محمد بشكار - يومان من الحلم الثقافي في طنجة..!

كل شيء يبدأ بالمرجعية الأساسية وليس السريرية للحلم ولو بمستوى أعلى من المخدَّة أو ما يمكن أن نسميه حلم اليقظة؛ ألم يكن القمر حبيس حلم وصلته الأقلام بأجمل القصائد غَزَلا، ثم وطأته الأقدام مع تطور هذا الحلم إلى علم، وصارت لجغرافياه خريطة لم يبق إلا أن ندسها في الجيوب لنبدأ على أديمه الكوكبي السفر؛ ونحن نحج إلى المناظرة الثقافية (9 - 10 يناير 2015) بطنجة لاستشراف قمرنا الذي نريد أن نطأه أقداماً وليس أقلاما فقط، لا نَدَّعي أننا رواد فضاء، لأن ما نريده لمصلحة ثقافتنا في المغرب، رمزياً واعتباريا وماديا، ما زال في طور الأحلام التي تسبح كواكبها أبعد من كل قمر؛ أجل لسنا رواد فضاء محمولين بصواريخ نفَّاثة عابرة لمجرّات العقول الأحوج لِما ينتابها من حجر، إلى أكثر من زلزال كي تلين وتفهم حاجاتنا الثقافية؛ نحن مجرَّد سُرَّادٍ يكتبون الرواية والقصة والنقد، ولنُضِف إلى كل هذا الأدب، فنون التشكيل والسينما والمسرح والموسيقى؛ نحن بكل هذا الأدب والفنون، شعراءٌ صناع الحلم الذي بعلْمِه المستقبلي، حوَّلنا القمر إلى أرض أخرى للحياة، لا يصلها بالطاقة المعرفية للتفكير، إلا القلم..!

1758080255552.png


يومان إذاً من الحلم في طنجة؛ الحلم بمغرب ثقافي لا نريد أن نستقيظ من مناظرته مهما كانت وثيرة بالملفات العالقة على مشجب أكثر من سؤال، ونحن نمسك بوسائدنا فقط، كي نعود في أقرب تثاؤب إلى نوم أعمق؛ بل نحتاج إلى أجرأة واقعية لكل الأحلام التي دبجتها اللجن في تقاريرها، لتتخذ مجراها نحو التحقق كأي مشروع يخرج لحيز التنفيذ بعد مناقشته والمصادقة على بنوده في البرلمان مثلا؛ وليس يبقى عالقاً في بطاقات الأماني التي نجامل أنفسنا بورودها الآيلة حتماً إلى ذبول في اليوم الذي يلي رأس السنة؛ لنصبح جميعاً من بَعْدِ رأسٍ رِجْلاً ؛ تُرى هل يصير قُمرُنا أرضاً، بعد أن ننفَضَّ من هذه المناظرة متأبطين وصايا إلى من يهمهم أو لا يهمهم أمر الثقافة في المغرب؛ أم أن الطريقة التي نُدَبِّر بمنهجيتها، ملفات أحلامنا، تُملي علينا أن نبقى متأخرين عن المنزلة الإعتبارية التي يعيشها بارتياح إبداعي، كل مثقف في دول حضارية؛ بل تُملي على أحلامنا أن تزيد غوصاً في وسائدها، عسى القمر ينزل وحده، دون حاجة لرائد أو حتى فضاء؛ اللهم رزمة أوراق وحزمة أقلام وما توفّر من الشعراء الذين ما فتئوا للأسف ينقرضون بعد أن طال بهم الغَزَلُ، وكاد يتحوَّل إلى مرثية في مغرب لا يولي لثقافته من ميزانية الدولة، إلا أهزل النِّسب لولا تلك الفاصلة التي أنقذت الصِّفر أن يبقى لوحده صفراً؛ عسى أن تجد هذه المناظرة صيغة إجرائية، تضع التوصيات في الموقع الصحيح الذي يهبها بالتفعيل القانوني والسياسي، حياة ملموسة في الوسط الثقافي ، ولا تنتهي هذه التوصيات إلى مجرد وصايا موتى لا يصل خطابها مهما كان وازناً ومعقولا، حتى لأهل القبور..!

(مقال منشور في الصفحة الأولى لجريدة "العلم" يومه الجمعة 9 يناير 2015)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى