د. أحمد الحطاب - تعالوا نشغِّل عقولَنا، بعض الشيء،ِ كما أراد اللهُ، سبحانه وتعالى

قبل الدخول في تفاصيل هذه المقالة، أريد أن أستشهِدَ بثلاثة آيات من القرآن الكريم تبيِّن، بوضوحٍ، أن اللهَ، سبحانه وتعالى، منح العقلَ للإنسان ليفكِّرَ به وليس لتهميشه وتجميدِه.

1."يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِن بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ" (آل عِمران، 65).

في هذه الآية الكريمة "…أَفَلَا تَعْقِلُونَ"، هي عبارة عن "تساؤلٌ إلهي" مفادُه أن الناسَ الذين يُحاجُّون في إبراهيم، عليه السلام، لم يُشغِّلوا عقولَهم. ولو شغلوا عقولَهم، لعرفوا أن إبراهيم لم يكن لا يهودياً ولا نصرانياً. بل كان مُسلِما حنيفا، وخصوصا، أن التوراةَ والإنجيلَ نزلا بعد وفاته.

2."كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ" (ص، 29).

في هذه الآية، الكتاب، هو القرآن الكريم. أما التَّدبُّر، فهو قراءة القرآن الكريم أو الاستماع له بحضور النفس البشرية كاملَةً، أي وجداناً (قلباً) وعقلاً، أي أن يُقرَأَ القرآن الكريم بالعقل والوِجدان، أي إحساساً وعقلاً. والتَّدبُّر يقتضي من القارئ أو المستمِع أن يكون مُلِماًّ باللغة العربية وبقواعِدها لإدراك معاني الكلمات والجُمل. فما هو الهدفُ من التَّدبُّرِ؟

الهدف من التَّدبُّر هو، أولاً، التَّعمُّق في معاني الآيات وإدراك ما هو مخفي في هذه المعاني. ثانياً، تعويد العقل على الوقوف عند حقائق الكون، المادية والمعنوية، النافعة وغير النافعة، واجتناب ما هو مضر منها للناس والأرض بأكملها. ثالِثاً، تعويد النفس على التَّقرُّب من الله، سبحانه وتعالى، ومن تمة، تعوبدُها، كذلك، على الوقوف على الأوامر والنواهي الإلهية وتطييقها في الحياة العامة والخاصة. وبصفة عامة، التَّدبُّر هو التَّأمُّل والتَّعمُّق في معاني الأمور والوقوف على ما لها من عواقب.

3."إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ" (آل عمران، 190).

في هذه الآية الكريمة، أولو الألباب هم أصحاب العقول النَّيِّرة والمستنيرة. والعقول النَّيِّرة هي العقول المُفكِّرة، بكيفيةٍ مستقلة وعميقة. واستقلاليتُها تتمثَّل في كونها لا تقبل الأمورَ إلا بعد تمريرِها من مصفاة filtre النَّقد. أو بعبارة أخرى، العقول النَّيِّرة تبحث عن جوهر الأمور، ولها مُتَّسعٌ من العلم والمعرفة. عادةً، العقول النَّيِّرة لا تتبع الأفكارَ بكيفية عمياء. بل تُقلِّبها من كل جانب، بتبصُّرٍ وحكمة. أما العقول المستنيرة، فهي العقول النَّيِّرة التي باستطاعتِها أن تستفيدَ من أمور الحياة بجميع مظاهِرها. وفي نهاية المطاف، العقول النيرة و المستنيرة هي التي تستفيد وتُفيد.

هذه الآيات الثلاثة تبيِّن بأن فهمَ وإدراكَ معاني آيات القرآن الكريم يتطلَّبان تشغيلَ العقول. وتشغيل العقول، فيما يخصُّ القرآن الكريم، لا فائدة منه، إن لم يكن مصحُوباً بالتَّدبُّر. وتطبيقاً لعنوان هذه المقالة على أرض الواقع، سأُخضِع آيةً من القرآن الكريم لتحليل مُتدبَّرٍ فيه. وهذا هو نصُّ الآية، وهي الآية رقم 8 من سورة الرحمان : "أًلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ". و"الْمِيزَانِ" كلمةٌ وَرَدَت، كذلك، في الآية رقم 7 من نفس السورة : "وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ". فما الذي يتطلَّب تشغيلَ العقل بتدبُّرٍ في هذه الآية؟

ما يتطلَّب تشغيلَ العقل بتدبُّر في الآيتين، هي كلمة "الْمِيزَانَ". ما يتبادر للذهن في أول وهلة، "الميزان" هو الآلة التي، بواسطتِها، يتعرَّف الناسُ على مِقدار وزن poids أو ثِقَلِ أو كُتلة masse شيءٍ من الأشياء المادية. لكن عندما نعود إلى القواميس والمعاجم العربية، نجد أن كلمةَ "ميزان" لها علاقة ب"العدل". وبعبارة أخرى، يكون الميزان، كآلةِ وزنٍ، عادِلاً، عندما تتساوى كفَّتاه les deux plateaux في الارتفاع.

كما نجد في نفس القواميس أن كلمةَ "ميزان" تُستعمَل كذلك في المجال الاقتصادي. فنقول مثلاً "الميزان التِّجاري" أو "الميزان الحسابي". فيما يخص "الميزان التِّجاري"، المقصود منه هو تِبيان هل هناك توازنٌ بين الصادرات والوارِدات لبلدٍ ما، أي هل هناك توازنٌ بين ما تُصدِّره البلادُ من سلعٍ أو منتجات للبلدان الأخرى، وبين ما تستورِده من سِلعٍ أو منتجات من بلدان أخرى. لماذا؟

لأن الصادرات والوارِدات يُؤدَّى ثمنُها بالعملة الصعبة. وبعبارةٍ أوضح، هل مدخولات الصادرات، من حيث العملة الصعبة، تغطي الوارِدات، أي هل هناك توازنٌ un équilibre بينهما. ولعلمِ الجميع، "الميزان التجاري" المغربي دائما فيه عجزٌ un déficit كبير، أي أن الصادرات المغربية تكاد تغطي، فقط، 50% مما تستورد البلاد.

أما "الميزان الحسابي"، فالمقصود منه هو معرفة هل هناك توازن بين ما على البلاد من ديونٍ وما هي قادرة على إنتاجِه من ثروة richesse، أي هل هناك توازنٌ بين هذه الديون والناتج الداخلي الخام le Produit Intérieur Brut. ولعلمِ الجميع، بالنسبة للمغرب، سنةَ 2024، بلغت المديونية l'endettement ما بين 67 و 69% من الناتج الداخلي الخام. ونفس المديونية، الخارجية والداخلية، بلغت، سنةَ 2023 ما يناهز 81% من الناتج الداخلي الخام.

وباختصار، عندما قال، سبحانه وتعالى، في الآيتين رقم 7 و 8 من سورة الرحمن : "وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ" و "أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ" فالمقصود من كلمة "ميزان" ليس الآلة المشار إليها أعلاه. بل المقصود هو التوازن القائم بين الأشياء التي خلقها ويخلقها الله، عزَّ وجلَّ. لكن ما المقصود من "التوازن القائم بين الأشياء"؟

المقصود هو أن وجودَ الشيء مكيَّفٌ adapté مع وجود الأشياء الأخرى في الكون. مثلاً، النباتات تحتاج إلى المطر (الماء) لتنمو، والمطر يحتاج أولا للتَّبخُّر l'évaporation انطلاقاً من البحار والمحيطات والبُحيرات les lacs والأنهار. والتَّبخُّر يحتاج إلى الحرارة والحرارة توفِّرها أشعَّةُ الشمس. ويحتاج المطرُ، كذلك، للسحاب. والسحاب يحتاج إلى التكثيف la condensation تحت تأثير انخفاض الحرارة. حينها يتجمع الماء على شكل قُطَيْرات des gouttelettes. وعندما تكبر القُطَيرات، ينزل المطر.

ولكل شيءٍ موجودٍ في الكون دورٌ يلعبه وقد يكون نافعا للأشياء الأخرى الموجودة في نفس الكون. والمثل الذي أعطيتُه أعلاه حول المطر يُبيِّن، بوضوحٍ، كيف تم توزيع الأدوار على مختلف مُكوِّنات الأرض وكيف تم دَمجُ هذه المكوِّنات مع عوامل فيزيائية des factures physiques الناتِجة، هي الأخرى، عن تفاعل نفس المكوِّنات.

أما المقصود من التَّكيُّفُ l'adaptation، هو أن يكون الشيءُ مُهيَّأً لهذا التَّكيُّف خارجياً من حيث الشكل، وداخِلياً من حيث التركيب. فمثلا، النباتات الصحراوية لها القدرة على مُقاومة ندرَة الماء la rareté de l'eau. وهذه المقاومة تنعكس على التركيب الداخلي للنباتات وعلى شكلها.

أما بالنسبة للكائنات الحية، بصقةٍ عامةٍ، فالتكيف يبدأ بالانسجام مع خاصيات propriétés وسط العيش. وهنا، الشكل والتركيب الداخلي يلعبان دورا أو أدواراً مُهمَّةً. وباختصار، كل كائنٍ حيٍّ له، شكلاً وتركيباً، ما يكفي من الخاصِيات للتَّأقلُم مع وسط عيشِه.

فمثلاً، الإنسانُ هو الكائن الحي الوحيد الذي يمشي، دائماً، على رجلين bipède، وله عقلٌ ليكون واعِياً بوجوده وبوجود الأشياء المُحيطة به. وله كذلك مَلَكَةُ النُّطق. يمشي، دائماً، على رجلين لتكون أطرافُه العليا حرةً. والأطراف العليا امتداد للعقل إذ، بواسِطتِها، يحقِّق الإنسانُ أفكارَه، وبها، يتصرف في الأرض لإعمارها.

وكل هذه الخاصيات، المادية وغير المادية، لا تُمطِرها السماء. بل هي من خلقِ اللهِ، سبحانه وتعالى، وفيها وَضَع الميزانَ لتتلاءمَ مع خاصيات الكائنات الأخرى. حية أو غير حية.

فلما قال ويقول، سبحانه وتعالى، "أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ". فالمقصود من هذه الآية، هو أن لا تتجاوز تصرفاتُ الإنسان في الأرض، حين إعمارها، الخاصيات التي وضعها، سبحانه وتعالى، من خلال الميزان، في جميع مخلوقاته، الحية وغير الحية.

ولعل أكبرَ تجاوزٍ ناتجٍ عن تصرُّفات الإنسان، في عصرنا الحاضر، هو التصنيع الجائر la surindustrialisation والاستعمال المفرط l'utilisation excessive للموارد الطاقية الأحفورية les ressources énergétiques fossiles. النتيجة هي ارتفاعُ نسبة ثاني أكسيد الكربون في الجو، وتراكُمُه في أعالي هذا الأخير، مُشكِّلا بيتا زجاجِياً une serre حول الأرض يحول دون تبديد dissipation الحرارة المنبعثة من سطح الأرض. النتيجة هي تغيير المناخ le changement climatique الذي تعاني منه، حالياً، البشريةُ جمعاء. وتغيير المناخ ليس إلا نوعٌ من أنواع الطغيان في الميزان.

قال اللهُ، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 7 من سورة السجدة : "الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ". "أَحْسَنَ"، في هذه الآية الكريمة، هي الأخذ بعين الاعتبار "الميزان". ولهذا، قلتُ وأقول وسأبقى أقول، الله، عزَّ وجلَّ. "لا يخلق الأشياءَ عبثاً". بل كل مخلوق، حي أو غير حي، لما يُخلقُ، يُصاحبُه الميزان.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى