محمد بشكار - تعالوا نتبع هذا الأزرق..!

حين نجْمَحُ خيالا وليس نِعَالا فقط، في قراءة الديوان الجديد للشاعر المغربي محمد بنيس، والذي جعله مطلعاً شعرياً للسنة الجديدة (2015)، فكأننا بهذه القراءة الجامحة نمشي على سماء في طقس إشراقي صحو؛ الأزرق إذاً جسر لا يكتفي بالسماء سقفاً، بل يتجاوزها بالتخييل الذي يستحضر بعيار جاذبيته، الشخصي والشعري في حياة محمد بنيس، لتمتزج في تجربة الأزرق، كل الألوان؛ لا مِراء أن كل مرحلة في حياة الإنسان طُرّاً والشاعر تحديداً باعتباره كائناً بأكثر من خمس حواس، تكتنف لونا ليس في حقيقة مَيْسَمِهِ إلا سيرة حياة تتخذ في كل ردح زمني، معنى بصيغة التسجيل التاريخي في الديوان الشخصي للشاعر؛ أجل.. قد تصطبغ الحياة بكل الألوان؛ الرمادي، الأبيض، الأسود، البني، الأحمر، البنفسجي.. إلخ؛ ولكن ما الذي يجعل كل هذه الألوان في السيرة الشعرية لمحمد بنيس، تنتهي إلى أزرق؛ هذا اللون الذي مهما لبست إهابه موجودات الكون؛ من البشر إلى الحجر، ومن الزهر حتى البحر؛ تبقى لا تصنع شيئاً أو فيئاً، سوى أنها تحاكي السماء؛ لقد اختبر الشاعر محمد بنيس فعلا، تجربة أقرب من السماء، حين خضع أخيراً، لعملية جراحية دقيقة بفرنسا، فرأى الأزرق رَأْيَ القلب والعينُ شاخصة في اللانهائي؛ ولا يمكن القول بعد نجاحها والحمد لله، إلا أنه عاد عبر جسر الأزرق الممتد من السماء إلى الأرض ولو كان موتاً، إلى حياة تدفقت ينابيعها سطوراً لا ينضب شعرها في هذا الديوان؛ ديوان «هذا الأزرق» الذي أورقت شجرته في دار توبقال بالدار البيضاء (2015)؛ يحكي بأزرقه الذي كان لون الموت وتحول إلى حياة مضاعفة بقدرة الإبداع الذي كلما استمد رحيقه من التجربة الحرّى والصادقة للشاعر، إلا ويقترب أعمق من أفئدة الناس؛ إنها تجربة الموت التي صارت أزرقاً بقصائد تضج بعنفوان الحياة، وتُطرزها بين القصيدة والأخرى، مرْويّات نثرية تجعل النّفَس الشعري لا ينقطع في رئاتنا، كي نقف لتأمل ما قاله اللغويون مثلا في معاجمهم المكتوبة على لُبَدِ من صوف، عن الأزرق؛ فهل حقاً الأزرق هو الشديد العداوة، ربما يصح هذا التفسير ولا يكون من الأحلام، إذا اعتورت الأعين زرقة وارتد البصر في حجابه حسيراً أعمى؟!

1758079568918.png

أما الشاعر محمد بنيس الذي داهمه الأزرق في غرفته بالمصحة، فقد رسمه في الإزار الأبيض العابق بروائح الدواء، توْشيةً شعرية، ليس على زليج يزيد القبر صقيعاً، بل على أجنحة لا تريد سوى الحياة أفقاً وتحليقاً؛ فهو الذي قال في قصيدة «نشيد»:
لي هذا الأزرق من داخل نفسي
يذهب نحو الشطآنِ
يصيحْ
يتنفّس أعمقَ ما بيْنَ الكلماتِ
فلاةً
يقْطعُهَا الرّاحلُ
لا أرض لهُ غَيْرُ المَجْهُولْ
وطَني
أوْ هذا الأزرقْ
كيف أميّزُ بَيْنهُمَا
تحْت الأزرقِ تنْمُو
ريحٌ
أحدٌ يضْحكُ في قمَّتها
يَدُهُ تخْرجُ بيْضاءَ
علَى
أدْراج النّشْوةِ
تكْتُب
خُذْ
هَذَا الأزرقَ
واتْبعْني (ص 19-18)
هو خيط أرقّ مما يتسرب عبر عين الإبرة؛ هذا الأزرق، قد يكون سطراً شعرياً نقرأه في صمت كي نستشعر نشيداً يتحدث أعمق في دواخلنا، لكأنا نُكَلِّمُ أنفسنا؛ خيط أزرق في هذا الديوان يغتزله الشاعر محمد بنيس بما أوتي من مكابدة في تجربة الألم، ليس لرَتْقِ الكفن، إنما لنسج حياة أجمل بإشراق الشعر الذي لا يحده تخييل أو تأويل؛ تعالوا إذاً نتبع بكل ألواننا هذا الأزرق..!

(افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" ليوم الخميس 15 يناير 2015)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى