محمد علي - نائب بمجلس الشعب التونسي وناشط حقوقي
على بعد 995 كلم فقط
نقترب من غزة اكثر
نحن الآن نقترب من شواطئ غزة، تلك الشواطئ التي رغم بعدها الجغرافي القصير عن دول الجوار، تبدو اليوم بعيدة كعالم آخر بسبب الحصار الخانق المفروض عليها.
من فوق سطح سفينة انس الشريف بأسطول الصمود، نرى أفق غزة يتشكل بين السماء والبحر، مدينتها وأراضيها المدمرة والمحطمة، حيث ترتسم ملامح الحياة على وقع الدمار والدماء. كل موجة تضرب جزء من السفينة هي بمثابة نداء للضمير الإنساني، تذكرنا بمدى الصمود الذي يمتلكه أهل غزة رغم الحصار المستمر والعدوان المتكرر
من على ظهر السفينة يمكن رؤية المسافة التي تفصلنا عن غزة، وهي مسافة قصيرة بحساب الجغرافيا، لكنها فادحة بحساب السياسة والواقع المفروض.
غزة ليست بعيدة، لكن الاقتراب منها صار تحديًا دوليًا، يُواجه بالمنع، والتهديد، والملاحقة.
إن هذه الحقيقة العارية تكشف للعالم أن الاحتلال لا يحاصر غزة فقط، بل يحاصر كل من يحاول أن يقترب منها، أو يتضامن معها، أو يفتح ممرًا لإنقاذ أرواح من يُقصفون ليل نهار
إن الاقتراب من غزة بحرًا، في ظل هذا الحصار، لا يعبّر فقط عن تحرّك إغاثي، بل هو خطوة رمزية وميدانية ضد منطق الاستسلام، وضد محاولات نزع القدرة السياسية عن الشعب الفلسطيني المحاصر داخل القطاع.
إن الاقتراب من غزة عبر البحر يحمل رمزية عميقة؛ البحر الذي كان دائمًا جسراً بين الشعوب، يتحول اليوم إلى حدود يقف فيها الاحتلال لمنع أي محاولة لفك الحصار. ونحن بهذا الأسطول نواجه هذا الواقع، ونقول بصوت واحد:
لا حصار بعد اليوم لغزة، ولا عزل ولا إهمال.
كما تعلمون إن مشاركتي في هذا الأسطول لا تأتي في سياق مبادرة سياسية محدودة، ولا لمجرد تسجيل موقف رمزي، بل تنبع من إيمان عميق بأن الاقتراب من غزة، في هذا التوقيت تحديدًا، هو التزام واضح تجاه قضية تتعرض اليوم لأحد أكثر أشكال الحصار والتجويع والتدمير الممنهج في تاريخها.
لقد أبحر أسطول الصمود محمّلًا بالمساعدات الطبية والإنسانية الأساسية، في استجابة عاجلة للحصار المتفاقم والعدوان الصهيوني الهمجي الذي يعيش أكثر من مليوني فلسطيني محاصر داخل قطاع غزة، منذ سنين، وسط انهيار المنظومة الصحية، وتدمير البنى التحتية، ومنع متواصل لإدخال المواد الغذائية والوقود، في ظل عدوان وتهجير مستمرين يسانده صمت دولي وتواطؤ إقليمي غير مسبوق.
في هذه الرحلة، لا نحمل فقط الأدوية والمواد الإغاثية، بل نحمل رسالة لا لبس فيها:
أن حصار غزة هو جريمة حرب، وأن كسره ليس عملًا عدائيًا، بل واجب إنساني، لا يجب أن يخضع لميزان المصالح السياسية ولموازين القوى المحلية او الدولية .
ان هذا الأسطول يأتي امتدادًا طبيعيًا لتاريخ طويل في رفض العزل والتطويع، وفي مقاومة محاولات تقليص قضيتنا إلى مجرد “أزمة إنسانية”، تُدار بالتمويل والبيانات، بينما يُترك الناس يواجهون آلة العدوان والاستيطان والتهجير وحدهم.
وفي هذا السياق، لا بد أن أستحضر ما عبّر عنه أدبنا الفلسطيني في لحظات كهذه، وتحديدًا ما كتبه غسان كنفاني عن شخصياته التي تقرر أن تتحرك رغم الضباب.
أستحضر هنا شخصية “خالد” في "ما تبقى لكم"الذي مضى في الصحراء دون خريطة، لأنه رفض أن يظلّ متفرجًا، أو شاهدًا صامتًا على خراب وطنه.
اليوم، نحن نبحر في اتجاه غزة متسلحين بعزيمة خالد، ومقري العزم على المضي رغم التهديدات ومحاولات الإعاقة، لأن قضية غزة ليست قضية أهل القطاع وحدهم، بل قضية كل حر في هذا العالم
نحن اليوم، من البحر، نُعيد التعبير عن هذا القرار: أن نمضي، لا أن ننتظر.
هذا الأسطول، بكل ما يواجهه من عراقيل، هو شهادة جديدة على أن غزة لم تُعزل في الضمير الحيّ، وأن من يقف معها اليوم، هم من يرفضون خيانة إنسانيتهم قبل أي شيء آخر.
وفي الوقت ذاته، تتأكد المسلمات الثلاث:
1. أن حصار غزة يمثل وصمة عار في جبين الإنسانية.
2. أن منع السفن الإنسانية من الوصول إلى القطاع يُعد انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، ويجب التصدي له.
3. أن غزة ليست ساحة للموت فقط، بل ساحة للكرامة والبقاء، ولها علينا جميعًا حق الدعم، والمرافعة، والوقوف العلني.
كما أحيّي كل من ساهَمَ في التفكير في موضوع هذا الأسطول وتنظميه ، من شابات وشباب ونشطاء ومتطوعين وأشدّ على أيادي من يعملون بصمت، بعيدًا عن الأضواء، من اجل انجاح هذه المبادرة الخلاقة لكسر الحصار عن غزة ولتأمين الحدّ الأدنى من الحياة لأهل غزة.
ختامًا، من عرض البحر، ومع ازدياد احتمالات المنع أو المواجهة، أقول بوضوح:
نحن لسنا مغامرين، بل نحن أمناء على الحقيقة.
لسنا نبحث عن صور في الصحف، بل عن كسر لحصار جائر.
ولسنا نمثّل أنفسنا، بل صوت كل من قال “لا” حين صمت الآخرون.
سنواصل الإبحار ما استطعنا، وسنواصل قول الحقيقة ما استطعنا، وسنبقى، كما غزة، على خط المواجهة، مهما اشتدّ الحصار.
الحرية لغزة
الرحمة لشهدائها
والوفاء لحقّها المشروع في الحياة والكرامة
25 سبتمبر 2025
على بعد 995 كلم فقط
نقترب من غزة اكثر
نحن الآن نقترب من شواطئ غزة، تلك الشواطئ التي رغم بعدها الجغرافي القصير عن دول الجوار، تبدو اليوم بعيدة كعالم آخر بسبب الحصار الخانق المفروض عليها.
من فوق سطح سفينة انس الشريف بأسطول الصمود، نرى أفق غزة يتشكل بين السماء والبحر، مدينتها وأراضيها المدمرة والمحطمة، حيث ترتسم ملامح الحياة على وقع الدمار والدماء. كل موجة تضرب جزء من السفينة هي بمثابة نداء للضمير الإنساني، تذكرنا بمدى الصمود الذي يمتلكه أهل غزة رغم الحصار المستمر والعدوان المتكرر
من على ظهر السفينة يمكن رؤية المسافة التي تفصلنا عن غزة، وهي مسافة قصيرة بحساب الجغرافيا، لكنها فادحة بحساب السياسة والواقع المفروض.
غزة ليست بعيدة، لكن الاقتراب منها صار تحديًا دوليًا، يُواجه بالمنع، والتهديد، والملاحقة.
إن هذه الحقيقة العارية تكشف للعالم أن الاحتلال لا يحاصر غزة فقط، بل يحاصر كل من يحاول أن يقترب منها، أو يتضامن معها، أو يفتح ممرًا لإنقاذ أرواح من يُقصفون ليل نهار
إن الاقتراب من غزة بحرًا، في ظل هذا الحصار، لا يعبّر فقط عن تحرّك إغاثي، بل هو خطوة رمزية وميدانية ضد منطق الاستسلام، وضد محاولات نزع القدرة السياسية عن الشعب الفلسطيني المحاصر داخل القطاع.
إن الاقتراب من غزة عبر البحر يحمل رمزية عميقة؛ البحر الذي كان دائمًا جسراً بين الشعوب، يتحول اليوم إلى حدود يقف فيها الاحتلال لمنع أي محاولة لفك الحصار. ونحن بهذا الأسطول نواجه هذا الواقع، ونقول بصوت واحد:
لا حصار بعد اليوم لغزة، ولا عزل ولا إهمال.
كما تعلمون إن مشاركتي في هذا الأسطول لا تأتي في سياق مبادرة سياسية محدودة، ولا لمجرد تسجيل موقف رمزي، بل تنبع من إيمان عميق بأن الاقتراب من غزة، في هذا التوقيت تحديدًا، هو التزام واضح تجاه قضية تتعرض اليوم لأحد أكثر أشكال الحصار والتجويع والتدمير الممنهج في تاريخها.
لقد أبحر أسطول الصمود محمّلًا بالمساعدات الطبية والإنسانية الأساسية، في استجابة عاجلة للحصار المتفاقم والعدوان الصهيوني الهمجي الذي يعيش أكثر من مليوني فلسطيني محاصر داخل قطاع غزة، منذ سنين، وسط انهيار المنظومة الصحية، وتدمير البنى التحتية، ومنع متواصل لإدخال المواد الغذائية والوقود، في ظل عدوان وتهجير مستمرين يسانده صمت دولي وتواطؤ إقليمي غير مسبوق.
في هذه الرحلة، لا نحمل فقط الأدوية والمواد الإغاثية، بل نحمل رسالة لا لبس فيها:
أن حصار غزة هو جريمة حرب، وأن كسره ليس عملًا عدائيًا، بل واجب إنساني، لا يجب أن يخضع لميزان المصالح السياسية ولموازين القوى المحلية او الدولية .
ان هذا الأسطول يأتي امتدادًا طبيعيًا لتاريخ طويل في رفض العزل والتطويع، وفي مقاومة محاولات تقليص قضيتنا إلى مجرد “أزمة إنسانية”، تُدار بالتمويل والبيانات، بينما يُترك الناس يواجهون آلة العدوان والاستيطان والتهجير وحدهم.
وفي هذا السياق، لا بد أن أستحضر ما عبّر عنه أدبنا الفلسطيني في لحظات كهذه، وتحديدًا ما كتبه غسان كنفاني عن شخصياته التي تقرر أن تتحرك رغم الضباب.
أستحضر هنا شخصية “خالد” في "ما تبقى لكم"الذي مضى في الصحراء دون خريطة، لأنه رفض أن يظلّ متفرجًا، أو شاهدًا صامتًا على خراب وطنه.
اليوم، نحن نبحر في اتجاه غزة متسلحين بعزيمة خالد، ومقري العزم على المضي رغم التهديدات ومحاولات الإعاقة، لأن قضية غزة ليست قضية أهل القطاع وحدهم، بل قضية كل حر في هذا العالم
نحن اليوم، من البحر، نُعيد التعبير عن هذا القرار: أن نمضي، لا أن ننتظر.
هذا الأسطول، بكل ما يواجهه من عراقيل، هو شهادة جديدة على أن غزة لم تُعزل في الضمير الحيّ، وأن من يقف معها اليوم، هم من يرفضون خيانة إنسانيتهم قبل أي شيء آخر.
وفي الوقت ذاته، تتأكد المسلمات الثلاث:
1. أن حصار غزة يمثل وصمة عار في جبين الإنسانية.
2. أن منع السفن الإنسانية من الوصول إلى القطاع يُعد انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، ويجب التصدي له.
3. أن غزة ليست ساحة للموت فقط، بل ساحة للكرامة والبقاء، ولها علينا جميعًا حق الدعم، والمرافعة، والوقوف العلني.
كما أحيّي كل من ساهَمَ في التفكير في موضوع هذا الأسطول وتنظميه ، من شابات وشباب ونشطاء ومتطوعين وأشدّ على أيادي من يعملون بصمت، بعيدًا عن الأضواء، من اجل انجاح هذه المبادرة الخلاقة لكسر الحصار عن غزة ولتأمين الحدّ الأدنى من الحياة لأهل غزة.
ختامًا، من عرض البحر، ومع ازدياد احتمالات المنع أو المواجهة، أقول بوضوح:
نحن لسنا مغامرين، بل نحن أمناء على الحقيقة.
لسنا نبحث عن صور في الصحف، بل عن كسر لحصار جائر.
ولسنا نمثّل أنفسنا، بل صوت كل من قال “لا” حين صمت الآخرون.
سنواصل الإبحار ما استطعنا، وسنواصل قول الحقيقة ما استطعنا، وسنبقى، كما غزة، على خط المواجهة، مهما اشتدّ الحصار.
الحرية لغزة
الرحمة لشهدائها
والوفاء لحقّها المشروع في الحياة والكرامة
25 سبتمبر 2025