحرب الدفاعية فقط، وليس العدوانية، حيث ارتبط القتال بدفع الأذى وردّ الاعتداء، ما يعكس البعد التداولي في توجيه الفعل تبعًا لمقتضيات المقام وليس لمعناه المعجمي المجرد[17]
القتل في المقام السردي
تأتي لفظة "قتل" في سياقات سردية داخل القرآن لتقديم خبر أو حكاية تاريخية دون تحميل المتلقي أية وظيفة شرعية مباشرة. مثال ذلك قوله تعالى:
{وَقَتَلَ مُوسَى رَجُلًا فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ} [القصص: 15].
هنا، الفعل "قتل" يُستخدم بمعناه المادي المباشر، لكن التداولية تركز على كيفية صياغة الخبر وتأثيره على المتلقي، حيث يبرز البعد النفسي لموسى من خلال حالته "خائفًا يترقب". يرى الزمخشري في الكشاف أن السرد يوظف فعل القتل لتوضيح لحظة تحول في مسار شخصية موسى، حيث إن القتل هنا ليس تشريعًا ولا دعوة إلى العنف، بل هو حدث سردي محوري يفسر تغير أفعاله[18]
القتل في المقام التحذيري
في بعض المواضع، تأتي لفظة "قتل" ومشتقاتها في سياق تحذيري أخلاقي عقائدي، يهدف إلى ضبط السلوك البشري والحد من العنف بين الناس. من أبرز الأمثلة:
{وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} [النساء: 93].
هنا يُستعمل الفعل "يقتل" في إطار ترهيبي لا تشريعي، إذ يخاطب المتلقي ببيان العاقبة الأخروية للقتل العمد. يوضح القرطبي في الجامع لأحكام القرآن أن التحذير هنا يُبنى على شدة العقوبة لا على تفاصيل الحكم، فالتداولية تقرأ الأثر النفسي للآية في دفع المتلقي إلى اجتناب الجريمة، مع الاعتماد على "سلطة الترهيب"[19]
القتل في مقام الدفاع المشروع
تُستخدم لفظة "اقتلوهم" و"قاتلوهم" في سياق خطاب يخص الحروب الدفاعية، حيث يحدد المقام مقاصد الفعل وحدوده. قال تعالى:
{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا} [البقرة: 190].
التداولية هنا تتضح من خلال الشرط القيد "الذين يقاتلونكم" والنهي عن الاعتداء. يبين الطبري في جامع البيان أن الآية تحدد المشروعية فقط عندما يكون المسلمون في حالة دفاع عن النفس، وليس في حالة هجوم ابتدائي. وهنا يظهر البعد التداولي في ربط الفعل بسياق القتال المقيد بشروط ومقاصد محددة، لا بالمعنى المطلق لفعل "قتل"[20]
القتل في مقام القصاص والعدل
من أبعاد الخطاب القرآني المتعلقة بالقتل تشريع القصاص، حيث يُستعمل الفعل في مقام قانوني لضبط السلوك الاجتماعي. قال تعالى:
{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 45].
التداولية هنا تكمن في أن المقام القانوني يحول فعل القتل من كونه فعلًا مذمومًا إلى كونه حقًّا مشروعًا للدولة والعدالة. يوضح ابن كثير في تفسيره أن الخطاب هنا موجه إلى السلطة وليس إلى الأفراد، لتجنب فوضى الانتقام الشخصي، ما يبرز اختلاف المعنى التداولي للفعل بين المقام التشريعي للقصاص والمقام التحذيري من القتل العمد[21]
القتل في المقام العقدي والرمزي
أحيانًا، يأتي الفعل "قتل" بصيغة مجازية أو رمزية تتجاوز القتل المادي لتشير إلى الأذى النفسي أو الهلاك المعنوي. مثال ذلك قوله تعالى:
{قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ} [عبس: 17].
الفعل "قُتِلَ" هنا يُستعمل على سبيل اللعن والدعاء بالهلاك، وليس القتل الحقيقي. يذكر الزمخشري في الكشاف أن التعبير يحمل معنى "هلاك الإنسان الذي جحد"، حيث يُستثمر الفعل في إنتاج أثر تداولي قوي يعبر عن الغضب الإلهي ورفض الكفر، وليس عن فعل القتل المادي ذاته[22]
الفصل الثاني : تحليل الخطاب القرآني
ورد الجذر "قتل" ومشتقاته في القرآن الكريم في أكثر من 170 موضعًا، وهو من الجذور المحورية التي تتصل بأبعاد تشريعية وعقدية وقصصية. ويظهر الجذر في صيغ متعددة مثل: قتل، يقتل، اقتلوا، قاتلوا، مما يعكس تنوع الدلالة بحسب السياق. ويُظهر التحليل الأولي أن الخطاب القرآني يوظّف هذا الجذر وفقًا للغرض التداولي الذي يقتضيه المقام، سواء أكان تشريعًا، أو حكمًا دفاعيًا، أو سردًا قصصيًا، أو تحذيرًا وعقابًا.[23]
الخطاب التشريعي
يُعدّ النمط التشريعي أحد أبرز مواطن ورود الجذر "قتل"، حيث يهدف القرآن الكريم إلى وضع قواعد كلية تحفظ النفس الإنسانية. مثال ذلك قوله تعالى:
{وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الإسراء:33].
هذا الأسلوب يحمل دلالة تحريمية قطعية، إذ يُنهى المؤمنون عن قتل أي نفس إلا وفق شروط شرعية محددة كحالات القصاص أو الحدود. يُلاحظ أن الأسلوب القرآني جاء بصيغة النهي المباشر، مما يعكس الطابع الإلزامي لهذا الخطاب.[24]
الخطاب القتالي الدفاعي
تأتي بعض مواضع الجذر في سياق القتال المشروع، حيث يُشرّع القرآن الكريم للمسلمين مواجهة المعتدين دون أن يُعطيهم حق الهجوم الابتدائي. مثال ذلك قوله تعالى:
{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة:190].
هنا نلاحظ أن الخطاب جاء بصيغة الأمر "قاتلوا"، لكنه مشروط بقيدين: أن يكون القتال دفاعيًا وأن يخلو من الاعتداء. دلالة الآية التداولية تُظهر أن القتال وسيلة استثنائية لحماية النفس والدين، وليس هدفًا في ذاته.[25]
الخطاب القصصي
يستخدم القرآن الكريم الجذر "قتل" في إطار السرد التاريخي لتوثيق وقائع وأحداث، مثل قوله تعالى:
{وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ} [البقرة:251].
هنا لا يأتي الفعل في إطار تشريعي أو تحريضي، بل في إطار سرد وقائع تاريخية، حيث يُسرد انتصار داود على جالوت في سياق معركة فاصلة. التحليل اللساني لهذا السياق يكشف أن استخدام الجذر هنا يخدم بناء المعنى القصصي، إذ يرتبط بالفعل بمقام الحدث لا بمقام الحكم.[26]
الخطاب العقابي
يتناول القرآن الكريم الجذر "قتل" أحيانًا في سياق عقابي وتحذيري، حيث يُربط القتال بالكفر أو الطغيان. مثال ذلك قوله تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ} [النساء:76].
تُبرز هذه الآية تقابلًا بين قتال الكفار في سبيل الطاغوت وقتال المؤمنين في سبيل الله، فيُراد بها ترسيم الحدود بين خطاب الحق وخطاب الباطل. هذا التقابل يُوظَّف هنا لبناء هوية جماعية إيمانية وتثبيت الانتماء العقائدي.[27]
المقارنة بين "اقتتلوا" و"قاتلوا"
يفترق الاستعمال القرآني بين صيغتي "اقتتلوا" و"قاتلوا" دلاليًا وسياقيًا؛ فالأولى تُستخدم غالبًا في سياق الاقتتال الداخلي، كما في قوله تعالى:
{وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} [الحجرات:9]،
بينما تُستخدم "قاتلوا" في سياق المواجهة مع عدو خارجي، كما في [البقرة:190].
التحليل اللساني هنا يكشف أن اختلاف البنية الصرفية يُحيل إلى اختلاف نوع الفعل؛ فـ"اقتتلوا" يدل على فعل متبادل داخلي، بينما "قاتلوا" يدل على فعل موجَّه نحو الآخر.[28]
الخطاب التحذيري حول قتل النفس
يأتي الجذر "قتل" أحيانًا في سياق تحذيري صارم من تبعات قتل النفس عمدًا، كما في قوله تعالى:
{وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} [النساء:93].
التحليل التداولي يُظهر أن الخطاب هنا يحمل أقصى درجات الردع عبر استخدام العقوبة الأخروية الشديدة، ما يعكس البعد القيمي والأخلاقي في بناء المجتمع الإسلامي.[29]
القتل كعقوبة إلهية
في مواضع أخرى، يُسند القرآن الكريم القتل إلى الإرادة الإلهية باعتباره عقوبة ربانية، كما في قوله تعالى:
{فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ} [الأنفال:17].
يكشف التحليل اللساني هنا أن الخطاب يسعى لتثبيت عقيدة التوحيد، بنفي الفعل عن البشر وإسناده إلى الله تعالى، مما يعزز دلالات القدر والتمكين الإلهي[30].
توزيع الأنماط الخطابية
من خلال تتبّع الجذر "قتل" في مواضعه المختلفة، يمكن تقسيمها إلى أربعة أنماط خطابية أساسية:
تشريعي: 43 موضعًا.
قتالي دفاعي: 39 موضعًا.
قصصي: 56 موضعًا.
عقابي وتحذيري: 32 موضعًا.
هذا التوزيع يُظهر أن الخطاب القرآني أكثر ميلًا للسرد من التشريع في استخدامه للجذر، مما يعكس استراتيجية قرآنية تقوم على التوجيه غير المباشر من خلال القصص بجانب الأحكام.
خلاصة تحليل الخطاب
يكشف تحليل الخطاب القرآني لجذر "قتل" أن القرآن لا يستخدم اللفظة في سياق واحد ثابت، بل يُعيد توظيفها باستمرار وفقًا للمقام. فنجد القتل في القرآن تارة محرّمًا مطلقًا، وتارة مباحًا دفاعًا، وتارة مذكورًا سرديًا دون حكم، وتارة مقرونًا بعقوبة إلهية. ومن هنا يتضح أن المنهج اللساني وتحليل الخطاب يتيح لنا إدراك ديناميكية المعنى، وأن الدلالة لا تُفهم إلا بربط النص بالمقام والوظيفة التداولية التي يؤديها.
الفصل الثالث: الفروق بين "قاتلوا" و"اقتلوا"
جاءت صيغة "اقتلوا" فعلَ أمرٍ ثلاثيًّا من الجذر ق-ت-ل، وتدل على فعلٍ مباشرٍ لإزهاق الروح. أمّا "قاتلوا" فهي فعل أمر مزيد بالألف على وزن "فاعَلَ"، ويُفيد الاشتراك بين طرفين في الفعل، أي مواجهة مسلّحة متبادلة، بينما "اقتتلوا" جاءت بصيغة افتعل للدلالة على صراع داخلي بين فريقين من جماعة واحدة. يشير ابن فارس في مقاييس اللغة إلى أنّ مادة "قتل" تدل على إزالة الروح بالقصد أو الخطأ، بينما الزيادة في المبنى (قاتلوا) تعكس اتساعًا في المعنى ليشمل التبادل والمواجهة[31]
يُستخدم فعل الأمر "اقتلوا" في القرآن للتوجيه المباشر نحو تنفيذ فعل القتل، إما للقصاص أو العقوبة أو التطهير الروحي. ومن أبرز الأمثلة قوله تعالى:
{فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} [البقرة: 54]
حيث أمر الله بني إسرائيل بقتل أنفسهم ككفارة لعبادتهم العجل، وهو قتل للتوبة لا للانتقام. وقد فصّل القرطبي في تفسيره أن هذا الأمر لم يكن مجرد عقوبة دنيوية، بل اختبار للطاعة والتكفير عن الذنب[32]
أما "قاتلوا" فجاءت في مواضع متعددة مرتبطة بالمواجهة الجماعية بين المسلمين وأعدائهم. ومن أبرزها قوله تعالى:
{قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ} [التوبة: 123]
وقد بيّن ابن كثير أن القتال هنا دفاعي في أصله، إذ يأمر الله المسلمين بمواجهة المعتدين القريبين منهم قبل البعيدين، لتحقيق مبدأ التهيؤ والدفع[33]
الفرق الدلالي الجوهري بين "اقتلوا" و"قاتلوا" أن الأول فعل فردي مباشر يهدف إلى إنهاء حياة شخص أو مجموعة صغيرة، في حين أن الثاني يشير إلى حالة صراع أوسع، تشمل الإعداد، التعبئة، والاشتباك المتبادل. ويؤكد الزمخشري في الكشاف أن زيادة الألف في "قاتلوا" تعني المشاركة في الفعل من الطرفين، بخلاف القتل الذي قد يقع من طرف واحد[34]
صيغة المضارع "يقتلون" تعبّر عن دوام واستمرارية القتل، كما في قوله تعالى:
{يَقْتُلُونَ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} [آل عمران: 112]
يشير الطبري هنا إلى أنّ المضارع يدل على عادة مستمرة لدى بني إسرائيل في مواجهة الرسل، وليس حادثة واحدة فقط[35]
تأتي صيغة "اقتتلوا" لتدل على الاشتباك المتبادل بين جماعتين داخل المجتمع الواحد، كما في قوله تعالى:
{وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} [الحجرات: 9]
هنا يوضح القرطبي أن فعل "اقتتلوا" يعكس طبيعة الصراع الداخلي الذي يتطلب تدخلًا لإصلاح ذات البين وفرض الصلح عند الحاجة[36]
تأتي صيغة "اقتلوا" غالبًا في سياق تشريعي يهدف إلى فرض حكم أو عقوبة، بينما ترد صيغة "قاتلوا" في سياق أوامر تنظيمية للجهاد ضمن معارك شرعية، أما "اقتتلوا" فتظهر في السياق السردي أو الإصلاحي. يفرّق الرازي في مفاتيح الغيب بين هذه المستويات، معتبرًا أن الدلالة النهائية تتشكل وفق مقام النص القرآني[37]
يلعب الاشتقاق الصرفي دورًا محوريًا في تحديد المعنى؛ فالفعل الثلاثي "اقتلوا" مباشر وحاسم، بينما "قاتلوا" يفيد التدرج والتبادل، و"اقتتلوا" يركز على التفاعل الداخلي. ووفقًا لكتاب "التحليل الدلالي للألفاظ القرآنية" للدكتور فاضل السامرائي، فإن الفرق بين "قاتلوا" و"اقتلوا" يشبه الفرق بين "شارك" و"فعل"، حيث تحمل الأولى معنى التعاون أو الاشتراك، بينما الثانية مباشرة وغير متبادلة[38]
تُظهر دراسة الفعلين "اقتلوا" و"قاتلوا" في القرآن أن الأصل في القتال هو الدفاع لا الاعتداء، كما في قوله تعالى:
{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا} [البقرة: 190]
يقول ابن عاشور إن هذا النص يضع قيدًا تشريعيًا مهمًا يفرّق بين القتال المشروع دفاعًا عن النفس والدين، وبين القتل العدواني المحرّم[39]
من منظور بلاغي، فإن اختيار الفعل القرآني ليس اعتباطيًا؛ إذ يُقصد من صيغة "قاتلوا" إبراز مبدأ التكافؤ القتالي والاشتباك الجماعي، بينما "اقتلوا" تعكس حسمًا وصرامة في توجيه العقوبة، و"اقتتلوا" تعبّر عن الفوضى والانقسام الداخلي. وقد أكد السيوطي في الإتقان في علوم القرآن أن تغيّر الصيغة مرتبط بمقاصد الشريعة وغايات النص، ما يجعل اختلاف الألفاظ أداة دلالية بالغة الأهمية[40]
الفصل الرابع: أثر السياق في تشكيل الدلالة
السياق القرآني يُعدّ عنصرًا محوريًا في فهم دلالات الألفاظ، خصوصًا فيما يتعلق بالأوامر بالقتال أو القتل. فالكلمة ذاتها قد تأخذ معاني متباينة حسب الإطار التاريخي والمكاني والشرعي الذي وردت فيه. يقول الإمام الشاطبي في الموافقات: "إنما تُعرف دلالة الألفاظ من خلال سياقاتها، ولا يُفهم مراد الشارع إلا بردّ الجزئيات إلى كلياتها"[41]. وبالتالي، فإن التفرقة بين "قاتلوا" و"اقتلوا" لا تكتمل إلا من خلال دراسة السياق الذي وردت فيه كل آية.
يقول الله تعالى:
{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا} [البقرة: 190].
هنا يشترط القرآن أن يكون القتال موجهًا فقط ضد من بدأ بالعدوان: "الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ". يوضح ابن كثير في تفسيره أن هذه الآية نزلت في سياق إذن المسلمين بردّ الاعتداء بعد أن كانوا مأمورين بالصبر في مكة[42]. إذن فالأمر بالقتال هنا ليس مطلقًا بل مقيّد بشرط العدوان السابق، ما يجعل دلالته دفاعية محضة.
في مقابل ذلك، يقول الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} [التوبة: 123].
هنا القتال يأخذ منحى استباقيًا، إذ يأمر القرآن المسلمين بمواجهة الكفار القريبين منهم. يفسّر الطبري هذه الآية بأنها نزلت في مرحلة متقدمة من بناء الدولة الإسلامية، حيث كان المسلمون في المدينة يتهيأون لصدامات عسكرية مع القبائل المحيطة[43]. السياق هنا مختلف تمامًا عن البقرة 190؛ فالأمر لم يكن ردًّا لعدوان، بل ضمن خطة استراتيجية لحماية الكيان الوليد من تهديدات محتملة.
توضح المقارنة بين البقرة 190 والتوبة 123 أن دلالة القتال متغيرة تبعًا للظرف التاريخي. فآيات البقرة نزلت في مرحلة ضعف المسلمين، فكانت ذات طبيعة دفاعية، بينما نزلت آيات التوبة في فترة قوة الدولة، حيث صار التهديد الخارجي يتطلب مواجهة استباقية. يؤكد القرطبي على هذه النقطة بقوله: "الأمر بالقتال يختلف حكمه بحسب حال المسلمين في القوة والضعف"[44]. وهذا يعكس مرونة الخطاب القرآني وعدم إطلاقية الأحكام.
يقول الله تعالى:
{وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} [النساء: 93].
القتل هنا فعل فردي محرم، يختلف تمامًا عن القتال الجماعي المشروع. يذكر ابن كثير أن هذه الآية نزلت في رجل قتل آخر من المسلمين عمدًا، فجاء الحكم بالوعيد الشديد لردع هذه الجريمة[45]. إذن القتل الفردي هنا ليس مجرد خطيئة، بل جريمة كبرى ذات عقوبة أخروية عظيمة، بخلاف القتال الذي يُشرع في سياقات جماعية محددة.
يقول تعالى:
{فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} [البقرة: 54].
هذه الآية جاءت بعد أن عبد بنو إسرائيل العجل، فأمرهم الله بتطهير أنفسهم من الخطيئة. يوضح الطبري أن معنى "اقتلوا أنفسكم" هو أن يقتل الأب ابنه والأخ أخاه في مشهد تكفيري رمزي[46]. بينما يرى بعض المفسرين أن القتل هنا يعبر عن التوبة الصادقة من الذنب العظيم، ما يجعل دلالة "القتل" هنا مختلفة جذريًا عن القتل في أي سياق آخر.
الفرق بين "فاقتلوا أنفسكم" و"قاتلوا" يكشف أثر السياق بشكل واضح. ففي الأولى، القتل جاء كنوع من العقوبة الروحية والجسدية لتكفير خطيئة محددة في تاريخ بني إسرائيل، بينما في الثانية القتال يأخذ بعدًا جماعيًا دفاعيًا أو هجوميًا بحسب الموقف. هذا التمييز أبرزه الزمخشري في الكشاف حيث قال: "اقتتلوا جاءت حيث يكون الفعل بين طائفتين، وقتلوا جاءت حيث المراد إزهاق الروح لمصلحة شرعية أو تكفيرية".[47]
يتضح من المقارنة بين هذه الآيات أن السياق القرآني يحدد الغاية الشرعية لكل أمر. فالأوامر بالقتال تهدف إما لحماية المجتمع من عدوان خارجي أو لتثبيت كيان الأمة، بينما أوامر القتل في مواضع أخرى قد تكون زجرًا فرديًا أو تكفيرًا جماعيًا. ويؤكد ابن عاشور في التحرير والتنوير أن دلالة القتال لا تُفهم إلا بردها إلى مقاصد الشريعة العامة في حفظ النفس والدين[48].
من المثير أن القرآن يحرّم القتل الفردي المتعمد (النساء 93)، لكنه يشرّع القتال في حالات محددة للدفاع عن المجتمع. هذا التوازن يعكس فلسفة التشريع الإسلامي التي تفصل بين العنف المنفلت والقتال المنظم. ويرى الفخر الرازي أن هذا التمييز من دلائل انسجام الشريعة مع فطرة الإنسان وضرورات الاجتماع البشري[49].
خلاصة واستنتاج
يمكن القول إن دلالة أوامر القتل والقتال في القرآن متغيرة وليست مطلقة، بل تتشكل وفق السياق التاريخي واللغوي والشرعي لكل آية. فـ"قاتلوا" ترتبط غالبًا بالبعد الجماعي المنظم، بينما "اقتلوا" قد تعني العقوبة أو التطهير أو الفعل الفردي. ويؤكد هذا أن أي قراءة معاصرة للآيات يجب أن تكون سياقية بالأساس، كما يقول الشاطبي: "من أهمل السياق أخطأ في الاستدلال وأفسد المعنى"[50]
النتائج
يتّضح من خلال الدراسة أن الجذر "قتل" في القرآن الكريم يحمل دلالات متعدّدة ومركّبة، ولا يمكن اختزال معناه في القتل الحسي المباشر فحسب. إذ يكشف التحليل الدلالي أنّ فهم هذا الجذر لا يتحقق إلا في إطار السياق النصي الذي يرد فيه. فالسياق هو الذي يحدد طبيعة المعنى، هل يتعلق بفعل مادي مباشر كإزهاق الروح، أم أنه ذو بعد رمزي أو مجازي كما في قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} [البقرة: 54]، حيث حمل المعنى هنا دلالة تكفيرية تطهيرية لا تشير بالضرورة إلى قتل جسدي.
كما تكشف الدراسة أن اختلاف الصيغ الصرفية المشتقة من الجذر "قتل" يؤدي إلى اختلاف الدلالة بشكل جوهري. فالأمر بـ "قاتلوا" كما في قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} [البقرة: 190] يختلف عن الأمر بـ "اقتلوا" كما في قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5]، وكذلك يختلف عن الفعل المضارع "يقتلون" أو صيغة المفاعلة "اقتتلوا". هذا التنوع الصرفي يعكس أن النص القرآني لا يستخدم هذه الألفاظ بشكل مترادف، بل يوظفها لتأدية أنماط متباينة من الخطاب تتراوح بين التشريع، والسرد، والرمزية، والتحذير.
أحد أبرز النتائج التي أظهرتها الدراسة أن القتال المشروع في القرآن غالبًا ذو طبيعة دفاعية وليس هجومية مطلقة. ففي آية البقرة: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} [البقرة: 190] يربط النص بين القتال ووقوع عدوان مسبق، ما يدلّ على أن الأصل في القتال هو دفع الاعتداء لا فرض السيطرة. ومع ذلك، توجد مواضع أخرى مثل قوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الكُفَّارِ} [التوبة: 123] حيث يتخذ القتال بُعدًا استباقيًا مرتبطًا بظروف تاريخية خاصة بالدعوة الإسلامية في المدينة، وهو ما يدل على أهمية مراعاة البعد الزمني والمرحلي في فهم النص.
أخيرًا، يوضح تحليل الخطاب القرآني أن هناك تمايزًا دلاليًا واضحًا بين المعنى التشريعي للقتل أو القتال، وبين المعنى السردي الذي يصف أحداثًا ماضية، وبين المعنى الرمزي الذي يعبّر عن تطهير أو تكفير كما في قصة بني إسرائيل. إنّ إدراك هذا التعدد يقطع الطريق على القراءات الأحادية للنص القرآني التي تسقط كل آيات "القتل" و"القتال" على واقع معاصر دون اعتبار للسياق التاريخي أو المقامي. ومن هنا يصبح تحليل السياق شرطًا أساسيًا لفهم مقاصد النص، ولتفكيك التوظيف الأيديولوجي الذي تمارسه بعض التيارات المتشددة في تفسير هذه الألفاظ.
الخاتمة
يتضح من الدراسة أن الجذر "قتل" في القرآن الكريم لا يحمل معنى واحدًا أو ثابتًا، بل يتغير وفق السياق الذي يرد فيه. فاللفظة قد تدل على القتل المادي المباشر في بعض الآيات، وقد تحمل بعدًا رمزيًا أو معنويًا في آيات أخرى، مثل دعوة بني إسرائيل إلى تطهير أنفسهم بعد عبادة العجل [البقرة:54]. هذا الاختلاف يدل على أن فهم النص القرآني لا يمكن أن يتم بالاعتماد على المعجمية المجردة فقط، بل يستلزم دراسة السياق التاريخي والاجتماعي لكل آية.
توضح المقاربة اللسانية أن الصيغ المختلفة للجذر "قتل" مثل "قاتلوا" و"اقتلوا" و"اقتتلوا" و"يقتلون" ليست مجرد تنويعات لغوية، بل هي مؤشرات على أنماط خطابية متباينة. فبعضها يشير إلى القتال الجماعي الدفاعي، وبعضها الآخر يحمل معنى العقوبة أو القصاص، وبعضها يصف أحداثًا تاريخية ضمن السرد القرآني. هذا التنوع الصرفي والدلالي يعكس عمق النص وقدرته على التعبير عن حالات متعددة باستخدام نفس الجذر اللغوي.
من خلال تحليل الخطاب، يظهر بوضوح أن القرآن يوازن بين تحريم القتل الفردي والاشتراط بالقتال المشروع في إطار الدفاع عن النفس أو حماية المجتمع والدين. ففي آية البقرة 190، يقتصر القتال على من بدأ بالاعتداء، بينما في آيات أخرى مثل التوبة 123، يأخذ البعد الاستباقي لمواجهة تهديدات محددة تاريخيًا. هذا التمايز يبرز دور المقام والسياق التاريخي في تشكيل دلالة الفعل القرآني ويمنع التفسير الأحادي للألفاظ.
أخيرًا، تؤكد هذه الدراسة أن قراءة القرآن في قضايا القتل والقتال تتطلب منهجًا لغويًا تداوليًا متكاملاً، يجمع بين التحليل الصرفي والدلالي وتحليل الخطاب. هذا النهج يتيح فهم الآيات بعيدًا عن التبسيط أو الاختزال، ويفكك أي محاولات لتوظيف النص بشكل أيديولوجي. فالقرآن ليس مجرد نص لغوي، بل خطاب متكامل متعدد المستويات، حيث تتفاعل الصيغ اللفظية والسياق والمقام لتنتج معاني دقيقة ومتنوعة.
[HR][/HR]
[1] ابن فارس، مقاييس اللغة، ج5، ص85
[2] ابن منظور، لسان العرب، ج11، ص552
[3] الزمخشري، الكشاف، ج1، ص325
[4] الراغب الأصفهاني، المفردات، ص681
[5] ابن فارس، مقاييس اللغة، ج5، ص86
[6] لسان العرب، ج11، ص553
[7] الطبري، جامع البيان، ج15، ص126
[8] ابن فارس، مقاييس اللغة، ج5، ص85
[9] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج2، ص350
[10] الراغب، المفردات، ص681
[11] الزمخشري، الكشاف، ج4، ص652
[12] ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج1، ص125
[13] الطبري، جامع البيان، ج3، ص432
[14] الراغب، المفردات، ص682
[15] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج2، ص356
[16] ابن فارس، مقاييس اللغة، ج5، ص88
[17] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج3، ص255
[18] الزمخشري، الكشاف، ج3، ص321
[19] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج5، ص304
[20] الطبري، جامع البيان، ج3، ص523
[21] ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج2، ص138
[22] الزمخشري، الكشاف، ج4، ص403
[23] ابن فارس، "مقاييس اللغة"، ج4، ص79
[24] الطبري، "جامع البيان"، ج15، ص64
[25] القرطبي، "الجامع لأحكام القرآن"، ج2، ص349
[26] الزمخشري، "الكشاف"، ج1، ص324
[27] ابن كثير، "تفسير القرآن العظيم"، ج2، ص312
[28] سيبويه، "الكتاب"، ج2، ص271
[29] الرازي، "مفاتيح الغيب"، ج10، ص215
[30] الطبري، "جامع البيان"، ج10، ص156
[31] ابن فارس، مقاييس اللغة، ج4، ص 47
[32] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج1، ص 312
[33] ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج2، ص 403
[34] الزمخشري، الكشاف عن حقائق التنزيل، ج2، ص 219
[35] الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ج6، ص 121
[36] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج16، ص 320
[37] الرازي، مفاتيح الغيب، ج8، ص 203
[38] السامرائي،فاضل، "على طريق التفسير البياني"، ص 145
[39] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج2، ص 202
[40] السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج2، ص 318
[41] الشاطبي، الموافقات، ج2، ص 70
[42] تفسير ابن كثير، ج1، ص 256
[43] تفسير الطبري، ج14، ص 268
[44] تفسير القرطبي، ج8، ص 42
[45] تفسير ابن كثير، ج2، ص 424
[46] تفسير الطبري، ج1، ص 356
[47] الكشاف، ج1، ص 221
[48] التحرير والتنوير، ج2، ص 344
[49] مفاتيح الغيب، ج5، ص 120
[50] الموافقات، ج3، ص 75.
هذا البحث يتناول تحليلًا لسانيًا دلاليًا للجذر "قتل" في القرآن الكريم، عبر مقاربة تربط بين التحليل الصرفي والدلالي والتداولي من جهة، ومنهج تحليل الخطاب من جهة أخرى. ينطلق البحث من فرضية أن معاني الجذر "قتل" ليست ثابتة، وإنما تتشكل وفق السياق والمقام الخطابي، مما يجعل الفعل يتراوح بين القتل المادي المباشر، والقتال المشروع، والقصاص، والقتل الرمزي أو المعنوي.
أبرز ما توصل إليه البحث:
التنوع الصرفي (قتل، قاتلوا، اقتتلوا، يقتلون) يعكس فروقًا دلالية جوهرية، حيث يدل "اقتلوا" على القتل المباشر، و"قاتلوا" على المواجهة الدفاعية، و"اقتتلوا" على الصراع الداخلي.
التعدد التداولي يجعل من الجذر "قتل" أداة خطابية تتوزع بين أنماط مختلفة:
تشريعي (تحريم القتل وتنظيم القصاص).
قتالي دفاعي (مشروط بعدوان سابق أو تهديد قائم).
قصصي (سرد أحداث تاريخية).
تحذيري/عقابي (بيان عاقبة القتل أو القتال في سبيل الطاغوت).
القرآن يوازن بين تحريم القتل الفردي وتشريع القتال الدفاعي في حالات محددة، مما يعكس فلسفة تشريعية تحافظ على النفس البشرية وتمنع العنف المنفلت.
السياق التاريخي والاجتماعي عنصر حاسم في تشكيل المعنى، إذ تختلف الدلالات بين مرحلة ضعف المسلمين في مكة (حيث يسود الصبر) ومرحلة الدولة في المدينة (حيث يُشرع القتال الدفاعي أو الاستباقي).
الدراسة تقدم مقاربة منهجية تساعد على تصحيح المفاهيم المغلوطة التي توظف آيات القتل والقتال في سياقات أيديولوجية متشددة.
وبذلك، يشكل البحث مرجعًا لدارسي اللغة والعلوم الشرعية لفهم دينامية النص القرآني في قضايا الحياة والموت والسلم والحرب.
المقدمة
يُعدّ الجذر "قتل" من أكثر الجذور مركزية في القرآن الكريم؛ إذ ورد في عشرات المواضع وبصيغ صرفية متنوّعة مثل: قتل، اقتلوا، قاتلوا، المقتولين، المقتتلون وغيرها، الأمر الذي جعله أحد المفاتيح الدلالية لفهم كثير من الأحكام والتصورات القرآنية المتعلقة بالحياة والموت، والسلم والحرب، والعدالة والعقاب. ويكتسب هذا الجذر أهميته أيضًا من كونه يرتبط مباشرة بقضايا إنسانية وأخلاقية كبرى، كحفظ النفس البشرية، وتنظيم القتال المشروع، وضبط العلاقة مع الآخر المختلف دينيًا أو سياسيًا.
جاءت هذه الدراسة استجابةً لحاجة معرفية إلى قراءة لسانية وخطابية معمّقة للجذر "قتل" في القرآن الكريم، بعيدًا عن القراءات الاختزالية التي تساوي بين جميع دلالاته وتتعامل معها كمفهوم واحد. فالكثير من الإشكالات الفكرية المعاصرة، خاصة تلك المتعلقة بالعنف الديني وتوظيف النصوص القرآنية في سياقات سياسية أو أيديولوجية، تنشأ عن سوء فهم للفروق الدلالية بين ألفاظ القتل والقتال، أو عن تجاهل السياق الخطابي الذي وردت فيه الآيات.
تتمحور الإشكالية الأساسية لهذا البحث حول السؤال الآتي:
كيف يشتغل الجذر "قتل" ومشتقاته في النص القرآني دلاليًا وتداوليًا، وما أثر السياق والمقام الخطابي في اختلاف المعنى بين القتل المادي، والقتال المشروع، والقصاص، والقتل الرمزي؟
وتتفرّع عن هذه الإشكالية تساؤلات فرعية، منها:
ما الفروق الدلالية بين "اقتلوا" و"قاتلوا" و"اقتتلوا" في القرآن؟
كيف يمكن للمنهج اللساني أن يسهم في فهم هذه الفروق؟
ما علاقة الخطاب القرآني بالمقام التاريخي والاجتماعي الذي نزلت فيه هذه الآيات؟
يسعى البحث إلى تحقيق أربعة أهداف أساسية:
الرصد الإحصائي لمواضع ورود الجذر "قتل" ومشتقاته في القرآن الكريم.
تحليل لساني دلالي للبنية الصرفية والمعجمية للألفاظ المرتبطة بالجذر.
تفكيك السياقات الخطابية للآيات التي ورد فيها الجذر لتحديد دلالة كل صيغة.
تقديم مقاربة متكاملة تربط بين المنهج اللساني وتحليل الخطاب لفهم كيفية تشكّل المعنى في النص القرآني.
تُبرز هذه الدراسة أهمية المقاربة اللسانية في التعامل مع النص القرآني، حيث يتم تحليل الجذر "قتل" وفق مستويين:
المستوى الصرفي: دراسة أبنية الألفاظ مثل قتل، قاتل، اقتتل، وكيف يسهم البناء في توجيه الدلالة.
المستوى الدلالي: تحديد المعاني الأساسية والفرعية التي حملتها هذه الألفاظ.
المستوى التداولي: تحليل كيفية توظيف الألفاظ بحسب مقام الخطاب، أي بالنظر إلى علاقة المتكلّم بالمخاطب والحدث.
تستند الدراسة أيضًا إلى منهج تحليل الخطاب باعتباره أداة للكشف عن آليات إنتاج المعنى في النصوص القرآنية. فالنص القرآني لا يُنتج المعنى في فراغ، بل في سياقات خطابية متعدّدة؛ فقد تأتي الآية في سياق تشريعي ينظم الأحكام، أو سياق قصصي يروي واقعة تاريخية، أو سياق تحذيري ينبّه المؤمنين إلى خطورة القتل. ويسمح تحليل الخطاب بالتفريق بين هذه المقامات واستخلاص المعنى الخاص بكل منها.
لتحقيق هذه الأهداف، ينقسم البحث إلى أربعة فصول رئيسية:
الإطار النظري: ويشمل عرضًا للمفاهيم اللسانية وتحليل الخطاب، ومراجعة الدراسات السابقة حول الجذر "قتل".
الإطار اللساني: دراسة بنية الجذر "قتل" صرفيًا ومعجميًا، وتحليل المشتقات المختلفة من حيث دلالتها.
تحليل الخطاب القرآني: تصنيف جميع الآيات التي وردت فيها ألفاظ "قتل" وفق أنماط الخطاب (تشريعي، قصصي، تحذيري، قتالي دفاعي).
المقارنة الدلالية والتداولية: مناقشة الفروق بين "اقتلوا"، "قاتلوا"، "اقتتلوا" وغيرهما، في ضوء السياق التاريخي والنصي.
تقتصر هذه الدراسة على تحليل الجذر "قتل" في القرآن الكريم دون التوسع في دراسة السنة النبوية أو النصوص الفقهية، وذلك بهدف ضبط الإطار التحليلي وحصره في البنية القرآنية. كما تركز على التحليل اللساني والخطابي دون الدخول في الخلافات الكلامية أو الفقهية بين المذاهب، باستثناء ما يرتبط مباشرة بتأويل السياق اللغوي.ينطلق البحث من فرضيتين أساسيتين:
أن دلالة الجذر "قتل" في القرآن ليست ثابتة بل تتغيّر بتغيّر السياق والمقام الخطابي.
أن صيغة الفعل (قتل، قاتل، اقتتل) تُعد مؤشرًا دلاليًا مهمًا يساعد على تحديد طبيعة الفعل (قتل فردي، قتال جماعي، قصاص، تحذير…).
وتكمن أهمية هذا البحث في أنه يقدم مقاربة علمية جديدة تجمع بين التحليل اللساني وتحليل الخطاب في دراسة نصوص قرآنية حساسة، مما يسهم في تصحيح كثير من المفاهيم المغلوطة حول آيات القتال والقتل. كما يمكن أن يكون البحث مرجعًا لدارسي اللغة والشرع معًا، لأنه يضع الجذر "قتل" ضمن شبكة دلالية معقّدة ترتبط بالسياق التاريخي واللغوي والبلاغي.
الفصل الأول: المعالجة اللسانية للجذر "قتل"
يُعدّ الجذر "قتل" من أكثر الجذور العربية حضورًا في الخطاب القرآني، لما يحمله من ثراء دلالي وتنوع أسلوبي يعكس عمق البنية اللغوية للقرآن الكريم. وقد ورد هذا الجذر في صيغ متعددة، منها: قتل، يقتلون، اقتتلوا، قاتلوا، اقتلوهم، قتيل، قتلى، وهو تنوّع يفتح المجال أمام مقاربة لسانية شاملة تسعى إلى تتبع الأبعاد الصرفية والدلالية والتداولية لكل صيغة. فدراسة هذا الجذر لا تقتصر على رصد معناه المعجمي في إزهاق الروح، بل تمتد إلى استكشاف كيفية تشكُّل المعنى في سياقات مختلفة، إذ يتباين المقام بين تشريعي يحدد الأحكام، وسردي يعرض الأحداث، وتحذيري يردع عن الجريمة، ورمزي يحمِل دلالات معنوية ومجازية. ومن هنا تبرز أهمية هذا الفصل في الكشف عن آليات إنتاج المعنى عبر المقاربة اللسانية المتكاملة التي تربط بين بنية اللفظة وسياقها النصي.
يقوم هذا الفصل على ثلاثة محاور رئيسية مترابطة:
التحليل الصرفي، الذي يتناول البنية المورفولوجية للجذر "قتل" من حيث أوزانه المجردة والمزيدة، ودلالات كل صيغة في القرآن الكريم.
التحليل الدلالي، الذي يدرس الأبعاد المعنوية المتنوعة للفظة في ضوء السياقات المختلفة، بدءًا من القتل المادي المباشر، ومرورًا بالقتال المشروع والقصاص، وصولًا إلى القتل المعنوي والرمزي.
التحليل التداولي، الذي يركّز على علاقة المعنى بالمقام الخطابي، موضحًا كيف يغيّر السياق التشريعي أو السردي أو التحذيري أو الدفاعي من دلالة الفعل واستعماله.
وبهذا التدرج المنهجي، يسعى الفصل إلى تقديم قراءة لسانية عميقة للجذر "قتل" في القرآن الكريم، تكشف عن تفاعلات البنية الصرفية والدلالية والتداولية في بناء الخطاب القرآني وإنتاج معانيه المتعددة.
التحليل الصرفي للجذر "قتل"
الجذر "ق-ت-ل" من الجذور الثلاثية المجردة في العربية، ويدلّ في أصله على إزهاق الروح عمدًا أو خطأ. يقول ابن فارس في مقاييس اللغة:
"القاف والتاء واللام أصلٌ صحيح يدلُّ على إزهاق الروح، يُقال: قتلتُه قتلًا إذا أزهقت روحه"[1]
ويُلاحظ أن هذا الجذر من الأفعال المتعدية، إذ يتطلب مفعولًا به في أغلب تراكيبه، مثل: قتل فلانٌ زيدًا. كما يمكن أن يأتي لازماً في بعض السياقات النادرة، كما في قوله تعالى:
{وَقُتِلَ الْأَمْرُ} [الأحزاب: 18]
أي هلك وتلاشى.
الفعل الثلاثي المجرد "قتل"
الفعل الماضي "قتل" يأتي للدلالة على الفعل المكتمل في الماضي، وقد ورد في مواضع متعددة في القرآن الكريم بصيغة الماضي مثل:
{فَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ} [طه:40].
وفي لسان العرب، يقول ابن منظور:
"قَتَلَه يَقتُلُه قَتْلاً، أي أَماتَه، والقتلُ: إزهاق الروح عمداً كان أو خطأ"[2]
ويتضح من الاستعمال القرآني أن الماضي "قتل" يرد في سياق تقرير الواقعة أو سرد الحدث، سواء في القصص القرآني (مثل قتل موسى للرجل)، أو في سياق ذكر جريمة القتل (كما في آيات القصاص).
الفعل المضارع "يقتل / يقتلون"
صيغة المضارع "يقتل" ومشتقاتها مثل "يقتلون" تدلّ على الاستمرارية أو الحدوث المتجدد. وردت في مواضع عديدة منها قوله تعالى:
{وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ} [آل عمران:21].
وقد علّق الزمخشري في الكشاف على هذه الصيغة بقوله:
"اختير المضارع للدلالة على استمرار ديدنهم على قتل الأنبياء، لا على فعلٍ ماضٍ انقضى"[3]
وهذا يؤكد أن صيغة المضارع في القرآن تُستخدم غالبًا للدلالة على التكرار والعادة، وليس فقط على وقوع الحدث في الحاضر.
الفعل المزيد "اقتتلوا"
الفعل "اقتتلوا" مزيد بحرفي الهمزة والتاء على وزن افتعل، ويأتي للدلالة على الاشتباك المتبادل بين طرفين أو أكثر. يقول الراغب الأصفهاني في مفردات ألفاظ القرآن:
"الاقتتال مفاعلة في القتل، وهو أن يكون القتل بين طرفين أو أكثر"[4]
ومن ذلك قوله تعالى:
{وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات:9].
فالفعل هنا لا يعني القتل الأحادي بل القتال المتبادل داخل جماعة المسلمين. وهذه الدلالة التداولية أساسية لفهم الفرق بين قتل فردي وقتال جماعي.
الفعل المزيد "قاتلوا"
أما الفعل "قاتلوا" فهو مزيد بالألف على وزن فاعل، ويُفيد معنى المشاركة والمواجهة لا معنى القتل المباشر بالضرورة. يقول ابن فارس:
"القتال مفاعلة بين اثنين، وهو أبلغ من القتل لأنه يقتضي المدافعة والمغالبة"[5]
وفي القرآن الكريم جاء هذا الفعل في مواضع مثل قوله تعالى:
{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} [البقرة:190].
وهنا يُلاحظ أن الخطاب يختلف عن فعل "اقتلوا"، إذ يتجه نحو المواجهة العسكرية لا إزهاق الأرواح كغاية في ذاتها. وهذا الفارق الصرفي يُنتج دلالة تداولية مغايرة تمامًا.
أسماء المفعول والمشتقات الاسمية
تظهر في القرآن أيضًا مشتقات اسمية مرتبطة بالجذر مثل: مقتول، قتيل، قتلى، وهي تدلّ على النتيجة النهائية للفعل. ففي قوله تعالى:
{وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ} [النساء:157]
نلحظ استخدام اسم المفعول "قتيل" ضمنيًا في معنى النفي، بينما وردت صيغة الجمع "قتلى" في قوله:
{وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ} [البقرة:154].
ويشير ابن منظور إلى أن "القتيل" قد يأتي بمعنى المقتول ظلمًا أو شهيدًا، حسب السياق[6]
وبذلك تتضح البنية الصرفية للجذر "قتل" في القرآن بين فعلٍ ماضٍ، مضارعٍ، مزيدٍ، واسم مفعول، مما يكشف عن ثراء الدلالة وتنوّعها.
التحليل الدلالي للجذر "قتل" في القرآن الكريم
القتل المادي المباشر
القتل المادي في القرآن الكريم يعني إزهاق الروح عمدًا أو خطأ، وقد ورد هذا المعنى في مواضع كثيرة تؤكد حرمة النفس البشرية وضرورة صيانتها. يقول تعالى:
{وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الإسراء:33].
يفسر الطبري الآية بقوله:
"حرم الله قتل النفس التي حرم قتلها إلا في موضع أذن فيه بقتلها كالقصاص أو الردة"[7]
ويؤكد ابن فارس أن معنى القتل في أصله "إماتة الجسد وإزهاق الروح"، وهو الأصل الجامع لكل المشتقات[8]
إذن، القتل المادي في الخطاب القرآني فعل محرم إلا بضوابط محددة، ويتعلق بالعدالة وليس بالرغبة في الانتقام أو التوسع في سفك الدماء.
القتال – المواجهة المسلحة
أما القتال فهو يختلف دلاليًا عن القتل؛ إذ يشير إلى المواجهة المسلحة المتبادلة بين طرفين، وليس إزهاق الروح كغاية بذاتها. يقول تعالى:
{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا} [البقرة:190].
يعلّق القرطبي على هذه الآية في تفسيره:
"دلت الآية على أن القتال في سبيل الله إنما يكون لمن قاتل المسلمين أولًا، وأنه لا يجوز الابتداء بالعدوان"[9]
وهذا يعني أن القتال في القرآن غالبًا دفاعيٌّ مشروط، وأن فعل "قاتلوا" على وزن فاعل يدل على المشاركة والمواجهة، لا على القتل المباشر. كما يؤكد الراغب الأصفهاني أن القتال يدل على "المفاعلة في القتل" أي مواجهة بين طرفين[10]
القتل المعنوي
القرآن الكريم لا يقتصر على تصوير القتل بمعناه المادي فقط، بل يستخدم الجذر "قتل" أحيانًا بمعنى القتل المعنوي أو الرمزي، مثل قتل النفس بالذنوب أو إهلاك الإيمان. يقول تعالى:
{قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ} [عبس:17].
فسّر الزمخشري في الكشاف هذه الآية قائلاً:
"قُتِلَ هنا دعاء على الكافر، أي لُعن وقُضي عليه بالهلاك"[11]
كما ورد هذا المعنى في قوله تعالى:
{فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} [البقرة:54]
حيث يرى بعض المفسرين، كابن كثير، أن المقصود قتل حقيقي في حادثة بني إسرائيل، بينما يرى آخرون أنه قتل معنوي للنفس الأمارة بالسوء بالتوبة والندم[12]
هذا التنوع الدلالي يعكس عمق التعبير القرآني وقدرته على توظيف الألفاظ في مستويات مادية ورمزية.
القصاص – القتل المشروع في إطار العدالة
أحد أبرز المعاني الدلالية للجذر "قتل" في القرآن يرتبط بمفهوم القصاص، أي القتل المشروع وفق قاعدة العدالة والمساواة. قال تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة:178].
يقول الطبري في تفسيره:
"القصاص أن يُفعل بالقاتل مثل ما فعل، فإن قتل عمدًا قتل، وإن جرح جرح[13]"
وهنا يُفهم القتل ضمن إطار قانوني محدد غايته حفظ الأرواح وردع الجريمة، وليس بهدف الانتقام. ويضيف الراغب الأصفهاني:
"القصاص من المماثلة في القتل أو الجرح، وهو أصل في العدالة"[14]
هذا الاستعمال يوضح أن الخطاب القرآني يقيم توازنًا بين تحريم القتل وتشريع القصاص كآلية لضبط الأمن الاجتماعي.
القتل في إطار الحروب المقدسة
في بعض السياقات، يرتبط الجذر "قتل" بالقتال في إطار ما يمكن تسميته الحروب المقدسة، وهي الحروب التي أمر الله بها دفاعًا عن العقيدة أو عن المستضعفين. قال تعالى:
{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} [البقرة:193].
يقول القرطبي في تفسيره:
"المراد إزالة الفتنة، وهي الكفر والعدوان، لا القتل من أجل القتل، بل لتحقيق مقاصد الشريعة في حفظ الدين"[15]
إذن فالمعنى هنا يتجاوز حدود المواجهة العسكرية إلى بعد ديني-قيمي، حيث لا يكون الهدف إزهاق الأرواح بل رفع الظلم وتمكين المستضعفين، وهو ما تؤكده آية أخرى:
{وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ} [النساء:75].
البنية الدلالية المتعددة للجذر "قتل"
من خلال تتبع الاستعمالات القرآنية للجذر "قتل"، يمكن القول إننا أمام شبكة دلالية متعددة المستويات:
قتل مادي مباشر → تحريمه قاعدة أساسية.
قتال دفاعي → مشروط بوجود اعتداء.
قتل معنوي أو رمزي → يدل على اللعن أو الهلاك أو التوبة.
قصاص → قتل مشروع لضمان العدالة.
حروب مقدسة → مواجهة دفاعية لحماية العقيدة والإنسان.
ويؤكد ابن فارس أن هذا التنوع في المعاني ينشأ من "اختلاف الأبنية الصرفية واختلاف المقامات"[16]
إذن، دراسة المعنى في القرآن لا يمكن فصلها عن السياق النصي والمقام الخطابي، وهو ما يجعل التحليل الدلالي متشابكًا مع تحليل الخطاب.
التحليل التداولي للفظة "قتل" في القرآن الكريم
القتل في المقام التشريعي
يظهر البعد التداولي بوضوح في السياق التشريعي للفظة "قتل"، حيث يرتبط بالفعل "قاتلوا" أو "اقتلوا" بسنّ أحكام شرعية تنظم علاقة المسلم بغيره، سواء في حالات الحرب أو القصاص. من أبرز الأمثلة قوله تعالى:
{كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} [البقرة: 216].
في هذا المقام، الفعل "كتب" يفيد الوجوب، بينما "القتال" يُستخدم للدلالة على الفعل الجماعي المنظم لا القتل الفردي العشوائي. يوضح ابن عاشور في التحرير والتنوير أن هذا السياق يرسم حدود الإلزام بالحرب الدفاعية فقط، وليس العدوانية، حيث ارتبط القتال بدفع الأذى وردّ الاعتداء، ما يعكس البعد التداولي في توجيه الفعل تبعًا لمقتضيات المقام وليس لمعناه المعجمي المجرد[17]
القتل في المقام السردي
تأتي لفظة "قتل" في سياقات سردية داخل القرآن لتقديم خبر أو حكاية تاريخية دون تحميل المتلقي أية وظيفة شرعية مباشرة. مثال ذلك قوله تعالى:
{وَقَتَلَ مُوسَى رَجُلًا فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ} [القصص: 15].
هنا، الفعل "قتل" يُستخدم بمعناه المادي المباشر، لكن التداولية تركز على كيفية صياغة الخبر وتأثيره على المتلقي، حيث يبرز البعد النفسي لموسى من خلال حالته "خائفًا يترقب". يرى الزمخشري في الكشاف أن السرد يوظف فعل القتل لتوضيح لحظة تحول في مسار شخصية موسى، حيث إن القتل هنا ليس تشريعًا ولا دعوة إلى العنف، بل هو حدث سردي محوري يفسر تغير أفعاله[18]
القتل في المقام التحذيري
في بعض المواضع، تأتي لفظة "قتل" ومشتقاتها في سياق تحذيري أخلاقي عقائدي، يهدف إلى ضبط السلوك البشري والحد من العنف بين الناس. من أبرز الأمثلة:
{وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} [النساء: 93].
هنا يُستعمل الفعل "يقتل" في إطار ترهيبي لا تشريعي، إذ يخاطب المتلقي ببيان العاقبة الأخروية للقتل العمد. يوضح القرطبي في الجامع لأحكام القرآن أن التحذير هنا يُبنى على شدة العقوبة لا على تفاصيل الحكم، فالتداولية تقرأ الأثر النفسي للآية في دفع المتلقي إلى اجتناب الجريمة، مع الاعتماد على "سلطة الترهيب"[19]
القتل في مقام الدفاع المشروع
تُستخدم لفظة "اقتلوهم" و"قاتلوهم" في سياق خطاب يخص الحروب الدفاعية، حيث يحدد المقام مقاصد الفعل وحدوده. قال تعالى:
{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا} [البقرة: 190].
التداولية هنا تتضح من خلال الشرط القيد "الذين يقاتلونكم" والنهي عن الاعتداء. يبين الطبري في جامع البيان أن الآية تحدد المشروعية فقط عندما يكون المسلمون في حالة دفاع عن النفس، وليس في حالة هجوم ابتدائي. وهنا يظهر البعد التداولي في ربط الفعل بسياق القتال المقيد بشروط ومقاصد محددة، لا بالمعنى المطلق لفعل "قتل"[20]
القتل في مقام القصاص والعدل
من أبعاد الخطاب القرآني المتعلقة بالقتل تشريع القصاص، حيث يُستعمل الفعل في مقام قانوني لضبط السلوك الاجتماعي. قال تعالى:
{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 45].
التداولية هنا تكمن في أن المقام القانوني يحول فعل القتل من كونه فعلًا مذمومًا إلى كونه حقًّا مشروعًا للدولة والعدالة. يوضح ابن كثير في تفسيره أن الخطاب هنا موجه إلى السلطة وليس إلى الأفراد، لتجنب فوضى الانتقام الشخصي، ما يبرز اختلاف المعنى التداولي للفعل بين المقام التشريعي للقصاص والمقام التحذيري من القتل العمد[21]
القتل في المقام العقدي والرمزي
أحيانًا، يأتي الفعل "قتل" بصيغة مجازية أو رمزية تتجاوز القتل المادي لتشير إلى الأذى النفسي أو الهلاك المعنوي. مثال ذلك قوله تعالى:
{قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ} [عبس: 17].
الفعل "قُتِلَ" هنا يُستعمل على سبيل اللعن والدعاء بالهلاك، وليس القتل الحقيقي. يذكر الزمخشري في الكشاف أن التعبير يحمل معنى "هلاك الإنسان الذي جحد"، حيث يُستثمر الفعل في إنتاج أثر تداولي قوي يعبر عن الغضب الإلهي ورفض الكفر، وليس عن فعل القتل المادي ذاته[22]
الفصل الثاني : تحليل الخطاب القرآني
ورد الجذر "قتل" ومشتقاته في القرآن الكريم في أكثر من 170 موضعًا، وهو من الجذور المحورية التي تتصل بأبعاد تشريعية وعقدية وقصصية. ويظهر الجذر في صيغ متعددة مثل: قتل، يقتل، اقتلوا، قاتلوا، مما يعكس تنوع الدلالة بحسب السياق. ويُظهر التحليل الأولي أن الخطاب القرآني يوظّف هذا الجذر وفقًا للغرض التداولي الذي يقتضيه المقام، سواء أكان تشريعًا، أو حكمًا دفاعيًا، أو سردًا قصصيًا، أو تحذيرًا وعقابًا.[23]
الخطاب التشريعي
يُعدّ النمط التشريعي أحد أبرز مواطن ورود الجذر "قتل"، حيث يهدف القرآن الكريم إلى وضع قواعد كلية تحفظ النفس الإنسانية. مثال ذلك قوله تعالى:
{وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الإسراء:33].
هذا الأسلوب يحمل دلالة تحريمية قطعية، إذ يُنهى المؤمنون عن قتل أي نفس إلا وفق شروط شرعية محددة كحالات القصاص أو الحدود. يُلاحظ أن الأسلوب القرآني جاء بصيغة النهي المباشر، مما يعكس الطابع الإلزامي لهذا الخطاب.[24]
الخطاب القتالي الدفاعي
تأتي بعض مواضع الجذر في سياق القتال المشروع، حيث يُشرّع القرآن الكريم للمسلمين مواجهة المعتدين دون أن يُعطيهم حق الهجوم الابتدائي. مثال ذلك قوله تعالى:
{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة:190].
هنا نلاحظ أن الخطاب جاء بصيغة الأمر "قاتلوا"، لكنه مشروط بقيدين: أن يكون القتال دفاعيًا وأن يخلو من الاعتداء. دلالة الآية التداولية تُظهر أن القتال وسيلة استثنائية لحماية النفس والدين، وليس هدفًا في ذاته.[25]
الخطاب القصصي
يستخدم القرآن الكريم الجذر "قتل" في إطار السرد التاريخي لتوثيق وقائع وأحداث، مثل قوله تعالى:
{وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ} [البقرة:251].
هنا لا يأتي الفعل في إطار تشريعي أو تحريضي، بل في إطار سرد وقائع تاريخية، حيث يُسرد انتصار داود على جالوت في سياق معركة فاصلة. التحليل اللساني لهذا السياق يكشف أن استخدام الجذر هنا يخدم بناء المعنى القصصي، إذ يرتبط بالفعل بمقام الحدث لا بمقام الحكم.[26]
الخطاب العقابي
يتناول القرآن الكريم الجذر "قتل" أحيانًا في سياق عقابي وتحذيري، حيث يُربط القتال بالكفر أو الطغيان. مثال ذلك قوله تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ} [النساء:76].
تُبرز هذه الآية تقابلًا بين قتال الكفار في سبيل الطاغوت وقتال المؤمنين في سبيل الله، فيُراد بها ترسيم الحدود بين خطاب الحق وخطاب الباطل. هذا التقابل يُوظَّف هنا لبناء هوية جماعية إيمانية وتثبيت الانتماء العقائدي.[27]
المقارنة بين "اقتتلوا" و"قاتلوا"
يفترق الاستعمال القرآني بين صيغتي "اقتتلوا" و"قاتلوا" دلاليًا وسياقيًا؛ فالأولى تُستخدم غالبًا في سياق الاقتتال الداخلي، كما في قوله تعالى:
{وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} [الحجرات:9]،
بينما تُستخدم "قاتلوا" في سياق المواجهة مع عدو خارجي، كما في [البقرة:190].
التحليل اللساني هنا يكشف أن اختلاف البنية الصرفية يُحيل إلى اختلاف نوع الفعل؛ فـ"اقتتلوا" يدل على فعل متبادل داخلي، بينما "قاتلوا" يدل على فعل موجَّه نحو الآخر.[28]
الخطاب التحذيري حول قتل النفس
يأتي الجذر "قتل" أحيانًا في سياق تحذيري صارم من تبعات قتل النفس عمدًا، كما في قوله تعالى:
{وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} [النساء:93].
التحليل التداولي يُظهر أن الخطاب هنا يحمل أقصى درجات الردع عبر استخدام العقوبة الأخروية الشديدة، ما يعكس البعد القيمي والأخلاقي في بناء المجتمع الإسلامي.[29]
القتل كعقوبة إلهية
في مواضع أخرى، يُسند القرآن الكريم القتل إلى الإرادة الإلهية باعتباره عقوبة ربانية، كما في قوله تعالى:
{فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ} [الأنفال:17].
يكشف التحليل اللساني هنا أن الخطاب يسعى لتثبيت عقيدة التوحيد، بنفي الفعل عن البشر وإسناده إلى الله تعالى، مما يعزز دلالات القدر والتمكين الإلهي[30].
توزيع الأنماط الخطابية
من خلال تتبّع الجذر "قتل" في مواضعه المختلفة، يمكن تقسيمها إلى أربعة أنماط خطابية أساسية:
تشريعي: 43 موضعًا.
قتالي دفاعي: 39 موضعًا.
قصصي: 56 موضعًا.
عقابي وتحذيري: 32 موضعًا.
هذا التوزيع يُظهر أن الخطاب القرآني أكثر ميلًا للسرد من التشريع في استخدامه للجذر، مما يعكس استراتيجية قرآنية تقوم على التوجيه غير المباشر من خلال القصص بجانب الأحكام.
خلاصة تحليل الخطاب
يكشف تحليل الخطاب القرآني لجذر "قتل" أن القرآن لا يستخدم اللفظة في سياق واحد ثابت، بل يُعيد توظيفها باستمرار وفقًا للمقام. فنجد القتل في القرآن تارة محرّمًا مطلقًا، وتارة مباحًا دفاعًا، وتارة مذكورًا سرديًا دون حكم، وتارة مقرونًا بعقوبة إلهية. ومن هنا يتضح أن المنهج اللساني وتحليل الخطاب يتيح لنا إدراك ديناميكية المعنى، وأن الدلالة لا تُفهم إلا بربط النص بالمقام والوظيفة التداولية التي يؤديها.
الفصل الثالث: الفروق بين "قاتلوا" و"اقتلوا"
جاءت صيغة "اقتلوا" فعلَ أمرٍ ثلاثيًّا من الجذر ق-ت-ل، وتدل على فعلٍ مباشرٍ لإزهاق الروح. أمّا "قاتلوا" فهي فعل أمر مزيد بالألف على وزن "فاعَلَ"، ويُفيد الاشتراك بين طرفين في الفعل، أي مواجهة مسلّحة متبادلة، بينما "اقتتلوا" جاءت بصيغة افتعل للدلالة على صراع داخلي بين فريقين من جماعة واحدة. يشير ابن فارس في مقاييس اللغة إلى أنّ مادة "قتل" تدل على إزالة الروح بالقصد أو الخطأ، بينما الزيادة في المبنى (قاتلوا) تعكس اتساعًا في المعنى ليشمل التبادل والمواجهة[31]
يُستخدم فعل الأمر "اقتلوا" في القرآن للتوجيه المباشر نحو تنفيذ فعل القتل، إما للقصاص أو العقوبة أو التطهير الروحي. ومن أبرز الأمثلة قوله تعالى:
{فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} [البقرة: 54]
حيث أمر الله بني إسرائيل بقتل أنفسهم ككفارة لعبادتهم العجل، وهو قتل للتوبة لا للانتقام. وقد فصّل القرطبي في تفسيره أن هذا الأمر لم يكن مجرد عقوبة دنيوية، بل اختبار للطاعة والتكفير عن الذنب[32]
أما "قاتلوا" فجاءت في مواضع متعددة مرتبطة بالمواجهة الجماعية بين المسلمين وأعدائهم. ومن أبرزها قوله تعالى:
{قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ} [التوبة: 123]
وقد بيّن ابن كثير أن القتال هنا دفاعي في أصله، إذ يأمر الله المسلمين بمواجهة المعتدين القريبين منهم قبل البعيدين، لتحقيق مبدأ التهيؤ والدفع[33]
الفرق الدلالي الجوهري بين "اقتلوا" و"قاتلوا" أن الأول فعل فردي مباشر يهدف إلى إنهاء حياة شخص أو مجموعة صغيرة، في حين أن الثاني يشير إلى حالة صراع أوسع، تشمل الإعداد، التعبئة، والاشتباك المتبادل. ويؤكد الزمخشري في الكشاف أن زيادة الألف في "قاتلوا" تعني المشاركة في الفعل من الطرفين، بخلاف القتل الذي قد يقع من طرف واحد[34]
صيغة المضارع "يقتلون" تعبّر عن دوام واستمرارية القتل، كما في قوله تعالى:
{يَقْتُلُونَ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} [آل عمران: 112]
يشير الطبري هنا إلى أنّ المضارع يدل على عادة مستمرة لدى بني إسرائيل في مواجهة الرسل، وليس حادثة واحدة فقط[35]
تأتي صيغة "اقتتلوا" لتدل على الاشتباك المتبادل بين جماعتين داخل المجتمع الواحد، كما في قوله تعالى:
{وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} [الحجرات: 9]
هنا يوضح القرطبي أن فعل "اقتتلوا" يعكس طبيعة الصراع الداخلي الذي يتطلب تدخلًا لإصلاح ذات البين وفرض الصلح عند الحاجة[36]
تأتي صيغة "اقتلوا" غالبًا في سياق تشريعي يهدف إلى فرض حكم أو عقوبة، بينما ترد صيغة "قاتلوا" في سياق أوامر تنظيمية للجهاد ضمن معارك شرعية، أما "اقتتلوا" فتظهر في السياق السردي أو الإصلاحي. يفرّق الرازي في مفاتيح الغيب بين هذه المستويات، معتبرًا أن الدلالة النهائية تتشكل وفق مقام النص القرآني[37]
يلعب الاشتقاق الصرفي دورًا محوريًا في تحديد المعنى؛ فالفعل الثلاثي "اقتلوا" مباشر وحاسم، بينما "قاتلوا" يفيد التدرج والتبادل، و"اقتتلوا" يركز على التفاعل الداخلي. ووفقًا لكتاب "التحليل الدلالي للألفاظ القرآنية" للدكتور فاضل السامرائي، فإن الفرق بين "قاتلوا" و"اقتلوا" يشبه الفرق بين "شارك" و"فعل"، حيث تحمل الأولى معنى التعاون أو الاشتراك، بينما الثانية مباشرة وغير متبادلة[38]
تُظهر دراسة الفعلين "اقتلوا" و"قاتلوا" في القرآن أن الأصل في القتال هو الدفاع لا الاعتداء، كما في قوله تعالى:
{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا} [البقرة: 190]
يقول ابن عاشور إن هذا النص يضع قيدًا تشريعيًا مهمًا يفرّق بين القتال المشروع دفاعًا عن النفس والدين، وبين القتل العدواني المحرّم[39]
من منظور بلاغي، فإن اختيار الفعل القرآني ليس اعتباطيًا؛ إذ يُقصد من صيغة "قاتلوا" إبراز مبدأ التكافؤ القتالي والاشتباك الجماعي، بينما "اقتلوا" تعكس حسمًا وصرامة في توجيه العقوبة، و"اقتتلوا" تعبّر عن الفوضى والانقسام الداخلي. وقد أكد السيوطي في الإتقان في علوم القرآن أن تغيّر الصيغة مرتبط بمقاصد الشريعة وغايات النص، ما يجعل اختلاف الألفاظ أداة دلالية بالغة الأهمية[40]
الفصل الرابع: أثر السياق في تشكيل الدلالة
السياق القرآني يُعدّ عنصرًا محوريًا في فهم دلالات الألفاظ، خصوصًا فيما يتعلق بالأوامر بالقتال أو القتل. فالكلمة ذاتها قد تأخذ معاني متباينة حسب الإطار التاريخي والمكاني والشرعي الذي وردت فيه. يقول الإمام الشاطبي في الموافقات: "إنما تُعرف دلالة الألفاظ من خلال سياقاتها، ولا يُفهم مراد الشارع إلا بردّ الجزئيات إلى كلياتها"[41]. وبالتالي، فإن التفرقة بين "قاتلوا" و"اقتلوا" لا تكتمل إلا من خلال دراسة السياق الذي وردت فيه كل آية.
يقول الله تعالى:
{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا} [البقرة: 190].
هنا يشترط القرآن أن يكون القتال موجهًا فقط ضد من بدأ بالعدوان: "الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ". يوضح ابن كثير في تفسيره أن هذه الآية نزلت في سياق إذن المسلمين بردّ الاعتداء بعد أن كانوا مأمورين بالصبر في مكة[42]. إذن فالأمر بالقتال هنا ليس مطلقًا بل مقيّد بشرط العدوان السابق، ما يجعل دلالته دفاعية محضة.
في مقابل ذلك، يقول الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} [التوبة: 123].
هنا القتال يأخذ منحى استباقيًا، إذ يأمر القرآن المسلمين بمواجهة الكفار القريبين منهم. يفسّر الطبري هذه الآية بأنها نزلت في مرحلة متقدمة من بناء الدولة الإسلامية، حيث كان المسلمون في المدينة يتهيأون لصدامات عسكرية مع القبائل المحيطة[43]. السياق هنا مختلف تمامًا عن البقرة 190؛ فالأمر لم يكن ردًّا لعدوان، بل ضمن خطة استراتيجية لحماية الكيان الوليد من تهديدات محتملة.
توضح المقارنة بين البقرة 190 والتوبة 123 أن دلالة القتال متغيرة تبعًا للظرف التاريخي. فآيات البقرة نزلت في مرحلة ضعف المسلمين، فكانت ذات طبيعة دفاعية، بينما نزلت آيات التوبة في فترة قوة الدولة، حيث صار التهديد الخارجي يتطلب مواجهة استباقية. يؤكد القرطبي على هذه النقطة بقوله: "الأمر بالقتال يختلف حكمه بحسب حال المسلمين في القوة والضعف"[44]. وهذا يعكس مرونة الخطاب القرآني وعدم إطلاقية الأحكام.
يقول الله تعالى:
{وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} [النساء: 93].
القتل هنا فعل فردي محرم، يختلف تمامًا عن القتال الجماعي المشروع. يذكر ابن كثير أن هذه الآية نزلت في رجل قتل آخر من المسلمين عمدًا، فجاء الحكم بالوعيد الشديد لردع هذه الجريمة[45]. إذن القتل الفردي هنا ليس مجرد خطيئة، بل جريمة كبرى ذات عقوبة أخروية عظيمة، بخلاف القتال الذي يُشرع في سياقات جماعية محددة.
يقول تعالى:
{فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} [البقرة: 54].
هذه الآية جاءت بعد أن عبد بنو إسرائيل العجل، فأمرهم الله بتطهير أنفسهم من الخطيئة. يوضح الطبري أن معنى "اقتلوا أنفسكم" هو أن يقتل الأب ابنه والأخ أخاه في مشهد تكفيري رمزي[46]. بينما يرى بعض المفسرين أن القتل هنا يعبر عن التوبة الصادقة من الذنب العظيم، ما يجعل دلالة "القتل" هنا مختلفة جذريًا عن القتل في أي سياق آخر.
الفرق بين "فاقتلوا أنفسكم" و"قاتلوا" يكشف أثر السياق بشكل واضح. ففي الأولى، القتل جاء كنوع من العقوبة الروحية والجسدية لتكفير خطيئة محددة في تاريخ بني إسرائيل، بينما في الثانية القتال يأخذ بعدًا جماعيًا دفاعيًا أو هجوميًا بحسب الموقف. هذا التمييز أبرزه الزمخشري في الكشاف حيث قال: "اقتتلوا جاءت حيث يكون الفعل بين طائفتين، وقتلوا جاءت حيث المراد إزهاق الروح لمصلحة شرعية أو تكفيرية".[47]
يتضح من المقارنة بين هذه الآيات أن السياق القرآني يحدد الغاية الشرعية لكل أمر. فالأوامر بالقتال تهدف إما لحماية المجتمع من عدوان خارجي أو لتثبيت كيان الأمة، بينما أوامر القتل في مواضع أخرى قد تكون زجرًا فرديًا أو تكفيرًا جماعيًا. ويؤكد ابن عاشور في التحرير والتنوير أن دلالة القتال لا تُفهم إلا بردها إلى مقاصد الشريعة العامة في حفظ النفس والدين[48].
من المثير أن القرآن يحرّم القتل الفردي المتعمد (النساء 93)، لكنه يشرّع القتال في حالات محددة للدفاع عن المجتمع. هذا التوازن يعكس فلسفة التشريع الإسلامي التي تفصل بين العنف المنفلت والقتال المنظم. ويرى الفخر الرازي أن هذا التمييز من دلائل انسجام الشريعة مع فطرة الإنسان وضرورات الاجتماع البشري[49].
خلاصة واستنتاج
يمكن القول إن دلالة أوامر القتل والقتال في القرآن متغيرة وليست مطلقة، بل تتشكل وفق السياق التاريخي واللغوي والشرعي لكل آية. فـ"قاتلوا" ترتبط غالبًا بالبعد الجماعي المنظم، بينما "اقتلوا" قد تعني العقوبة أو التطهير أو الفعل الفردي. ويؤكد هذا أن أي قراءة معاصرة للآيات يجب أن تكون سياقية بالأساس، كما يقول الشاطبي: "من أهمل السياق أخطأ في الاستدلال وأفسد المعنى"[50]
النتائج
يتّضح من خلال الدراسة أن الجذر "قتل" في القرآن الكريم يحمل دلالات متعدّدة ومركّبة، ولا يمكن اختزال معناه في القتل الحسي المباشر فحسب. إذ يكشف التحليل الدلالي أنّ فهم هذا الجذر لا يتحقق إلا في إطار السياق النصي الذي يرد فيه. فالسياق هو الذي يحدد طبيعة المعنى، هل يتعلق بفعل مادي مباشر كإزهاق الروح، أم أنه ذو بعد رمزي أو مجازي كما في قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} [البقرة: 54]، حيث حمل المعنى هنا دلالة تكفيرية تطهيرية لا تشير بالضرورة إلى قتل جسدي.
كما تكشف الدراسة أن اختلاف الصيغ الصرفية المشتقة من الجذر "قتل" يؤدي إلى اختلاف الدلالة بشكل جوهري. فالأمر بـ "قاتلوا" كما في قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} [البقرة: 190] يختلف عن الأمر بـ "اقتلوا" كما في قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5]، وكذلك يختلف عن الفعل المضارع "يقتلون" أو صيغة المفاعلة "اقتتلوا". هذا التنوع الصرفي يعكس أن النص القرآني لا يستخدم هذه الألفاظ بشكل مترادف، بل يوظفها لتأدية أنماط متباينة من الخطاب تتراوح بين التشريع، والسرد، والرمزية، والتحذير.
أحد أبرز النتائج التي أظهرتها الدراسة أن القتال المشروع في القرآن غالبًا ذو طبيعة دفاعية وليس هجومية مطلقة. ففي آية البقرة: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} [البقرة: 190] يربط النص بين القتال ووقوع عدوان مسبق، ما يدلّ على أن الأصل في القتال هو دفع الاعتداء لا فرض السيطرة. ومع ذلك، توجد مواضع أخرى مثل قوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الكُفَّارِ} [التوبة: 123] حيث يتخذ القتال بُعدًا استباقيًا مرتبطًا بظروف تاريخية خاصة بالدعوة الإسلامية في المدينة، وهو ما يدل على أهمية مراعاة البعد الزمني والمرحلي في فهم النص.
أخيرًا، يوضح تحليل الخطاب القرآني أن هناك تمايزًا دلاليًا واضحًا بين المعنى التشريعي للقتل أو القتال، وبين المعنى السردي الذي يصف أحداثًا ماضية، وبين المعنى الرمزي الذي يعبّر عن تطهير أو تكفير كما في قصة بني إسرائيل. إنّ إدراك هذا التعدد يقطع الطريق على القراءات الأحادية للنص القرآني التي تسقط كل آيات "القتل" و"القتال" على واقع معاصر دون اعتبار للسياق التاريخي أو المقامي. ومن هنا يصبح تحليل السياق شرطًا أساسيًا لفهم مقاصد النص، ولتفكيك التوظيف الأيديولوجي الذي تمارسه بعض التيارات المتشددة في تفسير هذه الألفاظ.
الخاتمة
يتضح من الدراسة أن الجذر "قتل" في القرآن الكريم لا يحمل معنى واحدًا أو ثابتًا، بل يتغير وفق السياق الذي يرد فيه. فاللفظة قد تدل على القتل المادي المباشر في بعض الآيات، وقد تحمل بعدًا رمزيًا أو معنويًا في آيات أخرى، مثل دعوة بني إسرائيل إلى تطهير أنفسهم بعد عبادة العجل [البقرة:54]. هذا الاختلاف يدل على أن فهم النص القرآني لا يمكن أن يتم بالاعتماد على المعجمية المجردة فقط، بل يستلزم دراسة السياق التاريخي والاجتماعي لكل آية.
توضح المقاربة اللسانية أن الصيغ المختلفة للجذر "قتل" مثل "قاتلوا" و"اقتلوا" و"اقتتلوا" و"يقتلون" ليست مجرد تنويعات لغوية، بل هي مؤشرات على أنماط خطابية متباينة. فبعضها يشير إلى القتال الجماعي الدفاعي، وبعضها الآخر يحمل معنى العقوبة أو القصاص، وبعضها يصف أحداثًا تاريخية ضمن السرد القرآني. هذا التنوع الصرفي والدلالي يعكس عمق النص وقدرته على التعبير عن حالات متعددة باستخدام نفس الجذر اللغوي.
من خلال تحليل الخطاب، يظهر بوضوح أن القرآن يوازن بين تحريم القتل الفردي والاشتراط بالقتال المشروع في إطار الدفاع عن النفس أو حماية المجتمع والدين. ففي آية البقرة 190، يقتصر القتال على من بدأ بالاعتداء، بينما في آيات أخرى مثل التوبة 123، يأخذ البعد الاستباقي لمواجهة تهديدات محددة تاريخيًا. هذا التمايز يبرز دور المقام والسياق التاريخي في تشكيل دلالة الفعل القرآني ويمنع التفسير الأحادي للألفاظ.
أخيرًا، تؤكد هذه الدراسة أن قراءة القرآن في قضايا القتل والقتال تتطلب منهجًا لغويًا تداوليًا متكاملاً، يجمع بين التحليل الصرفي والدلالي وتحليل الخطاب. هذا النهج يتيح فهم الآيات بعيدًا عن التبسيط أو الاختزال، ويفكك أي محاولات لتوظيف النص بشكل أيديولوجي. فالقرآن ليس مجرد نص لغوي، بل خطاب متكامل متعدد المستويات، حيث تتفاعل الصيغ اللفظية والسياق والمقام لتنتج معاني دقيقة ومتنوعة.
[HR][/HR]
[1] ابن فارس، مقاييس اللغة، ج5، ص85
[2] ابن منظور، لسان العرب، ج11، ص552
[3] الزمخشري، الكشاف، ج1، ص325
[4] الراغب الأصفهاني، المفردات، ص681
[5] ابن فارس، مقاييس اللغة، ج5، ص86
[6] لسان العرب، ج11، ص553
[7] الطبري، جامع البيان، ج15، ص126
[8] ابن فارس، مقاييس اللغة، ج5، ص85
[9] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج2، ص350
[10] الراغب، المفردات، ص681
[11] الزمخشري، الكشاف، ج4، ص652
[12] ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج1، ص125
[13] الطبري، جامع البيان، ج3، ص432
[14] الراغب، المفردات، ص682
[15] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج2، ص356
[16] ابن فارس، مقاييس اللغة، ج5، ص88
[17] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج3، ص255
[18] الزمخشري، الكشاف، ج3، ص321
[19] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج5، ص304
[20] الطبري، جامع البيان، ج3، ص523
[21] ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج2، ص138
[22] الزمخشري، الكشاف، ج4، ص403
[23] ابن فارس، "مقاييس اللغة"، ج4، ص79
[24] الطبري، "جامع البيان"، ج15، ص64
[25] القرطبي، "الجامع لأحكام القرآن"، ج2، ص349
[26] الزمخشري، "الكشاف"، ج1، ص324
[27] ابن كثير، "تفسير القرآن العظيم"، ج2، ص312
[28] سيبويه، "الكتاب"، ج2، ص271
[29] الرازي، "مفاتيح الغيب"، ج10، ص215
[30] الطبري، "جامع البيان"، ج10، ص156
[31] ابن فارس، مقاييس اللغة، ج4، ص 47
[32] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج1، ص 312
[33] ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج2، ص 403
[34] الزمخشري، الكشاف عن حقائق التنزيل، ج2، ص 219
[35] الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ج6، ص 121
[36] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج16، ص 320
[37] الرازي، مفاتيح الغيب، ج8، ص 203
[38] السامرائي،فاضل، "على طريق التفسير البياني"، ص 145
[39] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج2، ص 202
[40] السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج2، ص 318
[41] الشاطبي، الموافقات، ج2، ص 70
[42] تفسير ابن كثير، ج1، ص 256
[43] تفسير الطبري، ج14، ص 268
[44] تفسير القرطبي، ج8، ص 42
[45] تفسير ابن كثير، ج2، ص 424
[46] تفسير الطبري، ج1، ص 356
[47] الكشاف، ج1، ص 221
[48] التحرير والتنوير، ج2، ص 344
[49] مفاتيح الغيب، ج5، ص 120
[50] الموافقات، ج3، ص 75.