مثلما نُوظِّفُ الدلو لمقاربة الماء ارتواءً من بعض الظمأ، كذلك نجدنا مرغمين على توظيف السؤال الذي صار يعيش في زمننا الثقافي المغربي، حالة فطام قصوى، بعد أن أصبح مجرد الإدلاء بأي سؤال في بعض شؤوننا الثقافية التي تخص عقل المواطن المغربي، يعتبر خرقاً سافراً للخصوصيات التي لا ينقصها إلا العطر لتغدو غراماً، وزعزعةً لمراكز وثيرة تغدق على صاحبها النِّعم والحشم..!
أما السؤال،
الذي لا يطرحه البعض إلا حين يكون الطقس كُسوفاً، بينما يحتاج لأكثر من شمس وضوح، حتى نتوصل لمقاربة يروي دلوها ظمأ الجميع؛ فما هو الدور المنوط بالمؤسسات الثقافية المغربية، خصوصاً تلكم التي راكمت عمراً عريقاً يناهز تاريخ المغرب الحديث؛ بدءاً من اتحاد كتاب المغرب ثم في ما بعد بيت الشعر، اللذين انبثقا من رحم الامتخاضات الثقافية والسياسية للمجتمع وليس الدولة، مرورا ببعض الائتلافات والروابط حديثة العهد، وحتى النقابات التشكيلية والفنية..؟
وماذا نريد تحديداً من هذه المؤسسات الثقافية الأجدر أن تلعب بمسؤولية وضمير، دور سد الفراغ الذي تتسرب منه كل المؤثرات الايديولوجية المتطرفة الكفيلة في زمننا الأغبر، بتسميم العقل الإنساني ولو كان سقراطاً..؟
وهل المال حقا الذي لا يُصرف على الثقافة، سبب كل هذه الهشاشة التي أصابت الرؤوس في العظام..؟
قد لا يسعُ هذا المقام لتحليل ظاهرة المؤسسة الثقافية بالمغرب، لأن العملية قد تحتاج لتفجير الغزير من الجراح، وإعادة تخييطها بألف غُرْزة دون أن تُمنى بالتئام، ولكن لو سرقنا السطر بضربة قلم، يمكن الجزم أنه لا يعوزنا سوى قليل من نكران الذات في هذه المؤسسات لتعم الجميعُ الثقافة، حتى لا أقول الخير لأنها ليست ريعاً؛ وأعني بهذا الجميع بالأساس، كل الأعضاء وليس الأعداء في هذه المؤسسات الثقافية، حاملي البطائق من دون فائدة تذكر أو تُنشر، وهم منبع الإنتاج الثقافي المغربي، من روائيين ومفكرين وشعراء ومترجمين ونقاد وقصاصين وتشكيليين وسينمائيين؛ أجل هم المنبع الذي لن يعرف نضوبا ما دام موصول الجذور والتاريخ بالنبوغ المغربي، لكن نحتاج لمن يحفز هذا المنبع على مزيد من التدفق والإبداع، وليس لمن يقف حجرة قد لا تصد السيل، ولكنها تستطيع أن تكسر مساره لينحرف بالتفكير إلى وجهة لا يمكن وصفها إلا اغترابا..!
لا نريد للثقافة أن تنحصر في مجرد بروتوكول سطحي يُوَقَّعُ على أوراق تبقى رهينة المهبات السياسية أو مزاج يحتاج إلى قهوة؛ أين من كل هذه الأحابيل التي لم تعد تنطلي بأصباغها على حائط، هذا الكاتب الذي تغذت بعرق حبره العقول؛ هل يُدفن مع كتابه في أقرب رُفِّ، ليعم موته الثقافي كل البلاد..؟
لا يريد شيئا من هذه المؤسسات الثقافية، سوى أن تحتضن كتابه بالتوقيع والتشجيع حين يصدر، أن ترشحه دون إحساس بضائقة في النفس أو التنفس، لإحدى الجوائز العربية أو الدولية، أو لأحد اللقاءات الثقافية في البلد أو الخارج، حتى يشعر أن لما ينتجه من إبداع، امتدادا إنسانيا في الحياة، وأن الفكرة التي اندلقت من نفسه المكتوية كالجمر، لتضيء بالمعرفة الناس، لن تنطفئ بأيد تضع أصابعها الطويلة في الماء وحتى الجيوب لتأكلها باردة..!
ذلكم أعلى سقف أحلام يطالب به المثقف المغربي؛ دون حاجة لتبيين أو بيان؛ لا يريد شيئا، سوى أن يرى نفسه موجودا في أعين الآخرين، ومَوْضِعَ مسؤولية من لدن مؤسسات لا ترى سوى نفسها..!
قليلا من نكران الذات لتعم الثقافة الجميع..!
(افتتاحية ملحق "العلم الثقافي"، الخميس 2014/9/18)
أما السؤال،
الذي لا يطرحه البعض إلا حين يكون الطقس كُسوفاً، بينما يحتاج لأكثر من شمس وضوح، حتى نتوصل لمقاربة يروي دلوها ظمأ الجميع؛ فما هو الدور المنوط بالمؤسسات الثقافية المغربية، خصوصاً تلكم التي راكمت عمراً عريقاً يناهز تاريخ المغرب الحديث؛ بدءاً من اتحاد كتاب المغرب ثم في ما بعد بيت الشعر، اللذين انبثقا من رحم الامتخاضات الثقافية والسياسية للمجتمع وليس الدولة، مرورا ببعض الائتلافات والروابط حديثة العهد، وحتى النقابات التشكيلية والفنية..؟
وماذا نريد تحديداً من هذه المؤسسات الثقافية الأجدر أن تلعب بمسؤولية وضمير، دور سد الفراغ الذي تتسرب منه كل المؤثرات الايديولوجية المتطرفة الكفيلة في زمننا الأغبر، بتسميم العقل الإنساني ولو كان سقراطاً..؟
وهل المال حقا الذي لا يُصرف على الثقافة، سبب كل هذه الهشاشة التي أصابت الرؤوس في العظام..؟
قد لا يسعُ هذا المقام لتحليل ظاهرة المؤسسة الثقافية بالمغرب، لأن العملية قد تحتاج لتفجير الغزير من الجراح، وإعادة تخييطها بألف غُرْزة دون أن تُمنى بالتئام، ولكن لو سرقنا السطر بضربة قلم، يمكن الجزم أنه لا يعوزنا سوى قليل من نكران الذات في هذه المؤسسات لتعم الجميعُ الثقافة، حتى لا أقول الخير لأنها ليست ريعاً؛ وأعني بهذا الجميع بالأساس، كل الأعضاء وليس الأعداء في هذه المؤسسات الثقافية، حاملي البطائق من دون فائدة تذكر أو تُنشر، وهم منبع الإنتاج الثقافي المغربي، من روائيين ومفكرين وشعراء ومترجمين ونقاد وقصاصين وتشكيليين وسينمائيين؛ أجل هم المنبع الذي لن يعرف نضوبا ما دام موصول الجذور والتاريخ بالنبوغ المغربي، لكن نحتاج لمن يحفز هذا المنبع على مزيد من التدفق والإبداع، وليس لمن يقف حجرة قد لا تصد السيل، ولكنها تستطيع أن تكسر مساره لينحرف بالتفكير إلى وجهة لا يمكن وصفها إلا اغترابا..!
لا نريد للثقافة أن تنحصر في مجرد بروتوكول سطحي يُوَقَّعُ على أوراق تبقى رهينة المهبات السياسية أو مزاج يحتاج إلى قهوة؛ أين من كل هذه الأحابيل التي لم تعد تنطلي بأصباغها على حائط، هذا الكاتب الذي تغذت بعرق حبره العقول؛ هل يُدفن مع كتابه في أقرب رُفِّ، ليعم موته الثقافي كل البلاد..؟
لا يريد شيئا من هذه المؤسسات الثقافية، سوى أن تحتضن كتابه بالتوقيع والتشجيع حين يصدر، أن ترشحه دون إحساس بضائقة في النفس أو التنفس، لإحدى الجوائز العربية أو الدولية، أو لأحد اللقاءات الثقافية في البلد أو الخارج، حتى يشعر أن لما ينتجه من إبداع، امتدادا إنسانيا في الحياة، وأن الفكرة التي اندلقت من نفسه المكتوية كالجمر، لتضيء بالمعرفة الناس، لن تنطفئ بأيد تضع أصابعها الطويلة في الماء وحتى الجيوب لتأكلها باردة..!
ذلكم أعلى سقف أحلام يطالب به المثقف المغربي؛ دون حاجة لتبيين أو بيان؛ لا يريد شيئا، سوى أن يرى نفسه موجودا في أعين الآخرين، ومَوْضِعَ مسؤولية من لدن مؤسسات لا ترى سوى نفسها..!
قليلا من نكران الذات لتعم الثقافة الجميع..!
(افتتاحية ملحق "العلم الثقافي"، الخميس 2014/9/18)