خالد صالح عطية - غزة… مرآة العالم المكسور

غزة… ليست مجرد مدينة على خارطة، وليست مجرد حروب أو حصار أو صواريخ. غزة هي التاريخ نفسه، المشي على ركام الماضي والحاضر، ذاكرة الحاضر الذي لم يتوقف عن حمل جراحه، وذاكرة المستقبل التي لم يُسمح لها أن تُولد بحرية. هنا تختلط الحياة بالموت، والذاكرة بالدموع، والطفولة بالفرار من الحياة نفسها. كل زاوية في هذه المدينة تقول شيئًا عن وجعٍ تراكم لسنوات، وكل شارع فيها يروي قصة مقاومة، لا بمعنى السلاح وحده، بل بمعنى الصمود أمام كل محاولات النسيان والطمس والإرهاب.
في غزة، يعرف الإنسان معنى الاختناق ليس فقط من الهواء المحترق، بل من الفراغ الذي تركه العالم حولها. العدو لم يكن فقط الإسرائيلي، بل الجهل، والخذلان، والصمت، أحيانًا من الأقرباء، أحيانًا من الذين يرفعون شعارات العدالة في العواصم البعيدة ولا يجرؤون على الوقوف عند حدود الواقع. هنا يولد الألم من الفقدان المبكر، ومن انتظار الخلاص الذي يبدو مستحيلًا، ومن صرخة كل طفل لم يجد كسرة خبز، وكل أم تحمل خوفها كحزام واقٍ على صدرها، وكل أب يدفن أبنائه ويفكر كيف تستمر الحياة بعد أن تنهار المدن والذاكرة معًا.
غزة ليست فقط جغرافيا، بل هي تجربة وجودية. هي الاختبار الذي يضع الإنسانية في مرآتها: هل نستطيع أن نرى الألم ونعترف به؟ هل يمكن لأي نظام عالمي أن يظل حيًا دون أن يواجه مسؤولية صمته؟ الفيتو الأميركي المتكرر، التخاذل الأوروبي، الصمت الدولي، كلها ليست مجرد أحداث سياسية، بل إشارات على خلل عميق في العدالة العالمية، على أن القوة وحدها تُشرّع ما لا يمكن للحق أن يشرّعه، وعلى أن غزة أصبحت، رغم كل الحصار والتدمير، مرآة القيم الإنسانية، الباقية رغم كل شيء.
كل بيت مدمّر، وكل شارع مقطّع، وكل سوق غطته الأنقاض، ليس مجرد خراب، بل شهادة على إرادة الناس على الحياة. غزة تحيا رغم كل شيء، في كل ضحكة طفلة، في كل صفعة رياح البحر على شاطئها، في كل محاولة رجل أن يقف على قدميه رغم فقدانه كل شيء. لكنها في الوقت نفسه صرخة: كيف يمكن لعالم يرى كل هذا أن يظل صامتًا؟ كيف نبرر الصمت أمام دموع الأطفال، أمام الجوع الذي أصبح أداة حرب، أمام اليتم الذي صار إرثًا؟
غزة، يا وجعنا، يا حزننا… ليست مجرد اسم، بل مرجع للأخطاء التاريخية، للخيانات المسمومة، وللعجز البشري الذي يصر على استدعاء الموت بدل حماية الحياة. لكن غزة أيضًا، رغم كل الخراب، تعلمنا العزّة؛ أنها تستمر، أنها تعيش، أنها تشهد على أن الإنسانية لم تُفقد بعد بالكامل، وأن قيم الحياة والكرامة تتشبث بالأحياء حتى في أحلك الظروف.
غزة… في كل دمعة فيها نرى وجعنا، وفي كل صمود نرى ما يمكن أن يكون للعالم إذا قرر أن يرى ويعمل. هنا، في هذه المدينة الصغيرة، تكمن المرآة التي يمكن أن يقرأ فيها كل إنسان حقيقة القوة، العدالة، والحق، بعيدًا عن السياسة والفيتو والصمت الدولي. غزة ليست فقط مأساة، بل اختبار مستمر للضمير البشري، ولقدرتنا على رؤية العالم كما هو، دون تزويق، دون قناع، دون انكار.


بقلم ( خالد صالح عطية )
١٩-٠٩-٢٠٢٥

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى