محمد بشكار - إذا لم تُصدِّقْ انتظِرْني.. !

لا أحزن إلا على من يضيِّع كل الوقت في تحليل نظريات حول مفهوم الزمن في الرواية أو الشعر أو أي جنس أدبي آخر، في حين لو ابتعدنا عن أنفسنا مسافة تضمن نقداً واقعياً، لوجدنا أننا نقيم في تأخرنا الذي عطَّل كل عقارب الحياة، خارج الزمن الذي من فرْط ما هرولنا عسى نتدارك بعض السويعات من القرون التي نطحتنا وتجاوزتنا بحضارتها الأممُ المتقدمة، نكتشف أننا إنما كنا نهرول في مكاننا كفأر القِمار الأبيض الذي يدور في نفس الحيز الزجاجي ليربح الآخرون؛ أما الخاسر الأكبر، فهم نحن الذين لا نملك سوى أن نقعد على تل حسرتنا ملء الخراب، في انتظار أن يتداركنا الزمن، ويضع اقتصادنا بجيبه المثقوب، وثقافتنا المنفصمة عن رأسها، وسياستنا المتلاعبة بالعقول، في التوقيت العالمي. .!
حقاً لا أعجب إلا ممن يصوغ النظريات الأدبية، بكل ما أوتي من ساعات يدوية وحائطية أيضاً، حول مفهوم الزمن، ونحن جميعاً ما زلنا خارج الزمن؛ لكن لا يذهبنَّ بكم شطط التفكير أدراج تأويل ماكر، وتحسبوا أني سأفرغ ما تبقى من كلمات في تحليل نظري للزمن يجفِّف كل الدم في عروقي إلى آخر دقيقة؛ إنما أردت فقط الإعتراف أني إنسان متأخر في كل شيء؛ من الوجهة الاقتصادية، لست سبَّاقاِ للطيور في النهوض باكراِ، لذلك لا يتبقى لي دائما من مائدة الإفطار إلا فتات الطيور؛ وحين أصل إلى العمل متأخرا، أجد أنه بدأ بدوني، فأحمد الله أن سفينتنا تستطيع أن تمخر العُباب بنا أو بدوننا، وما قد يعتبره الناس آفة هو في امتداد جذوره السحيقة في تراثنا المغربي، من البركات التي لا تتوفر إلا في الأولياء.. !

1758079526899.png


أجل أنا متأخر؛ لأني أكره أن تتخذ أقوالنا الأثيرة حول الوقت صيغة العنف، فأُتَّهَمَ لمجرد أني اعتبرت الوقت كالسيف القاطع، بالإرهابي في زمن أصبح فيه اتهام الإنسان العربي بالإرهاب على الباب..!
أنا الفرد الفقير إلى الله في هذا المجتمع، أعترف أني متأخر جدا حتى من الوجهة الثقافية؛ لا نلوك من الأفكار إلا ما أنتجته عقول غيرنا، بل إننا لا نلبس في أفخر الحياكات إلا ماركات عالمية في انتظار أن نثقب أول إبرة تستر عُرينا؛ ثقافتي على قدْرِ كتابي الذي يبقى حبيساً في توزيعه بين الرباط والدار البيضاء..!
أنا متأخر جدا حتى في سياستي مع الناس؛ لا لشيء إلا لأن هموم الحياة بكل شظفها، شغلتني عن الناس، فأكون دائما آخر المُعزّين في الأتراح، وآخر المُهنِّئين في الأفراح؛ لذلك لا ينصحني أحد بالترشح للانتخابات؛ أما سياستي مع الأصدقاء في بلدان العالم التي أصبحت مُجاورة بفضل هاتف موصول بالأنترنيت في جيبي، فلا أعيرها قلقاً، يكفي أن أبصم ولو متأخراِ "أنا أحب" بالفايسبوك، ليصبح العالم أزرق في عَيْنَيَّ؛ وهو أزرق فعلا باللون الذي يجعلني لا أرى أو أفهم شيئاً..!
أعترف أني متأخر جداً، لكن ذاكرتي تزخر بأزمنة متقدمة في وَصْلِهَا الأندلسي، مما يزيد في تعاستي، فلا أعرف هل أنا ابن زمن تليد لا أسترده من الماضي، أم ابن زمني الحاضر الذي أتركه يعيشني بقناع استعماري جديد إلى آخر رمق في منابع ثرواتي، دون أن ينعم مجتمعي يوماِ ببحبوحة حياة ..!
أكرر دون حاجة لاعتراف قد يزيفه شهود لا يأمن مجلسهم حتى القرود فبالأحرى عقل الإنسان؛ أنا متأخر، وإذا لم تصدق أني متأخر جدا، فانتظرني.. !

(افتتاحية ملحق "العلم الثقافي"، الخميس 22 يناير 2015)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى