محمد بشكار - رقم آخر فقط..!

أنُوءُ في كل عام بعام جديد، ولأني لا أستطيع قَلْباً للْهَرَمِ بضربة تخييل تجعلني أدَّعي واقعاً ليس واقعيا، سأبقى لصيقاًً بجلدي منتميا لسواد أعظم يرسم لونه المغاربة، الذين لا يزيدهم العام الجديد شيئا في الحياة ، سوى أن رقما آخر ينضاف إلى تاريخ ميلادي، وليس إلى أرصدة تصنع الأصفار من سيول عرقنا، لتصب في أبناك خارج البلاد..!

لست عدميّاً، ولا أترك مجالا لشارب نيتشه الكث، أن يندلع في وجهي حتى يصير حجابا على عيْنيَّ، إنما لا ضير أن أرتَدَّ ببصري إلى داخلي، لأرى واقعي أوضح من المسافة النفسية المأزومة لكل الناس في أسفل الهرم، فأكره وأمُجُّ أن أسبق الذباب إلى حلوى عيد تُزيِّفُ مرارة أعوامنا؛ أكره أن أذَوِّبَ عقلي كالزبدة فوق حرارة لحظة سرعان ما تبرُدُ في رتابة توالي الأيام، التي لا تتقن إلا أن تلتئم روزنامةً باثني عشرة شهراً في لمح البصر؛ دار العام ولن أذوِّب عقلي الذي أصبح يضاهي الصخر بطبقاته غير الجيولوجية، بكأس من الشمبانيا أو أي أداة سُكر تفصلني عن نفسي، لأولد مع العام الجديد من رحم واحد وبذاكرة تبدأ تاريخها الشخصي من صفحة بيضاء؛ أجل عام جديد لن يزيد إلا رقماً آخر بتاريخ ميلادنا، ولن يُجدي أن ننفق كل العمر من أجل لحظة للنسيان؛ نتقدم في السن فنميل كتِفاً بأعباء الحياة التي تجعل هرَم المجتمع في أسفله المسحوق أكثر هَرَماً ولو كنا أكثر الشعوب شباباً، وتجعل القمة تفقد وعيها في رغوة السحاب، ونشيخ وئيداً لنتقدم أسرع إلى القبر؛ ولكن مجتمعنا يبقى في مكانه حتى لو ركبنا من أجل لحظة نسيان في رأس السنة، صاروخاً نفاثاً من الحشيش الذي يُطيِّر الرؤوس ولا يدوّخُها فقط؛ نتقدم بِنِسَبٍ فادحة في الفقر والفساد والرشوة والأمية والبطالة، ولا نخجل أن نُزيِّن لأعيننا السراب..!


1758080328371.png

كل عام يأتي لا يحتاج إلى النظر في المرآة، لندرك أنه يشبه الذي سبقه وشَطَبْنَاه بالماء والمكنسة إلى قعر البحر، لولا بعض التعديلات التي تطرأ على حلوى العيد من حيث القشدة بدون مضمون أو سُكَّر؛ ولو شملت هذه الاجتهادات الدستور كما الحلوى في كل رأس سنة، لنزلت بنوده سارية المفعول إلى مائدة المجتمع، وتذوق حلاوته الناس جميعاً هنيئاً مريئا؛ أجل نتقدم في الحلم كل عام، ويطول السرير بنومنا حتى يصير قطاراً للحياة التي أطربنا بغنائها لدرجة البكاء الفنان الرخيم عبد الهادي بلخياط؛ ومع ذلك، لن تمنعني الرومانسية المريضة، من الحلم بقدوم عام يشهد يقظتنا؛ لأقول؛ كل عام وأنتم تشتغلون على مغرب أجمل..!

(افتتاحية ملحق"العلم الثقافي" ليومه الخميس 1 يناير 2015)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى