محمد علي - رسالة اليوم السابع من رحلة الصمود الى غزة: رسالة الأم

محمد علي - نائب بمجلس الشعب التونسي وناشط مدني


رسالة الأم

في قلب مياه المتوسط في اتجاه غزة، حيث البحر يمدّ ظلاله ولا يُرى سوى الموج والسماء، وبعد عربدة المسيرات الصهيونية طوال ليلة كاملة كان الخبر السعيد لحظة تواصل مع العائلة. حديث قصير، بدأ بأسئلة عن الأحوال، عن الجيران الذين مرّوا للسلام، عن البيت الذي ظلّ كما هو، نابضًا بالحياة رغم الغياب.
لكن خلف كل كلمة كان يختبئ صوت الوالدة، لم يكن مجرد صوتٍ عابر من سماعة هاتف، بل كان دفئًا يتسلل عبر الموج ليحوّل البحر إلى بيت مؤقت. وحين كانت تسأل: "هل أنت بخير؟"، كان السؤال نفسه صلاةً سريةً: أن يحفظ الله خطاي على الماء، وأن يجعل الرحلة أمانًا لا خوف فيه.
في حديثها العادي عن تفاصيل الحياة، كان يتسلل دعاء خفي: أن يحيط الله رفاقي بالسكينة كما يحيط البحر السفينة، وأن يبعد عنا كل شرّ كما تبعد الشمس الظلال عند الفجر. لم تكن تقولها صراحة، لكن كل كلمة كان لها رائحة الدعاء.
ثم جاء ختام الحديث محمّلًا بما يشبه الوصايا، لكنها كانت أوسع من ذلك: "الله يفتح لكم طريق البحر كما يفتح أبواب السماء ويعيدكم سالمين." عندها بدا البحر أكثر طمأنينة، كأن الموج نفسه قد تلقى نصيبه من البركة.
ولم تنسَ غزة، فهي عندها ليست خبرًا بعيدًا بل جرحها الدائم. قالتها ببساطة كمن يردد نفسًا من قلبه: "الله يحفظ غزة من النار والجوع ويجعل لها فرجًا قريبًا."، وكأنها بذلك أعادت رسم حدود الوطن كله في جملة قصيرة.
صوتها لم يكن مجرد كلام، بل خريطة من الأمان. كل مرة تذكر رفاقي كانت تصير دعوة مستترة: أن يقوي الله عزيمتهم وأن يمسح عن وجوههم التعب. وكل مرة تذكر فلسطين كان البحر نفسه يصغي وكأنه يشهد على صدقها.
حين انتهى الاتصال، ظل صداها يتردّد كدعاء ممتد لا ينقطع. الأم هنا لم تعد شخصًا يسكن بيتًا بعيدًا، بل صارت رمزًا أوسع: هي الذاكرة التي تحفظنا من الغياب وهي الأرض التي لا تغرق وهي غزة نفسها وهي تدعو لكل أبنائها في قلب البحر.

1758706243458.png

أماه العزيزة،
أكتب إليك هذه الكلمات وقلبي يغالب الشوق إليك، ويدي ترتجف بين دفتي البحر الواسع. اليوم هو اليوم السابع من رحلتنا على متن أسطول الصمود، وما زال الأفق ممتدًا أمامنا، بين زرقة السماء وصفاء الموج، وبين يقينٍ لا يتزعزع أننا ماضون إلى حيث يجب أن نكون: إلى غزة أرض العزة والجراح.
أماه، منذ أن ودعتني عند الباب او منذ قليل على الهاتف، وأنا أسمع صوتك يلاحقني في كل لحظة: وصاياك بالصبر، ودمعتك التي حاولت أن تخفيها، ودعاؤك الذي حملني كنسمةٍ فوق هذا البحر. أريد أن أطمئنك: نحن بخير، والأمل يضيء وجوهنا رغم طول المسافة.
كل صباح، حين تشرق الشمس على سطح الماء، أتذكر وجهك يا أمي، إشراقتك التي كانت تبعث فينا الحياة داخل البيت. وكل مساء، حين يغيب الضوء خلف الأفق، أشعر وكأنك تجلسين بقربي، تضعين يدك على رأسي كما كنتِ تفعلين في طفولتي، لتقولين لي: “لا تخف، الله معك”.

1758706353113.png

أمي الغالية،
البحر ليس سهلاً، فالأمواج أحيانًا تعلو كأنها جبال، والريح تصرخ كأنها تختبر عزيمتنا والمسيرات تعوي فوقنا، لكن صدقيني ان ما في قلوبنا أكبر من كل ذلك. بيننا رفقة من كل مكان توحدنا النية الصافية ويجمعنا هدف واحد: أن نكسر جدار الصمت وأن نحمل للعالم صوت المظلومين. كل واحدٍ منا يحمل في داخله قصة لكنني أحمل شيئًا أكبر: صورتك وصوتك وحبك الذي يشدني إلى الحياة.
لا تقلقي عليّ يا أمي، فمهما كان قدرنا، نحن على طريق الحق. وإن عدت إليك سأكون أسعد أبناء الدنيا، أضمك وأبكي بين يديك. وإن لم أعد، فاعلمي أني خرجت باسمك، وبدعائك، ومن أجل قضية لا يعرفها إلا من ذاق طعم الفقد والألم.
أماه،
علّمي إخوتي أن يبتسموا ولا يحزنوا، قولي لهم إن أخاهم بخير، وإنه يعيش لحظة لا يعيشها إلا من آمن أن الإنسان خلق ليكون حرًّا، واحكي لأطفال العائلة أني حملت أسماءهم معي أرددها حين أواجه التعب فأشعر أنني بينهم ألهو معهم في فناء الدار.

1758706501885.png

أمي،
أنتِ روحي ونبضي. كل خطوة نخطوها نحو غزة، أشعر أني أقترب منك أكثر. لا تبكي يا أمي، فدموعك أثمن من أن تُسفك بالغياب، اجعليها دموع فرح حين نعود، أو دموع فخر إن اختار الله لنا طريق الشهادة.
ادعي لنا كما كنتِ دومًا، فإن دعاءك حصننا، وبركة خطواتنا. وإن كتب لي الله أن أعود، فسأعود أول ما أعود إليك، لأقبّل يديك وأرتمي على صدرك.

ابنك المشتاق دومًا،
محمد علي
24 سبتمبر 2025

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى