عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب. عندما يُترجَم الوفاء انتظارا..

يوم السبت الماضي، الموافق 25 أبريل، كنّا على موعد مع توقيع الكتاب الجديد للأستاذ سعيد بنكراد: "السرديات في الأدب والتاريخ والفينومينولوجيا"، من تقديم الأستاذ يوسف توفيق. كان المساء يتهيّأ لطقسه المعتاد، كتب تتنفس على الرفوف، ووجوه جاءت تحمل شغفها كما تُحمل الهدايا، غير أن مشهدا واحدا اختار أن يكون هو الحكاية كلّها ، مشهد في غاية النُّبل والكرم.
قبل أن تمتلئ القاعة، وقبل أن تأخذ المقاعد أسماء أصحابها، كان هو هناك سابقا الزمن بساعتين، ينتظر كما لو أنّ الانتظار عبادة أوفياء.
كان أول الحاضرين و المستقبلين، وآخر من غادر، كأنّه يحيط اللقاء من بدايته إلى نهايته بحراسة من محبّة صامتة.
في عينيه سكون العارفين، وفي وقفته معنى لا تُفصح عنه الكلمات.
تساءلتُ عن سرّ هذا الامتداد العميق بين رجلين، عن تلك الخيوط الخفية التي تجعل الحضور وفاء لا واجبا، فتذكّرتُ نصا قديما، كأنّه كُتب لهذه اللحظة تحديدا.
في مذكرات سعيد بنكراد "وتحملني حيرتي وظنوني"، وهو يستعيد أستاذه مبارك حنون، انكشف السرّ دفعة واحدة ، إنّه الجميل حين يُغرس في القلب، لكنه يتحوّل إلى مواقف.
يقول في النص: "شهادة للتاريخ: للأستاذ حنون مبارك، الذي كان قد سبقني إلى فرنسا، وكان قد ناقش رسالته الجامعية، فضل كبير في تسجيلي في الكلية، فهو الذي سحب الملف وهو الذي ملأ خاناته وأرشدني إلى المصالح المختصة في التسجيل، بل وهو الذي أشار عليّ بالأستاذ المشرف، وكان هو أول من حدثني عن أومبيرتو إيكو وكتابه (البنية الغائبة)، لذلك لن أنسى له هذا الجميل أبدا". ص.98
حينها فقط، بدا الانتظار أقلّ غرابة وأكثر بلاغة ، فبعض الناس لا يجيئون إلى اللقاءات ليحضروا، لكن ليُسدّدوا ديونا من الامتنان والوفاء .
أن يأتي ذلك السلوك من تلميذ إكراما لأستاذه فذلك تصرف عادي ، لكن أن يصدر من أستاذ كبير لتلميذه ، فذلك هو الخلق العظيم .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى