حسام الحداد - المثقفون العرب والتراث: محاولة طرابيشي لفك شيفرات اللاوعي الثقافي

يُعتبر جورج طرابيشي من أبرز المفكرين العرب الذين خاضوا مغامرة نقد التراث والفكر العربي المعاصر من منظور مركب يجمع بين التحليل النفسي والفلسفة ونقد الفكر الديني. فقد انشغل في مشروعه الفكري الطويل بتفكيك البنى العميقة التي تحكم علاقة المثقف العربي بماضيه، محاولاً تجاوز القراءات التقليدية التي اكتفت بالجانب التاريخي أو الفيلولوجي. ومن بين أعماله، يبرز كتابه «المثقفون العرب والتراث: التحليل النفسي لعُصاب جماعي» (1982) كإحدى المحطات الأساسية التي مهدت لاحقاً لجدالاته الفكرية الكبرى، خصوصاً مع محمد عابد الجابري في نقد نقد العقل العربي.
في هذا الكتاب، ينقل طرابيشي ساحة النقاش من مجال التاريخ والفكر إلى حقل التحليل النفسي، ليقرأ علاقة المثقفين العرب بالتراث على أنها علاقة مأزومة ومشحونة بالتناقضات. فهي علاقة تتأرجح بين التقديس والرفض، وبين الاستلاب لسطوة الماضي والرغبة المكبوتة في التحرر منه. ومن خلال هذا المنظور، يقدم طرابيشي أطروحة جذرية مفادها أن مأزق المثقف العربي ليس معرفياً فحسب، بل هو أيضاً نفسي – ثقافي، الأمر الذي يجعل نقد التراث مهمة تتطلب مواجهة اللاوعي الجمعي بقدر ما تتطلب أدوات التحليل الفكري.

أطروحة الكتاب
يرى جورج طرابيشي أن المثقف العربي المعاصر يواجه مع التراث علاقة مضطربة تشبه – في نظر التحليل النفسي – علاقة الابن بأبيه. فالتراث بالنسبة إلى هذا المثقف ليس مجرد مادة معرفية أو تاريخية، بل هو "الأب الرمزي" الذي يحكم وعيه ولا وعيه في آن. هذا الأب يحضر في الذاكرة الجمعية بوصفه مرجعية مطلقة، يصعب الانفكاك عنها، حتى حين يعلن المثقف نفسه حداثياً أو عقلانياً. وهنا يضع طرابيشي فرضيته الأساسية: نحن إزاء عُصاب جماعي يعيشه المثقفون العرب في علاقتهم بالتراث.
العصاب عند طرابيشي يتمثل في حالة التوتر بين نزعتين متناقضتين. الأولى هي التماهي مع الأب، أي الدفاع عن التراث وتقديسه باعتباره خزان الهوية والشرعية. هذه النزعة تتجلى في خطاب المفكرين الذين يعيدون إنتاج الموروث كما هو، أو يحاولون تأويله بطريقة تجعل منه مرجعاً صالحاً لكل زمان ومكان. أما النزعة الثانية فهي الرغبة في قتل الأب، أي الانفصال عن التراث واعتباره عائقاً أمام التقدم. غير أن هذه الرغبة غالباً ما تبقى مكبوتة، إذ لا يستطيع المثقف العربي أن يقطع بشكل كامل مع الأب/التراث من دون أن يشعر بالذنب أو بالفراغ الرمزي.
في هذا السياق، يذهب طرابيشي إلى أن كثيراً من المشاريع الفكرية العربية الحديثة – سواء التيار الإسلامي أو التيارات العلمانية – ما هي إلا محاولات للتوفيق بين هذين الاتجاهين المتعارضين. فالإسلاميون يلتزمون بالتماهي شبه الكامل مع التراث، بينما العلمانيون أو التحديثيون يقفون في منطقة وسطى: يعلنون نقدهم له، لكنهم في العمق يظلون أسرى سحره الرمزي. وبذلك، يصف طرابيشي هذا الموقف بأنه نقد سطحي أو شكلي، لا يصل إلى القطيعة المعرفية والجذرية التي تتطلبها الحداثة.
ولإيضاح فكرته، يحلل طرابيشي نماذج من المفكرين العرب. فعند زكي نجيب محمود مثلاً، يلاحظ أنه رغم نزوعه نحو الوضعية المنطقية والعقلانية الغربية، إلا أنه يعود إلى التراث ليبحث عن "الجذور العلمية" فيه، وكأنه يحاول أن يمنح شرعية ماضوية للحداثة. أما عند محمد عابد الجابري، فيرى طرابيشي أن مشروع "نقد العقل العربي" يعيد إنتاج التراث من خلال تقسيمه إلى "بياني" و"عرفاني" و"برهاني"، لكنه في النهاية يعجز عن التحرر التام من سلطة الأب/التراث.
وبناءً على هذا التحليل، يستنتج طرابيشي أن علاقة المثقف العربي بالتراث ليست علاقة معرفية باردة، بل علاقة نفسية مشحونة بالحب والكراهية معاً. إنها علاقة يحكمها التقديس والخوف والشعور بالذنب أكثر مما يحكمها المنهج النقدي الصارم. ومن هنا، يشبهها طرابيشي بالعلاقة العصابية التي يعيشها الابن إزاء أبيه: لا يستطيع أن يستمر في الحياة من دون الاعتراف به، ولا يقدر في الوقت نفسه أن يحقق استقلاله من دون قتله رمزياً.
من ثم، يؤكد طرابيشي أن الخروج من هذا المأزق لا يمكن أن يتم عبر مشاريع انتقائية أو عبر تلفيق بين التراث والحداثة، بل عبر عملية تحليل نفسي جماعي طويلة الأمد. هذه العملية تقتضي مواجهة المكبوتات الجماعية، والتجرؤ على تجاوز الأب الرمزي من دون عقدة ذنب، أي أن يتحرر المثقف من أسر العصاب ويؤسس علاقة جديدة مع التراث تقوم على القراءة النقدية التاريخية، لا على التقديس أو القطيعة الشكلية. وهنا تتجلى القيمة الأساسية لكتابه، إذ يحوّل قضية التراث من مجرد إشكالية معرفية إلى مشكلة نفسية – ثقافية تتطلب إعادة بناء الوعي الجمعي العربي.

المنهج والتحليل
يعتمد جورج طرابيشي في هذا الكتاب على التحليل النفسي الفرويدي بوصفه أداة تفسيرية أساسية لفهم أزمة المثقف العربي مع التراث. فهو يستعير مفاهيم مثل عقدة أوديب وعلاقة الابن بالأب ليقيس عليها علاقة المثقف بالتراث. فكما يعيش الابن صراعاً بين التماهي مع الأب وبين الرغبة في قتله رمزياً للتحرر من سلطته، كذلك يعيش المثقف العربي حالة صراع مماثلة مع التراث الذي يشكل "الأب الرمزي" في الثقافة العربية. وهنا يذهب طرابيشي إلى أن هذه العلاقة ليست مجرد موقف معرفي أو خيار فكري، بل هي بنية نفسية تتحكم في الخطاب العربي برمته.
لكن طرابيشي لا يتوقف عند حدود التحليل النفسي وحده، بل يدمجه مع النقد الثقافي والفلسفي، بحيث تتحول قراءته إلى محاولة للكشف عن البنية العميقة التي تنتج الخطاب. في هذا المعنى، هو قريب مما يسميه إدوارد سعيد بـ"النقد العلماني"، أي النقد الذي يفكك الأنساق الفكرية والثقافية من دون تقديسها أو اعتبارها مطلقة. ومن هنا تأتي فرادة مشروعه: فهو لا ينظر إلى التراث من زاوية التاريخ وحده أو من زاوية النصوص وحدها، بل يقرأه كظاهرة نفسية – ثقافية تتحكم في وعي المثقف وفي آليات إنتاجه للمعرفة.
ولتوضيح هذه الرؤية، يتناول طرابيشي نماذج من المشاريع الفكرية العربية. ففي حالة زكي نجيب محمود، يرى أن نزوعه إلى العقلانية والوضعية لم يمنعه من إعادة ربط هذه العقلانية بالتراث، وكأنه يبحث عن "أب" يمنحها الشرعية. أما عند محمد عابد الجابري، فيرى أن مشروع نقد العقل العربي هو بدوره شكل من أشكال التماهي مع الأب الرمزي؛ إذ يقسم التراث إلى "بياني" و"عرفاني" و"برهاني"، لكنه في النهاية يظل داخل فضاء التراث ذاته، ولم يجرؤ على الانفصال الجذري عنه. وهكذا يكشف طرابيشي أن ما يبدو نقداً جذرياً عند هؤلاء المفكرين ما هو إلا إعادة إنتاج للعصاب الجماعي.
وفي قراءة طرابيشي لمشروع حسن حنفي، يتضح البعد الآخر للأزمة: إذ يحاول حنفي أن يوفق بين التراث والحداثة عبر مشروع "اليسار الإسلامي"، لكنه في النهاية يقع – بحسب طرابيشي – في مأزق التلفيق، لأنه لا يستطيع أن يتجاوز التراث من دون أن يعود ليؤسس عليه شرعيته الفكرية. وبهذا يبرهن طرابيشي أن مواقف هؤلاء المثقفين ليست مواقف معرفية حرة، بل تعبيرات مختلفة عن اللاوعي الثقافي العربي الذي يفرض عليهم نمطاً من التعامل مع التراث، إما من خلال الإسقاط النفسي لعقدهم الخاصة، أو من خلال محاولات التوفيق المستحيلة بين الماضي والحاضر.

القيمة النقدية
تكمن أهمية كتاب «المثقفون العرب والتراث» في جرأته المنهجية؛ إذ لم يكتفِ طرابيشي بتكرار الأسئلة المعتادة حول "كيف نقرأ التراث؟" أو "كيف نوفق بين الماضي والحاضر؟"، بل تجاوز ذلك ليطرح سؤالاً أكثر جذرية: لماذا يعجز المثقف العربي عن التحرر من التراث؟. هذا التحول من السؤال المعرفي إلى السؤال النفسي أتاح له أن يكشف عن البنية العميقة التي تتحكم في إنتاج الخطاب العربي، حيث لا يكون التراث مجرد مادة للدرس أو النقد، بل "أباً رمزياً" يفرض سلطته على اللاوعي الجمعي. وبهذا المعنى، فإن قيمة الكتاب لا تكمن فقط في نتائجه، بل في الطريقة التي نقل بها النقاش من السطح الظاهري إلى العمق النفسي – الثقافي.
إحدى أبرز فضائل الكتاب أنه فتح باباً جديداً في دراسة التراث العربي عبر تطبيق أدوات التحليل النفسي على ظاهرة فكرية – ثقافية. فطرابيشي لم يكتفِ بالمنهج الفيلولوجي أو التاريخي، كما فعل كثير من الدارسين، بل سعى إلى تحليل الرمزية التي يمثلها التراث في المخيال الجمعي. على سبيل المثال، عندما يشير إلى أن علاقة المثقف العربي بالتراث تتسم بـ"الحب – الكراهية" في آن واحد، فهو يضيء على ما يتجاوز السجال الظاهري بين الإسلاميين والحداثيين ليكشف أن كلاهما واقع في أسر الأب الرمزي نفسه، سواء دافع عنه أو هاجمه. هذا التحليل مكّنه من وضع يده على ما يسميه العصاب الجماعي الذي يشلّ الحركة النقدية العربية.
مع ذلك، لم ينجُ الكتاب من الانتقادات. فقد رأى بعض الباحثين أن استعارة أدوات التحليل النفسي الغربي – وبالأخص الفرويدية – لفهم ظاهرة عربية – إسلامية معقدة قد يكون مسعىً إشكالياً. فمفهوم "العصاب الجماعي" نفسه يُعد مفهوماً فضفاضاً، يصعب إسقاطه بدقة على مجتمعات بأكملها، خاصة أن فرويد كان يتحدث أساساً عن الأفراد لا عن البنى الثقافية الكبرى. كما أن توصيف علاقة المثقف العربي بالتراث على أنها مجرد "علاقة أبوية" قد يُتهم بالتبسيط، لأنه يهمل العوامل الاقتصادية والسياسية والاستعمارية التي عمّقت هذا المأزق.
يضاف إلى ذلك أن الإفراط في توظيف المجاز الفرويدي قد يحجب جوانب أخرى من الأزمة. فالعلاقة بين التراث والحداثة ليست علاقة ثنائية مغلقة بين "ابن وأب"، بل هي شبكة معقدة تتداخل فيها عناصر متعددة: من تأثير الاستعمار الأوروبي، إلى ديناميات السلطة المحلية، إلى أنماط التعليم والإنتاج الاقتصادي. لذلك، فإن بعض النقاد رأوا أن مقاربة طرابيشي، رغم أهميتها وجرأتها، اختزلت الواقع العربي في بعد نفسي واحد، بينما هو في الحقيقة أكثر تركيباً. ومع ذلك، يبقى الكتاب نصاً تأسيسياً لأنه أجبر الفكر العربي على مواجهة نفسه في المرآة، ولو عبر مجاز التحليل النفسي، وفتح أفقاً جديداً للتفكير في التراث بعيداً عن القراءات التوفيقية أو الدفاعية التقليدية.

موقع الكتاب في مشروع طرابيشي
يشكل كتاب «المثقفون العرب والتراث: التحليل النفسي لعُصاب جماعي» نقطة انطلاق أساسية في المشروع الفكري الكبير لجورج طرابيشي. فقبل أن يدخل في سجاله الطويل مع محمد عابد الجابري عبر سلسلة نقد نقد العقل العربي، كان طرابيشي قد وضع في هذا العمل اللبنات الأولى لفكرته المركزية: أن أزمة الثقافة العربية ليست مجرد إشكالية منهجية أو معرفية، بل هي أزمة أعمق ذات طابع نفسي – ثقافي، ترتبط باللاوعي الجمعي وبآليات التماهي والرفض تجاه التراث. بهذا المعنى، يمكن اعتبار الكتاب بمثابة المفتاح التفسيري الذي سيفتح الباب لاحقاً أمام إعادة بناء رؤيته الكاملة.
ورغم أن الكتاب ركز على التحليل النفسي بشكل واضح، إلا أن طرابيشي لم يتوقف عند هذا المستوى. ففي أعماله اللاحقة، مثل من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث ونقد نقد العقل العربي، وسّع دائرة التحليل لتشمل القراءة التاريخية والبنيوية للنصوص المؤسسة، وخاصة في التراث الإسلامي. لكن الخطوط الأولى لهذه المقاربة كانت قد رُسمت في هذا الكتاب، حيث أرسى فكرة أن أي محاولة لفهم علاقة المثقف العربي بالتراث لا بد أن تمر عبر قراءة مزدوجة: نفسية – معرفية، تكشف البنى العميقة التي تصوغ الوعي الثقافي العربي.
ويمكن القول إن هذا الكتاب كان بمثابة مختبر أولي لصياغة أدوات طرابيشي النقدية. ففيه اختبر مدى صلاحية التحليل النفسي في قراءة النصوص الفكرية العربية، كما صاغ فرضيته عن العصاب الجماعي الذي يلازم المثقف العربي في علاقته بالتراث. هذه الفرضية، وإن بدت جذرية في حينها، فقد استمرت لتشكل خلفية ضمنية لكثير من تحليلاته اللاحقة، حتى حين انتقل إلى أدوات تاريخية وفلسفية أكثر صرامة. ومن هنا، يمكن أن نفهم أن مشروعه لم يكن قطيعة بين مراحل، بل تراكماً متصاعداً بدأ من النفسي لينفتح على التاريخي والبنيوي.
في المحصلة، يظل هذا الكتاب نصاً تأسيسياً في مسيرة طرابيشي، لأنه كشف مبكراً عن البعد النفسي – الثقافي لأزمة التراث في الوعي العربي، ولأنه طرح بجرأة فكرة أن التحرر من سلطة الماضي لا يتم عبر شعارات "القطيعة" الشكلية، بل عبر عملية طويلة ومعقدة شبيهة بالتحليل النفسي الجماعي. هذه الفكرة ستظل خيطاً ناظماً في أعماله اللاحقة، وهو ما يجعل الكتاب حجر الزاوية في مشروعه النقدي بأسره، ومرجعاً لا يمكن تجاوزه لفهم تطور أطروحاته حول التراث والعقل العربي.

خاتمة
يمكن القول إن «المثقفون العرب والتراث» هو نص إشكالي بامتياز: يحرّض، يثير، ويستفز القارئ، لكنه في الوقت نفسه يفتح أفقاً مختلفاً لفهم العلاقة الملتبسة بين العرب وتراثهم. ورغم ما يُؤخذ عليه من تعميمات ومن انبهار بالأدوات الفرويدية، فإنه يظل نصاً مرجعياً في نقد العقل العربي، ويشكل مع غيره من أعمال طرابيشي محاولة جادة لتشخيص "العصاب الجماعي" الذي يعطل إمكانات النهضة والتجديد في العالم العربي.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى