خالد صالح عطية - على تخوم الرماد: مقاربة بنيوية لخراب المعنى في زمن المجازر

عندما يتحول الصمت إلى أداة إبادة، ويتحوّل العالم إلى هيكل عظمي لأخلاقٍ متآكلة، تصبح اللغة ذاتها عاجزة عن حمل المعنى، ويغدو الصراخ فعلاً أكثر نبلاً من كل البيانات الدبلوماسية. في الزمن الرمادي الذي نعيشه، حيث تُغتال المدن في بثٍّ حي، وتُدفن الطفولة تحت ركام العجز الدولي، تتجلى غزة — لا كجغرافيا — بل كمرآة مُفجعة لانهيار البنية القيمية الكونية.
في هذا المقال، نحاول مقاربة ما يحدث لا بوصفه “حدثًا سياسيًا”، بل كتحول بنيوي في منظومة الإدراك البشري، وانفجاراً أخلاقيًا يُعيد تعريف المفاهيم الكبرى: العدالة، المقاومة، الإنسانية.

عن اللغة حين تنهار أمام الدم

اللغة، وهي حامل الوعي الإنساني، تبدو اليوم أضعف من أن تكتب شيئًا يليق بعمق المأساة. ففي غزة، لم تعد الكلمات وسيلة للتواصل أو الأمل، بل تحولت إلى طقوس حداد لغوي، تصرخ دون صوت. في كل صورة طفل يُنتشل من تحت الأنقاض، تموت مفردة من قاموس الحداثة. في كل عين أمٍّ مفقوءة بالخذلان، تُلغى صفحة من “الشرعة الدولية لحقوق الإنسان”.
الخطاب الرسمي، مهما بلغ من فصاحة، يُعيد إنتاج الجريمة من خلال التبرير أو التعتيم. وبينما تستمر المجازر، يجري تحديث المصطلحات: “حق الرد”، “دفاع عن النفس”، “أضرار جانبية” — وكلها تواطؤات لغوية تقتل مرتين: بالرصاصة، ثم بالمحو الرمزي.

التواطؤ كمنظومة
ما يجري ليس لحظة انهيار أخلاقي طارئة، بل هو تجلٍّ لمنظومة كاملة بُنيت على إخضاع الضحية وتجميل الجلاد. نحن لا نعيش زمنًا فقد فيه العالم ضميره، بل زمنًا أعاد فيه تعريف هذا الضمير بطريقة تبرّر الجريمة. النظام العالمي، بواجهاته المتحضّرة، لا يتواطأ مع القتل فقط، بل يعيد صياغة أدواته: بالصمت، بالمساعدات المشروطة، بالإعلام الانتقائي، وأخيرًا بإعادة إنتاج “الضحية المذنبة”.
غزة هنا ليست فقط جغرافيا تنزف، بل هي المعمل الأخلاقي الأخير لاختبار صدقية كل شعارات العالم الحديث. ومن يفشل في امتحان غزة، فقد أسقط عن نفسه قناع الإنسانية إلى الأبد.

الرماد الذي يُكتب به التاريخ
ثمة تاريخ يُكتب الآن، لا بأقلام المؤرخين، بل برماد الأجساد المحترقة، ودموع الجياع، وأشلاء الأطفال. لم تعد غزة تنتظر بياناً، ولا قمةً، ولا تضامناً موسمياً. ما يجري تخطّى لحظة “التحليل”، وانتقل إلى لحظة “الفرز الوجودي”: من مع الإنسان، ومن مع مسوّغات فناءه.
وفي هذا الفرز، لا حياد. الصمت موقف. الحياد خيانة. اللغة الباردة شراكة في سفك الدم. والوقوف على الأطلال فعلٌ جبان، إن لم يُقترن بفعل يوقف آلة الموت .

لا تبحث عن النور في جمجمة
في زمنٍ تتراكم فيه جثث الأبرياء فوق رفوف الصمت الدولي، يبدو أن أكثر الأفعال ثورية هو أن تبقى إنساناً. أن ترفض أن تُقتل مرتين: مرة بالجُرم، ومرة بالتبرير.
غزة ليست أزمة. ليست “حدثًا عابرًا”. إنها لحظة الحقيقة الكاشفة، التي تختبرنا جميعاً، لا كمراقبين، بل كمشاركين — إما في صناعة الكرامة، أو في هندسة المقابر.
إذا كانت الأمم تكتب ذاكرتها بالمداد، فإن غزة تكتبها بالدم، على جدران الخراب، وبصراخ الأطفال الذي لن يُنسى.



بقلم: [خالد صالح عطية]
14-09-2025

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى