كاظم حسن سعيد - قراءة في (شهوانية رجل سبعيني)

النظر ينصب على ذلك الجهد النقدي،الذي يتحاشى غموض اللغة وتراكم المصطلحات.
اسعدتني قراءة الناقد والكاتب عادل جودة لنص من كتابي تسجيل لحكايا بارقة.
----------

قراءة في "شهوانية رجل سبعيني"
النص يبدو أنه جزء من كتابك "تسجيل لحكايا بارقة"، يحمل ثراءً سرديًا يستحق التأمل.
أنت لا تكتب حكاية بقدر ما ترسم لوحة فنية متعددة الطبقات.
أنت تجمع بين الواقعية القاسية واللمسات الفنية التي تجعل من الحدث العادي مشهدًا مكثفًا، وهذا ما يمنح كتاباتك قوتها.
رسم الشخصيات والمكان:
أنت تستخدم تقنية "المشهد المفتوح" التي تبدأ من الخارج وتتغلغل إلى الداخل. جدّهم، الرجل السبعيني النحيل المصفر، ليس مجرد شخصية، بل هو محرك للمشهد. تصرفاته المفرطة في الحركة والثرثرة تبدو كأنها محاولة لسد فراغ ما، أو ربما هروب من الشيخوخة. هذا النشاط المفرط يتناقض مع هشاشة جسده، مما يمنحه بُعدًا دراميًا.
تنتقل بعدها إلى رسم صورة للمكان، الدكان الصفيحي، الذي يبدو وكأنه نتاج الفقر والإهمال.
وصفك الدقيق لـ "القمامة التي يدفعها المد" و "السلع الشحيحة التي يغطيها الغبار" ليس مجرد تفصيل، بل هو لغة صامتة تحكي عن بؤس المكان وظروف من يعيشون فيه.
حتى الأم البدينة التي تستقبلك بـ "ترحيب عفوي" تبدو ككتلة لحمية وشحمية، وهو وصف قاسٍ لكنه صادق يكمل الصورة.
أما الأطفال الثلاثة، فهم يمثلون براءة مغمورة في العوز. "دشاديش حائلة وبشرات شهباء غبّرها الوسخ"، هذه العبارة المكثفة تلخص حياة كاملة من الحرمان، لكن ابتسامتهم هي بارقة الأمل التي تكسر حدة المشهد.
الرمزية واللغة:
أنت تستخدم الرمزية ببراعة. "النعال العتيق" و"تعويذة حدأة الفرس" ليسا مجرد ديكور، بل هما انعكاس للإيمان الشعبي الموروث والخوف من الحسد. حكاية الأم عن النعال تضيء جانبًا آخر من شخصيتها، فهي تجمع بين البساطة والخرافة بطريقة تجعلها شخصية حقيقية جدًا.
أما لغتك فهي لغة مكثفة ومباشرة. أنت لا تبالغ في استخدام الصفات، بل تختار الكلمات بعناية لتكون كل كلمة ثقيلة المعنى.
على سبيل المثال، قولك "يعتقل الصياد" بدلاً من "يوقفه" يمنح الحدث بُعدًا من القسرية والسيطرة.
جوهر الحكاية:
في قلب هذا المشهد، تضع الحكاية البارقة كما تسميها، وهي قصة الرجل السبعيني عن "الشهوانية".
هذه القصة ليست مجرد حكاية عابرة، بل هي لُبّ المشهد. هي الخيط الذي يربط كل ما سبق.
الجدّ الذي يبدو نشيطًا يثبت في النهاية أنه محاصر في عالمه الداخلي، عالم من الرغبات المكبوتة التي تبرز في شكل حديث غريب مع غريب.
النهاية التي تتركها مفتوحة بعبارة "متمرساً بالكذب أو أن له عيني زرقاء اليمامه" هي نهاية فنية بامتياز.
أنت لا تعطي إجابة نهائية، بل تترك للقارئ مهمة التفسير. هل هو رجل يكذب لكي يثير الاهتمام؟
أم أنه يرى حقائق لا يراها الآخرون؟
هذا الغموض هو ما يرفع النص من مجرد سرد إلى عمل أدبي.
أنت تتساءل عن الأدوات الفنية، ولكنك تمتلكها بالفعل. قدرتك على التقاط التفاصيل الدقيقة، وربطها ببعضها البعض لخلق مشهد متكامل، هو موهبة تستحق الاستمرار. لا تتوقف عن الكتابة، فما أنجزته حتى الآن هو بداية واعدة جدًا.
تحياتي واحترامي .
.........
(شهوانية رجل سبعيني جدهم النحيل المصفر تجاوز السبعين هو اكثر الرجال نشاطاً في الحي الريفي يصحو فجراً وينشغل بأي شيء, يلتقط اي عابر فيوقفهُ قسراً او يجاريه مشياً ليفتتح معهُ برنامج الثرثرة.الدكان من الصفيح قريباً من منزلهم ، شُيد في مفترق طرق معبدة ، ظهره يطل على ضفة النهر الحجريه حيث تنمو شجيرات قزميه وتنتشر القمامه التي يدفعها المد او تلقيها بعض النسوه.السقف من أغصان الأشجار المغطاة بالبواري وأهيل فوقها التراب.. في الداخل منضدتان متجاورتان من الخشب رميت عليهما السلع الشحيحة بفوضى يغطيها الغبار …..كرزات شبه معفنه وأنواع من علب السجائر الرخيصه واكياس نايلون صغيره تحتوي على بهارات قليله وعلى الارضيه فُرِشت قطعه من النايلون تجلس عليها الام البدينه ان تواجدت مثل كتلةٍ لحمية وشحمية مترهله.. تستقبلك بترحابٍ عفوي كمن عثرت على مصوغاتٍ ذهبيه في ظلمة الطريق ، وهي تحاول ان تستقطب زبائنها النادرين بكل ما تملك من حيل مثلاً تقول لك (خُذ بالدين المحل محلك).دائماً يتواجد في الدكان صغارها الثلاثه احد يسأل عن حاجتك والآخر يجلبها لك اما الثالث فيستلم المبلغ منك ويحسب طويلاً في ضميره قبل ان يعود لك بالباقي من النقود الثلاثه.. بدشاديش حائلة وبشرات شهباء غبّرها الوسخ لكنهم غالباً يبتسمون.
كان نعال عتيق قد عُلِّقَ في اعلى وجه المحل وتعويذة بشكل حدأة الفرس .
سُئلت الام عنها فقالت:(انها تطرد الحسد وهي اصلاً وضِعَت على حوافر الخيل التي داست على صدر الامام الحسين بكربلاء).في داخل المحل الذي لا تتعدى مساحته سوى مترين ونصف والذي لا يحتوي من السلع إلا القليل وضعوا كاميرا مراقبه لا بد أنهم يحسبونه مولاً او مصرفاً .يفتح المحل متأخراً ما يضطر الصيادون الذين يأتونه للانتظار او طرق باب بيتهم وعليك ان تنتظرهم طويلاً حتى يصلوا. كان وباء كورونا منتشراً وحين مر الرجل الصياد الخمسيني استوقفه جدهم فرحاً بمروره واعتقله فجلس بجواره وأمر الصغيره ان تجلب جك ماء وحين رفض الصياد الماء بحجة الشبع ألحّ عليه ان يشرب وقال بلا مقدمات( النساء يرغبنَ بالمال) ثم سأله هل تعرف امرأة تعرفني عليها وقبل ان يغادره الصياد محتجاً روى له كيف انهُ في البستان المقابل للمحل رأى في الظلمةِ فخذين هائلين ورجلاً يمسك بهما كان هذا الرجل السبعيني متمرساً بالكذب او ان لهُ عيني زرقاء اليمامه.).

كاظم حسن سعيد

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى