محمد بشكار - حتى لا يتحول رأس السنة أرْجُلاً ترفسنا..!

بِدُنو رأس السنة (2015) الذي لايعرف في بلدنا، إلا دخولا برأس ينطح ويجرح، يُعجبك الاستنفار الذي تثير نقيع غباره بعض المؤسسات المدعوة ثقافية أو سياسية أو حتى اقتصادية، ويكمن هذا الاستنفار في لعبها الذي ما عاد ينطلي على العقول ولو كانت في جماجم فيول، حيث تشرع في التلويح بِجَرْدِهَا السنوي المغشوش الأرقام، فتذكر كل فَلْسٍ خرجَ لتمويل أحد المنجزات العظيمة على حساب إفلاسنا، غافلة عن ذكر الفلس الذي دخل كنتيجة أدرَّت ربحه هذه المنجزات، دون أن نعرف لسيولته مجرى سوى الجيوب ما ظهر منها وما بَطَنْ..!

1758182726615.png


لقد فكَّرت حقّاً في هدية رأس السنة التي يمكن أن أهبها لقبائل مؤسسات مجتمعنا المغربي، الساهرة حَدَّ الإصابة بالرَّمَدِ في العيون، على شؤون الناس المطمئنين إلى أحلام ترعى أصفاراً في وسائد وثيرة؛ فكَّرت لهذه المؤسسات في هدية تليق بالدقيقة الأخيرة الفاصلة بين ليلة العام الماضي وإطلالة السنة الجديدة التي سموها عنوة رأساً، ربما لأننا مجتمع يولي العقل أهمية زائدة عن التفكير؛ أجل فكرت في هدية لمؤسساتنا المشغولة عنا بقضاء مصالحها، فلم أجد أجمل من مرآة صقيلة، لا أحسب تعبيراً يُعَادِل معناها رمزيا، أبلغ من «النقد الذاتي»؛ وهي المرآة التي من فرط كياستها وسياستها، تخجل أن تُبدي للمرأة تجاعيدها كلما كبرت في السن وترهلت خيمةٌ في جسدها؛ لنقُل ثمة مؤسسات في بلدنا تشبه هذه المرأة التي شاخت وتغضنت وأحوج إلى نقد ذاتي، لتعيد ترتيب عُمْرها وأوراقها في كل جرْدٍ سنوي؛ لقد تغيرت أساليب العمل عالميا، وفاض جيل جديد من الأفكار الحداثية على عقلية سحيقة أصبحت تجاعيدها بعمق بادٍ حتى للعميان،ولاتنفع لردمها كل المساحيق ولو كانت تُراباً؛ نحتاج إلى تحديث حقيقي في كل قطاعات الدولة بعناصر أو أفراد يتوفرون على الضمير والكفاءة المهنية وحس المواطنة، ويتقون الله في الناس، وليسوا ممن تشابهت عليهم السنوات في كل جَرْدٍ حتى أصبحت بقرا يعرف طريقه جيداً وسلْساً الى مذبحة الأرصدة الشخصية؛ نريد للمؤسسات التي تشكل المنظومة الحضارية في بلدنا كما شأن البلدان الديمقراطية في العالم، أن ترقى في كل رأس إلى مستوى الجرد الصريح الذي يتحلَّى بثقافة الكشف عن مواطن الشطط والخلل في الاستعمالات المالية، وأين هُدِرَ غصْبا في غمرة السيول عَرَقُ المواطن؛ نريد جردا شديد المحاسبة التي قد تنتهي بتشريح ينظف الحيتان الكبرى، ولا نريد قردا يضحك على من يشتريه؛ لعمري هذه هي ثقافة حقوق الإنسان التي ستجعلنا فخورين بأنفسنا كمواطنين حقيقيين في كل السنوات، وتجعل عامنا الجديد رأسا وليس أَرْجُلاً ستبقى ترفسنا في كل عام..!

* (افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" لليوم الخميس 11 دجنبر 2014)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى