أوصافُ المثقف لا تُعَدُّ ولا تُحْصى، ولكنها للأسف في بلداننا المُسماة حسب الترقيم العَوْلمي ثالثية، تبقى حبيسة آباط الكتب الأحوج إلى حَمَّام بارد بعد أن فاح عرق حبرها كساداً؛ أجل تُقْصى كل الأوصاف المثالية التي بَوَّأت المثقف مكانة أعلى الرأس وبالتحديد في سويداء الضمير، ولا يعود لأفكاره من وجود ما دام استثمارها كأي معدن نفيس، منعدماً في المجتمع؛ من هنا أو هناك أو هنالك، لا يستغرب أحد إذا انتابه ما انتابني من شعور بالعدمية قد يُقوِّلني ما لا أحب؛ فأقول مثلا لأزيد وصف المثقف إطناباً حتى الأذنين؛ المثقف هو الإنسان الذي كلما فتح فمه واسعاً تزداد الآذان ضيقاً وتبرُّماً، وإذا وقع وتأثر أعمق من البئر باختلاجات الواقع، ونسي فمه مفتوحاً حين يخلد الجميع للصمت، لن تضيق فقط عن سماعه الآذان، بل ستضيق على جسده جدران الزنازن، لينضاف إلى توصيف المثقف الذي يحمل يافطته عبثاً وعبئاً، وصف آخر أمضّ سخريّةً، وهو: معتقل سياسي..!
المثقف هو الإنسان الذي كلما مال عن جادَّةِ القطيع ولا يثغو بآمين، اعتبروه في أفضل التوصيفات هنْدسةً، شبه منحرف، وأخضعوا نفسيته القَلقة لدراسة رياضية عساه يتوب ويتحول من شبه منحرف إلى المربَّع مستسلماً في آخر التعذيب للدائرة..!
المثقف هو الإنسان الذي ينام مفتوح العينين، ليس فقط لأنه يرى العالم بقلبه، بل ليوهم منعدمي الضمير أنه مستيقظ، فلا يقترفون الفساد..!
المثقف هو الإنسان الذي يُذَوِّبُ دماغهُ على مجمرة التفكير الهادئة، ليصنع بعَلَكِه فخاخاً لاصقة لطيور الأفكار التي لاتعدم غنج البنات..!
المثقف هو الإنسان الذي يملك جرأة الحديث بصيغة الأنا، فيحمل أوزار الآخر الذي ليس في حقيقة قناعه سوى المجتمع..!
المثقف هو الإنسان الذي يتحدث ولو صامتا، حتى إذا تعالت أفواه المقَصَّات بالصياح لتحاصر بقطع لسانه كل تعبير، عاد للحديث صامتاً دون أن يعرف أحد مصدر الكلام الذي سيتلوه حتماً زلزال..!
أجل كَثُرت المرايا الواصفة للمثقف حتى صار دون وجه؛ فثمة من يعتبره الأنا الجمعي؛ وثمة من اصطلحه أصلحه الله بالأنتيلجنسيا؛ وثمة من دمغه بطابع بريدي واعتبره رسولا؛ وثمة من سماه ناطقاً رسمياً باسم الشعب، وهو بقِصَرِ قلمه، أبعد ما يكون من الكرسي في أي وزارة؛ لكن تبقى أحب الأوصاف البيولوجية وليس الإيديولوجية لنفسي، هو تعبير المثقف العضوي، لا لشيء أو لمصلحة أو حتى لحلم، إلا لأنه بمثابة العضو الحيوي في جسم المجتمع؛ وأنصح كل مثقف آثر أن ينوء بتوصيف عضو غير قابل للتبرع، أن يختار موضع القلب، لأنه يقوم بوظيفة سرد الدماء في سطور الشرايين ولو على إيقاع نبضات عاطفية؛ ولا بأس أو يأس أن يستبدل هذا المثقف العضوي في جسم المجتمع، موضع القلب أحيانا، ليصبح على غرار فلاسفة الأنوار، عقلا، مع الحذر أن لا يصيبه من أخلاق البقر نَطْحٌ بدافع الكراهية وليس فقط الجنون..!
ولكن، ومهما امتد تأثير البقر على البشر، أعود للقول دون حشو لسان أو توصيف؛
المثقف هو الإنسان..!
(افتتاحية ملحق "العلم الثقافي"، الخميس 29 يناير 2015)
المثقف هو الإنسان الذي كلما مال عن جادَّةِ القطيع ولا يثغو بآمين، اعتبروه في أفضل التوصيفات هنْدسةً، شبه منحرف، وأخضعوا نفسيته القَلقة لدراسة رياضية عساه يتوب ويتحول من شبه منحرف إلى المربَّع مستسلماً في آخر التعذيب للدائرة..!
المثقف هو الإنسان الذي ينام مفتوح العينين، ليس فقط لأنه يرى العالم بقلبه، بل ليوهم منعدمي الضمير أنه مستيقظ، فلا يقترفون الفساد..!
المثقف هو الإنسان الذي يُذَوِّبُ دماغهُ على مجمرة التفكير الهادئة، ليصنع بعَلَكِه فخاخاً لاصقة لطيور الأفكار التي لاتعدم غنج البنات..!
المثقف هو الإنسان الذي يملك جرأة الحديث بصيغة الأنا، فيحمل أوزار الآخر الذي ليس في حقيقة قناعه سوى المجتمع..!
المثقف هو الإنسان الذي يتحدث ولو صامتا، حتى إذا تعالت أفواه المقَصَّات بالصياح لتحاصر بقطع لسانه كل تعبير، عاد للحديث صامتاً دون أن يعرف أحد مصدر الكلام الذي سيتلوه حتماً زلزال..!
أجل كَثُرت المرايا الواصفة للمثقف حتى صار دون وجه؛ فثمة من يعتبره الأنا الجمعي؛ وثمة من اصطلحه أصلحه الله بالأنتيلجنسيا؛ وثمة من دمغه بطابع بريدي واعتبره رسولا؛ وثمة من سماه ناطقاً رسمياً باسم الشعب، وهو بقِصَرِ قلمه، أبعد ما يكون من الكرسي في أي وزارة؛ لكن تبقى أحب الأوصاف البيولوجية وليس الإيديولوجية لنفسي، هو تعبير المثقف العضوي، لا لشيء أو لمصلحة أو حتى لحلم، إلا لأنه بمثابة العضو الحيوي في جسم المجتمع؛ وأنصح كل مثقف آثر أن ينوء بتوصيف عضو غير قابل للتبرع، أن يختار موضع القلب، لأنه يقوم بوظيفة سرد الدماء في سطور الشرايين ولو على إيقاع نبضات عاطفية؛ ولا بأس أو يأس أن يستبدل هذا المثقف العضوي في جسم المجتمع، موضع القلب أحيانا، ليصبح على غرار فلاسفة الأنوار، عقلا، مع الحذر أن لا يصيبه من أخلاق البقر نَطْحٌ بدافع الكراهية وليس فقط الجنون..!
ولكن، ومهما امتد تأثير البقر على البشر، أعود للقول دون حشو لسان أو توصيف؛
المثقف هو الإنسان..!
(افتتاحية ملحق "العلم الثقافي"، الخميس 29 يناير 2015)