محمد بشكار - جعلوا للشِّعر حِجاباً.. !

لِكلّ عَيْنٍ وجهة نَظرِها في آفة الحَجْب الذي رُزئت بِكفنه جائزة الشعر في المغرب لعام 2014؛ وقد آثرتُ طيلة تدفق سيول الحبر هادرة بالغضب من هذا الحجب غير المعقول، أن أبقى غاضّاً البصر دون أن أُدلي من عيني بوجهة نظر، لا لأن الحزن أخرسني بعد أن انهارت كل بيوت الشعر في بلدنا، وما زال البحث جارياً عن بقايا أشلاء الشعراء تحت الأنقاض، بل لأني استغربت - مع عميق احترامي لكل المحجبات في العالم الإسلامي - أن يتجاوز تأثيرُ الحِجاب النِّساءَ، ليصير حتى للشِّعر حجابٌ؛ ولا جَرَمَ أننا في حكومة تستند في مرجعيتها الثقافية والسياسية إلى حزب إسلامي؛ ألم أقل إِني آثرْتُ أن أبقى غاضّاً البصر، دون أن أدلي من عيني بوجهة نظر، خشية أن أُصاب بمسٍّ من فتنة الشعر، الذي لو ظل بدون حجاب لزاغ شيطانه بأفئدة الناس عن الطريق المستقيم..؟!

1757973756260.png


لقد عُدنا من حيث لا نحتاج لاستعمال أرجل أو حذاء، أي عبر أنفاق معتمة في العقول، إلى الزمن القروسطي حيث الرَّجم بالتحريم يعتبر الشريعة الجوهرية التي تُعطّل في الإنسان كل الحواس، حتى يصير بهيمة طائعة لمن يسُوسُها، سَلْسة القياد لمن يُسيِّسها؛ ولا مِراء أن ساستنا اليوم الذين لا تعدم الثقافة تأثيرا من يدِهِم الطُّولى لأبعد من الجيوب، قد رجعوا بنا حين جعلوا للشِّعر حجابا، إلى ما يشبه تِلْكُمُ الشرائع الظلامية التي تعتبر كل جميل شيطاناً لا يستحق إلا الرجم والحجب عن الأنظار، وقد بدأت هذه الشرائع في تطبيق سُنَنِها المتطرِّفة، بتعطيل الحَواسِّ الإنسانية التي وهبنا الخالق نعمتها للاستمتاع بما يجسده الإبداع من جمال إلهي، بدءاً من أرهف زهرة في الطبيعة حتى البحر الذي ما علينا إلا أن نشربه و نقول سلاما، فَسَمَلُوا الأعين حين منعوا الناس عن رؤية جمال الشعر وتذوق لغته الأصيلة والأسيلة كالدم في عروقنا، واعتبروه كما في الأزمنة الثاوية تحت الغبار، امرأةً ليست في إيحاءات مرآتها، سوى شيطان فاتن يُملي على القُرَّاء، وسواس الغواية.. !
أمّا أنا فقد حاولت عبثا أن أبقى غاضّاً البصر دون أن أُدلي من عيني بوجهة نظر، ولكنني لم أستطع أن أوافق كل النسَّاجين الذين حاكوا للشعر المغربي، حجابا أو كفناً، فأنا لا أملك إزاء فتنته الآسرة إرادة لمقاومة الجمال، وحتى إذا أمعنت في غضِّ البصر فإن بصيرتي بما أُوْتِيتُ من تخييل، تنقلني إلى ما وراء الحجاب، فأرى في ما لا تراه عَيْنٌ، ما يُضَاعِفُ فتنتي و يجعلني أمد يدي لأقرب قلم..!
أقول للواقفين حُجَّاباً على عتبة الشعر، إن هذا الشعر لايَسْتأذِنُ حاجباً في الدخول إلى أرواح الناس، التي ليست أبوابا في غالب صُنْعها من خشبٍ؛ أقول لهؤلاء الحُجَّاب وكلي أمَلٌ أن يميلوا ببعض انزياح حتى لا يُغَطُّوا الشمس بغربال؛ رُدُّوا القصيدة المغربية إلى وضَح النهار، فالنبوغ المغربي عصيٌّ على كل استغباء.. !


(افتتاحية ملحق "العلم الثقافي"، الخميس 26 فبراير 2015)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى