محمد بشكار - متى نُبْعث من كتاب..؟

هل يكفي ما ينتجه المثقف المغربي في مختلف التعبيرات الفكرية والإبداعية، حِصناً منيعا يقيه ليس صروف الزمان الذي لم يصنع شيئا سوى أنه مازال يدور بعقارب حبيسة الساعة في انتظار الساعة، إنما يقيه عوادي الوضع الاجتماعي الذي لا يعتبر المثقف موجودا إلا بشيء مكتوب في الأوراق يُباع في الأسواق وقابل للاستهلاك، كأي منتوج غذائي ينتهي برمي علبته في المهملات حفاظا على نظافة البيئة..!

1758080625685.png


حتى أوجز كل صُداع الرأس، بكلمة في حجم الأسبرين، أريد فقط السؤال؛ ماذا بعد أن تكون مثقفاً تشهد له جميع الأفكار بِكبر الرأس..؟
ما فتئت صروف وعوادي المجتمع، تكشف صارخا، عند كل موت يحيق بأحد المثقفين أو الفنانين في بلدنا، أنه لولا القيمة الرمزية التي تتبع جنازة الفقيد بجمهور غفير يملأ الأعين قبل الآفاق، يبقى هذا الرمز الذي تفخر بوجوده المحفوف دائما بالقلق كل البلدان المتقدمة، لا يملك عندنا من حطام الدنيا، إلا بضعة كتب تصلح إرثاً دَسماً لتسمين الجرذان في الرفوف، رغم ما تكتسيه من رأسمال رمزي تتداوله العقول مدى التاريخ والمستقبل أيضا؛ حقا إن الموت لا يخجل أن يُعري حتى اللحم من العظام، ليكشف عن سَقم المجتمع في توفير عيش كريم لصُناع الذاكرة الثقافية والجمالية، التي تسبقنا للتعبير بليغا عن هويتنا، أينما حللنا في العالم، دونما حاجة لإشهار جواز سفر؛ أليس بعد كل الأدوار الطلائعية التي يمثلها المثقف المغربي طواعية ودون قناع، على الأرضية الخشبية لمسرح المجتمع الذي يُسدل في وجهه ستار النكران؛ أليس هذا المثقف الذي ذاب ضميره حباً وليس حبراً فقط في الوطن، جديرا بتمثيلية سياسية بكرسي لا يعتريه عرج في البرلمان؛ الكرسي مفيد في زمننا، إذا لم يزد في القامة يُقرِّب آخر الشهر في المقاهي، أما إذا استطعت القفز من كرسي لآخر، فقد ضمنت الولوج لقائمة ذوي السيقان الطويلة التي تسبق الجَزَرة ولو كانت في عصا؛ لكن السواد الأعظم لمثقفينا لا يتقنون لعبة الكرسي إلا جلوساً من أجل الكتابة فكأنهم طيور على الأغصان؛ أجل يحتاج المثقف المغربي المغبون في كل حقوقه تأليفاً وتفكيراً، إلى كرسي ينطق بصوته عالياً وليس يطرطق عظامه سحقاً تحت أرجل كرسي آخر، لا يعرف إلا الوصول ولو على الأكتاف؛ نريد كرسياً ثقافياً يمثلنا سياسياً في بلدنا، ويعيد للمثقف وجوده الرمزي والمادي أيضاً، عساه يُبعث من كتاب..!

* (افتتاحية ملحق"العلم الثقافي" ليومه الخميس 25 دجنبر 2014)
.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى