إعتدت فى تعاملى مع الحزن على أن ما يناسبه هو أن أقول له : "تصبح على خير أيها الحزن" بما يوحى به ذلك من أمل فى أن يدخل الحزن إلى نوم عميق ، ثم بعد النوم ربما يحدث ربك ما يغير الأحوال أو ما يؤدى إلى أن يولد خيرا من رحم الحزن .
لا أقول " صباح الخير أيها الحزن" كما فى العنوان الشهير لـ "فرانسواز ساجان" ، لأنه يوحى بأن بطلة الرواية قد صادقت الحزن ، وأنها توقظه كى يبدأ يومه معها أو تبدأ هى يومها معه .
بينما حين أقول أنا لحزنى "تصبح على خير" فإننى أخبره عبر هذا القول بأننى لا أريد أن أرى وجهه فى الصباح .
صحيح أننى لا أستطيع أن أقتله ، إنما لو يريد أن يعيش فعليه إطاعة الأوامر بأن يتوارى عن العيون فى زنزانته داخل القفص الصدرى . أرتب وسادته ، وأغير ملاءته ، وأحكم فوقه غطاءه المبطن بالساتان ، وأضيف فوق هذا الغطاء التقليدى القديم بطانية من الكشمير .
أقوم بتهوية فرشه من حين لآخر كى لا تضج الأحزان أو تنفجر أو تبحث عن طريق لها عبر تقطيبة جبهة أو زمة شفاة أو أرق أو مرض للجسد أسبابه نفسية .
أطلب من الحزن أن يتوسد وسادته التى جهزتها له من ريش النعام ، وأطلب منه أن ينام .
مع ذلك لا أجرؤ على أن أسأله الرحيل ، فهو ساكن بداخلى ويحزننى أن أستبعده.
صحيح أنا أقمعه ، أكمم منه الأفواه . أما الاستبعاد فيبدو أنه لا يهون علىّ ، ولا أنا عليه أهون . فبيننا عشرة ، وصحبة . أغسله بدموعى ، وأمسح على رأسه براحة كفى . وأيضا أروضه . أطلب منه أن يعبر وسط النيران فيقفز ، أوجه إليه الأمر بأن يمر من فوق الحبال فينتصب على أطراف أصابعه . بعدها ألقى إليه بمكافأة يلتهمها ويرفع يده بالتحية منهيا فقرته التى تشهق لبراعتها الأنفاس وتلتهب الأكف .
بعدها يكف عن الخروج إلى الأضواء ، وينكفئ داخل صدرى .
لكنه كمرض مزمن ينتظر لحظة ضعف للجسد كى يستأسد .
إنما كلما حاول ذلك أقاومه من جديد ، وأنتصر .
سئمت النصر على حزنى السجين .
يسألنى أحيانا أن تجمعنا ساحة قتال على طريقة العصور القديمة وجها لوجه ، سيفا بسيف ، وسط الجماهير ، فى وضح النهار .
وفى كل مرة يشهر هذا المطلب أقوم بإضافة أسوار حول قضبانه ، وأحيانا أسلاك شائكة وأجهزة إنذار كى يظل قابعا فى مخبئه دون أن تراه العيون .
لكن حزنى استعار مؤخرا روح قافلة نمل دءوب . تحمل كل نملة "فتفوتة" وتسير بها طريقا طويلا . ومن فتفوتة بعدها أخرى قام بنقل الحزن وسنينه من مستودعه فى الذاكرة إلى حيث أصبح مستعدا للنزال . عندها رفض الانصياع للأوامر ، رفس الغطاء وأبى العودة إلى الفراش .
ألقى خطبة حماسية استعار خلالها من "نزار قبانى" تعبيره المدهش عن مطاردة خيط الدخان ، والذى تغنى به "عبد الحليم حافظ" عبر قصيدة "قارئة الفنجان" التى تتضمن خاتمتها الجملة السيف : "وستعرف بعد رحيل العمر بأنك كنت تطارد خيط دخان" فى إشارة إلى قسوة الاكتشاف المتأخر لصعوبة العثور على المواصفات التى يتمناها الإنسان عندما تكون مواصفاته لا أرض لها ولا عنوان .
فتجبرنى المواجهة على استرجاع المساحة بين الحقيقة فيما مر بالعمر ، وبين خيالى .
فما بالنا عندما يصر الحزن بعد دفنه الطويل أن يطفو مؤكدا أن العمر لم يشهد مطاردة لخيط دخان فى مجال الحب وحده ، إنما خيوط دخان فى مجالات عديدة ترفع جميعها راية المثالية . مثالية فى الحب والزواج والأسرة ، مثالية فى العلاقات ، مثالية فى الحلم العام للوطن وللمجتمع وللعمل الصحفى .
الطرقات المتتابعة للذكريات المتعاقبة تجعلنى لا أستطيع الإنكار .
مع ذلك أقرر التصدى لموجات الحزن عبر حقيقة مشرقة وإن كانت مثالية . حيث قلت لحزنى : "يكفينى شرف المحاولة" .
"لقد كان الثمن باهظا" ، كشر الحزن الخارج من المدفن وهو يقولها .
"ماذا كان الثمن؟" ، سألت .
رد الحزن حزينا : "العمر" .
التزمت الصمت .
فاستأسد الحزن مصمما : "لا بد للذاكرة من استرجاع كل ما جرى" .
باب للريح لا ينفع معه سد . وأمواج تعقبها أمواج لا يصلح لحصرها عد .
إنما يغرينى سؤال أصر على أن أجيب عنه بنعم ، وهو : هل الحزن المدفون يشبه البترول فى أنه عند تكريره بعد استخراجه نستطيع تحويله إلى طاقة .
لا أقول " صباح الخير أيها الحزن" كما فى العنوان الشهير لـ "فرانسواز ساجان" ، لأنه يوحى بأن بطلة الرواية قد صادقت الحزن ، وأنها توقظه كى يبدأ يومه معها أو تبدأ هى يومها معه .
بينما حين أقول أنا لحزنى "تصبح على خير" فإننى أخبره عبر هذا القول بأننى لا أريد أن أرى وجهه فى الصباح .
صحيح أننى لا أستطيع أن أقتله ، إنما لو يريد أن يعيش فعليه إطاعة الأوامر بأن يتوارى عن العيون فى زنزانته داخل القفص الصدرى . أرتب وسادته ، وأغير ملاءته ، وأحكم فوقه غطاءه المبطن بالساتان ، وأضيف فوق هذا الغطاء التقليدى القديم بطانية من الكشمير .
أقوم بتهوية فرشه من حين لآخر كى لا تضج الأحزان أو تنفجر أو تبحث عن طريق لها عبر تقطيبة جبهة أو زمة شفاة أو أرق أو مرض للجسد أسبابه نفسية .
أطلب من الحزن أن يتوسد وسادته التى جهزتها له من ريش النعام ، وأطلب منه أن ينام .
مع ذلك لا أجرؤ على أن أسأله الرحيل ، فهو ساكن بداخلى ويحزننى أن أستبعده.
صحيح أنا أقمعه ، أكمم منه الأفواه . أما الاستبعاد فيبدو أنه لا يهون علىّ ، ولا أنا عليه أهون . فبيننا عشرة ، وصحبة . أغسله بدموعى ، وأمسح على رأسه براحة كفى . وأيضا أروضه . أطلب منه أن يعبر وسط النيران فيقفز ، أوجه إليه الأمر بأن يمر من فوق الحبال فينتصب على أطراف أصابعه . بعدها ألقى إليه بمكافأة يلتهمها ويرفع يده بالتحية منهيا فقرته التى تشهق لبراعتها الأنفاس وتلتهب الأكف .
بعدها يكف عن الخروج إلى الأضواء ، وينكفئ داخل صدرى .
لكنه كمرض مزمن ينتظر لحظة ضعف للجسد كى يستأسد .
إنما كلما حاول ذلك أقاومه من جديد ، وأنتصر .
سئمت النصر على حزنى السجين .
يسألنى أحيانا أن تجمعنا ساحة قتال على طريقة العصور القديمة وجها لوجه ، سيفا بسيف ، وسط الجماهير ، فى وضح النهار .
وفى كل مرة يشهر هذا المطلب أقوم بإضافة أسوار حول قضبانه ، وأحيانا أسلاك شائكة وأجهزة إنذار كى يظل قابعا فى مخبئه دون أن تراه العيون .
لكن حزنى استعار مؤخرا روح قافلة نمل دءوب . تحمل كل نملة "فتفوتة" وتسير بها طريقا طويلا . ومن فتفوتة بعدها أخرى قام بنقل الحزن وسنينه من مستودعه فى الذاكرة إلى حيث أصبح مستعدا للنزال . عندها رفض الانصياع للأوامر ، رفس الغطاء وأبى العودة إلى الفراش .
ألقى خطبة حماسية استعار خلالها من "نزار قبانى" تعبيره المدهش عن مطاردة خيط الدخان ، والذى تغنى به "عبد الحليم حافظ" عبر قصيدة "قارئة الفنجان" التى تتضمن خاتمتها الجملة السيف : "وستعرف بعد رحيل العمر بأنك كنت تطارد خيط دخان" فى إشارة إلى قسوة الاكتشاف المتأخر لصعوبة العثور على المواصفات التى يتمناها الإنسان عندما تكون مواصفاته لا أرض لها ولا عنوان .
فتجبرنى المواجهة على استرجاع المساحة بين الحقيقة فيما مر بالعمر ، وبين خيالى .
فما بالنا عندما يصر الحزن بعد دفنه الطويل أن يطفو مؤكدا أن العمر لم يشهد مطاردة لخيط دخان فى مجال الحب وحده ، إنما خيوط دخان فى مجالات عديدة ترفع جميعها راية المثالية . مثالية فى الحب والزواج والأسرة ، مثالية فى العلاقات ، مثالية فى الحلم العام للوطن وللمجتمع وللعمل الصحفى .
الطرقات المتتابعة للذكريات المتعاقبة تجعلنى لا أستطيع الإنكار .
مع ذلك أقرر التصدى لموجات الحزن عبر حقيقة مشرقة وإن كانت مثالية . حيث قلت لحزنى : "يكفينى شرف المحاولة" .
"لقد كان الثمن باهظا" ، كشر الحزن الخارج من المدفن وهو يقولها .
"ماذا كان الثمن؟" ، سألت .
رد الحزن حزينا : "العمر" .
التزمت الصمت .
فاستأسد الحزن مصمما : "لا بد للذاكرة من استرجاع كل ما جرى" .
باب للريح لا ينفع معه سد . وأمواج تعقبها أمواج لا يصلح لحصرها عد .
إنما يغرينى سؤال أصر على أن أجيب عنه بنعم ، وهو : هل الحزن المدفون يشبه البترول فى أنه عند تكريره بعد استخراجه نستطيع تحويله إلى طاقة .