حسَن الرّحيبي - التّعليم بين الهُويَة الشّخصيَة أي التّطابق مع الذات (identité =identique) أيْ مُطابق، والتّبعية الاستعمَارية

لقد عايشنا أصنافاً من المَناهج التّربوية تأرجَحت ما بين المحلّية الضيقة . واحتقار المغاربة مثل الحَديث عن الأقرع أو le teigneux . ورسمته في صورة حقيرة مع شخص ينزع شاشيته من على رأسه . وهو واقع عشناه حقيقةً في الخمسينات والستينات بسبب انتشار هذه الظاهرة خاصةً في القرى . وعن boukricha et bourkabi . وأيضاً الحكايات الشعبية التي كانت تحكيها لنا أمهاتنا وجداتنا في ليالي الشتاء المظلمة والباردة . والتي تدور حول الغول والمعزة والذيب والقنفذ . والأرنب والأسد . وهو ما ترجمه فعلاً المفتش الفرنسي henri tranchart في أواخر الخمسينات وحوّله لنصوص جميلة وجذّابة استهوتنا . وسهلت علينا فهمها بسلاسة واستمرارية لواقعنا الحقيقي . وهو نفس ما انتهجه بنجاح المرحوم أحمد بوكماخ . الذي استعان أيضاً بالألوان الصّاخبة والساحرة . فكنّا بحكم عيشنا في البادية ننجذب لرسوم الفلاح وهو يحرث الأرض ويشقها بمحراثه التقليدي . وصُور الطيور البيضَاء التي تتجمع وراءه باحثةً عما تقتات به . وهي أشياء واقعية مثل السنابل والأزهار والحشائش والحلزون والسوق . لكن عندما يتعلق الأمر بالصّور المتعلقة بالمدينة يصبح التخيل والتمثّل ضَرورياً بسبب جهلنا التام لحياة المدن . وصخبها . وازدحام دروبها بالعربات والسّيارات والحافلات . ورغم ذلك لم يكن يغيب عنا تماماً هذا الواقع الذي كنا نسمع عنه من خلال أهلنا الذين زاروا بالفعل المدينة وخبروا الحياة فيها .
لكن عندما كانت تُفرض علينا في حصة اللغة الفرنسية الثقافة الغربية التي كنا نجهلها تماماً مثل الحديث عن الطبقية كالأرستقراطية والدوقية والكنيسة و papa noël والاحتفال ب le jour de l'an أو رأس السنة . واستيقاظ الأطفال في الصباح وتوجههم نحو المدخنة la cheminée ليجدوا هدايا des cadeaux أتى بها بابا نويل ليلاً عبر المداخن وهو يسير بعربته في الجو أو الفضاء . هنا لم نكن نفهم أي شيء لأن الأمر لا يتعلق بثقافتنا المغربية . بل بحياة أخرى ومعتقدات تختلف عن معتقداتنا . مثل مطاردة الساحرات في القرون الوسطى la chasse aux sorcières . التي كانت تقودها الكنيسة لمحاربة الهرطقة l'hérésie وكل ما يتناقض مع فكر الكنيسة . والإصلاح الديني وظهور البروتستانتية protestant أي الاحتجاج على سلطة البابا . ومحاكم التفتيش أو l'autodafé وإحراق المفكرين والعلماء . وأكثر ما تردّد علينا في النصوص الفرنسية أكلات لم نكن نعرف عنها أي شيء . وطريقة أكلها بالشوكة والملعقة والسكين la fourchette et la cuillière et le couteau . بينما يبقى كل هذا غريباً عن هويتنا وشخصيتنا المحلية . والأدهى من كلّ هذا السّاحرة أو la fée . بعصاها السحرية sa baguette magique . التي كان يرددها كثيراً المرحوم سي الخلفي . دون أن نفهم شيئاً خاصةً عندما تضرب بتلك العصا فتحول التراب ذهباً والبشر حيواناً ...
فلا يمكن لأحد التعلم إلا من منطلقه الواقعي القريب والبسيط والمتواصل بدون انقطاع عما نريد تلقينه . إذ لا يمكن التحصيل المعرفي والمهاري إلّا من خلال ثقافتنا وهُويتنا . فكم من التلاميذ غادروا المدرسة دون أن يفهموا شيئاً . ولا استطاعوا التعبير والكتابة واسترجاع ما اكتسبوا . بسبب الفشل في ربط التلميذ بواقعه . وإيصال معارف وتمثلات des représentations لا علاقة لها بواقعه وانشغالاته اليومية . مثل الحياة في الجاهلية والجزيرة العربية وصَحرائها وحروبها . والتي لا تمتّ لواقعنا المغربي بأية صلة جغرافية أو تاريخية .

حسَن الرّحيبي..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى