هل يُعقل بعد سفر مدى العمر مع الكتابة، بكيلومترات لا تُحصى من الأسطر، التي لو مشيناها أقداماً وليس أقلاماَ حبيسة جغرافيا الورق، لطُفْنَا العالم واكتشفنا عالماً آخر؛ أيُعقل أن تنبري هذه الكتابة ساخرة من كاتبها، بعد عِشْرة لا تليق إلا بنُدامى الحبر، لتقول بأنياب تقطر سُماً؛ لم تصنع شيئا بكل ما دبّجته عن اختلاجات الذات وشظاياها، أو قضايا الناس والمجتمع، سوى أنك نُبْت دون أن تطأ برلماناً يوماً، عن بعض المسؤولين البرمائيين الذين لا يتفَصَّد جبينهم بقطرة خجل، فكتبت أسفاً؛ أجل لم تكتب في كل ما كتبت إلا أسفاً؛ هم يقترفون الفساد في حق المجتمع بكل ما أوتوا من أيادي النهب الطُّولى، وأنت تكتب ما لا يجد له الناس لساناً بليغاً للتعبير سوى ألسنة نيران مضطرمة في الصدور، تذرو أنفاس الأسى رمادها مع الأيام؛ لتوقن في آخر كل مقال أنك لم تكتب شيئاَ إلا أسفاً..!
معلوم أن لكلمة آسف، وقعها الموسيقي الذي يجعل متلقيها يلين إلا إذا كان يحمل بدل القلب صخرا، كذلك الشأن بالنسبة لكل كتابة، سواء كانت أدباً أو إعلاماً؛ إذا كانت تنطق بما يعتري الأنفس من عذابات تحتاج للسان يحررها من خرسها، فإن هذه الكتابة تصبح بذات الخَذَر الموسيقي الذي لكلمة آسف، تسري في الأوصال وتُبَرِّدُ الماء في الركبتين وتُثلج الصدر ولو كان فرناً؛ أليس كل ما نكتب إذاً مجرد أسفٍ لم أسمع يوماً مسؤولا مغربياً في أحد أجهزة الدولة، ينطقها من موقع الجهاز الذي يرأسه، بعد أن تسبَّب في خسائر في الأرواح أو العمران، فبالأحرى أن يُلوِّح باستقالته خجلا واعتذاراً؛ وما ذلك إلا لأن هذا المسؤول مَجَازاً، يعلم أنه مازال يُضمر في جهازه، مشاريع كفيلة بأن تُجهز علينا جميعاً؛ وينطبق على هذا الصنف من البشر، ما نتداوله في دَارجِنَا المغربي بوصف: الجبهة..!
وهي جبهة، لمن أراد توصيفاِ أبلغ دون حاجة لتحليل حمضي، ليست من الصنف الآدمي، إنما هي مُقدمة دبابة خالية من شعور أو ضفائر، تستطيع عبور الحديد، المهم أن تصل إلى المال العام ولو في أفقر الجيوب..!
لا أريد لما أكتبه أن يكتسي مفعول الأسف في الأفئدة، وأن يبعث في قرارتها السكينة المسكينة والطمأنينة المريضة بالتثاؤب حتى إشعار أو نوم آخر؛ فأنا حين أكتب لا أتأسف عِوضاً عن أحد، بل أعبر ولو بطريقة الأدب عن واقع أحوج إلى من يأخذ ما نكتبه على مَحْمَل التغيير، وليس يحمله على نعش يُفضي إلى المقبرة الكبرى لأرشيف النسيان؛ أنا لا آسَفُ إلا حين يصبح كل ما نكتُبُ أسفاً..!
* (افتتاحية ملحق"العلم الثقافي" ليومه الخميس 18 دجنبر 2014)
معلوم أن لكلمة آسف، وقعها الموسيقي الذي يجعل متلقيها يلين إلا إذا كان يحمل بدل القلب صخرا، كذلك الشأن بالنسبة لكل كتابة، سواء كانت أدباً أو إعلاماً؛ إذا كانت تنطق بما يعتري الأنفس من عذابات تحتاج للسان يحررها من خرسها، فإن هذه الكتابة تصبح بذات الخَذَر الموسيقي الذي لكلمة آسف، تسري في الأوصال وتُبَرِّدُ الماء في الركبتين وتُثلج الصدر ولو كان فرناً؛ أليس كل ما نكتب إذاً مجرد أسفٍ لم أسمع يوماً مسؤولا مغربياً في أحد أجهزة الدولة، ينطقها من موقع الجهاز الذي يرأسه، بعد أن تسبَّب في خسائر في الأرواح أو العمران، فبالأحرى أن يُلوِّح باستقالته خجلا واعتذاراً؛ وما ذلك إلا لأن هذا المسؤول مَجَازاً، يعلم أنه مازال يُضمر في جهازه، مشاريع كفيلة بأن تُجهز علينا جميعاً؛ وينطبق على هذا الصنف من البشر، ما نتداوله في دَارجِنَا المغربي بوصف: الجبهة..!
وهي جبهة، لمن أراد توصيفاِ أبلغ دون حاجة لتحليل حمضي، ليست من الصنف الآدمي، إنما هي مُقدمة دبابة خالية من شعور أو ضفائر، تستطيع عبور الحديد، المهم أن تصل إلى المال العام ولو في أفقر الجيوب..!
لا أريد لما أكتبه أن يكتسي مفعول الأسف في الأفئدة، وأن يبعث في قرارتها السكينة المسكينة والطمأنينة المريضة بالتثاؤب حتى إشعار أو نوم آخر؛ فأنا حين أكتب لا أتأسف عِوضاً عن أحد، بل أعبر ولو بطريقة الأدب عن واقع أحوج إلى من يأخذ ما نكتبه على مَحْمَل التغيير، وليس يحمله على نعش يُفضي إلى المقبرة الكبرى لأرشيف النسيان؛ أنا لا آسَفُ إلا حين يصبح كل ما نكتُبُ أسفاً..!
* (افتتاحية ملحق"العلم الثقافي" ليومه الخميس 18 دجنبر 2014)