خالد عطية - أطفال فلسطين... حكاية نسرين ورمزية الطفولة المنهوبة

في غزّة، حيث يُمحى الضوء أمام ثِقَل الركام، تتقدّم نسرين، الطفلة ذات الاثني عشر ربيعاً، لتصبح عنواناً يتجاوز ذاتها الفردية إلى رمزٍ مكثّف لكل أطفال فلسطين. عرفناها عبر فضاء التواصل، لكنها لم تُطل كطفلةٍ تلهو، بل كصوتٍ مشحون بوعيٍ مُبكر، كأنّ الحرب سرقت من ملامحها عمرها، ومن ضحكتها خفتها. حين تكلّمت، بدا كأنها تحمل على كتفيها ذاكرة جيل بأسره.
نزحت نسرين مع عائلتها كما نزح آلاف الغزيين. بيتٌ تلو بيتٍ، ملجأٌ تلو ملجأ، حتى صارت تفاصيل النزوح المتكرر هي “البيت” الوحيد. في آخر مرة لم يُمهلهم الاحتلال جمع متاعٍ أو استرجاع ذكرى، بل محا المكان كما يُمحى السطر من الورق، تاركاً طفلةً بلا مأوى، وعائلةً تتوسّد العراء.
وحين سألتها زوجتي لماذا غابت عن مواقع التواصل، أجابت بمرارة الطفولة التي كبرت فجأة: “لم يبقَ للكلام معنى. تكلمنا كثيراً ولم يسمعنا أحد.”

1757618493311.png

إنه إعلان استسلام أمام صمم العالم، وانسحاب طفلةٍ من أبسط حقوقها: حق البوح.

كلماتها تنحت صوراً دامية:
• “نفسي أعيش ساعة بلا خوف”
• “نفسي أنام وحد يطبطب علي”
• “أنا شو ذنبي طفلة أتوجع”

هذه ليست جُملاً عابرة، بل شظايا وجودٍ تُصيب الضمير الإنساني في مقتل. إنها تصرخ لا بلسانها فحسب، بل بلسان أربعين ألف يتيم، وبأشلاء عشرين ألف طفل شهيد، وبعمرٍ فلسطينيٍّ بكامله يُذبح على صمت هذا العالم.

نسرين ليست حالة فردية؛ هي استعارة حيّة لطفولةٍ مسلوبة. كل بيتٍ مهدوم هو ملامحها. كل خيمةٍ في العراء هو ملجؤها المؤقت. كل شهيد طفل هو انعكاسها المكسور. نسرين هي “طفولة فلسطين” وقد سُلبت حقّها في البراءة واللعب، واستُبدلت بأحمال الرجال والنساء الكبار.
إنها تُجسّد تلك المفارقة التي تهزّ الوجدان: أطفالٌ يُفترض أن يكونوا قلوباً خفيفة، فإذا بهم يصيرون شهوداً على موتٍ يوميّ، يحسبون أنفاسهم بين قصفٍ وآخر، ويُكابدون اليتم قبل أن يعرفوا معنى الحلم.

وحين تقول نسرين: “أنا شو ذنبي طفلة أتوجع”، فهي لا تسألنا عن قضية سياسية، بل عن إنسانية مُجرّدة. السؤال ليس فلسطينياً بقدر ما هو سؤال عن معنى أن نكون بشراً. كيف يقف العالم، بأدواته ومؤسساته وصوته المدوّي، أصمَّ أمام أنين طفلة تُلخّص وجع شعبها؟

إنّ قصة نسرين ليست تقريراً صحفياً، بل هي مرآة. من يتأملها يكتشف فداحة الاختبار الأخلاقي الذي نعيشه. إنها دعوة لأن نعيد تعريف العدالة، والرحمة، والمسؤولية، لا كخطابات سياسية، بل كقيمة إنسانية لا يُمكن التنازل عنها.
في طفلةٍ تقول “لم يعد للكلام معنى”، يكمن أخطر ما يمكن أن نواجهه: موت الأمل. وحين يموت الأمل في صدر الأطفال، تموت الإنسانية جمعاء.

نسرين — هذا الاسم الذي يوشك أن يصبح عنواناً — ليست مجرد طفلة فلسطينية من غزة؛ إنها أيقونة الطفولة المهددة بالانقراض في زمن الحروب. قصتها محفورة في وجدانٍ لا يعرف النسيان، وصرختها تظلّ وصمةً في ضمير عالمٍ آثر الصمت.

فهل يسمعها العالم؟ أم سيبقى صمّاً كما وصفت؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى