قبل أن تكتشف الإدارات التعويضات عن المردودية، والساعات الإضافية، ومنح التنقل والسكن، كان الفقيه في البادية المغربية قد سبق الجميع إلى نظام مالي متكامل، لا يحتاج إلى قانون مالي ولا إلى مرسوم حكومي.
كان له راتب أسبوعي اسمه “لاربعية”، يُدفع كل أربعاء من طرف آباء الأطفال الذين يحفظون القرآن في المسيد. وفي مناطق أخرى كانت تسمى “الحَدًّيًَة” لأنها تُؤدّى يوم الأحد، وكأَنَّ لكل جهة تقويمها المالي الخاص ونظامها الجبائي المحلي.
أما الأمهات، فكانت لهن الجَمْعِيًّة نسبة إلى يوم الجمعة وليست مؤسسة التعاون ،فكنّ شريكات في التمويل بطريقتهن الخاصة. فكل جمعة، تحمل أم الطالب نصيبها من “النخضة”، أي الزبدة المستخرجة من الحليب، لتصبها في القلوش، ذلك الإناء الطيني الذي كان يقيم بجانب الفقيه أكثر استقراراً من كثير من المؤسسات الحديثة.
وهكذا كان الفقيه يتقاضى أجره بالريالات والزبدة معاً، في مزيج اقتصادي طريف يجمع بين النقد والعين، وبين السيولة المالية والسيولة الحيوانية، في زمن لم تكن فيه البنوك قد وصلت إلى أغلب القرى، لكن روح التضامن كانت تؤدي دورها بكفاءة لافتة.
غير أن لاربعية لم تكن سوى الراتب الأساسي.
أما الساعات الإضافية، فكانت تبدأ بعد انتهاء الدوام. هناك السُّبوب لفك عقدة استعصت على أهلها، والتحراز لرد العين والحسد، والدعاء لمن ضاقت به السبل، وعلاج “الشم” للأطفال، وهو الاسم الذي كان الأجداد يطلقونه على حالات الإسهال الحاد التي كانت تفتك بالصغار قبل أن تعرف القرى المضادات الحيوية والمراكز الصحية.
وبحكم الضرورة، لم يكن الفقيه مجرد معلم قرآن، بل كان مؤسسة قائمة بذاتها؛ أستاذاً ومربياً ومرشداً اجتماعياً، و خياطا بالبرشمان وأحياناً ممرضاً شعبياً ووسيطاً لحل الخلافات الأسرية، وكل ذلك من داخل حجرة لا يتجاوز حصيراً وبعض الألواح الخشبية.وكان أكثرهم علما يخصص للمتفوقين دروسا في الآجرومية وألفية مالك
ثم تأتي المنح الاستثنائية التي تشبه الترقيات المهنية في عصرنا الحالي: منحة السلكة، ومنحة نصف القرآن، ومنحة الستين حزباً. وهي مناسبات كانت تنقل الأسرة كلها من وضعية التقشف اليومي إلى حالة احتفال جماعي.
عندها يخرج الطالب من المسيد محمولاً على أمواج الفخر، تتقدمه زغاريد الأمهات، ويحيط به رفاقه وهم ينشدون:
طالب طالب يايو،
أسعدات مو وبّاه،
أمولات الخيمة،
أعطيني بيضة،
باش نزوق لوحتي…
في تلك اللحظة ينسى الأب ما دفعه من لاربعيات طوال السنوات الماضية، وتنسى الأم عدد النخضات التي أرسلتها إلى الفقيه، لأنهما يريان أمامهما ثمرة صبرهما تسير على قدميها حاملةً كتاب الله في صدرها.
كانت فرحة لا تحتاج إلى شهادة معترف بها، ولا إلى حفل تخرج فاخر، ولا إلى صور تنشر على مواقع التواصل الاجتماعي. يكفي أن يعود الطفل إلى بيته وقد صار طالباً في نظر الناس، حتى يشعر والداه بأنهما حققا أعظم استثمار ممكن.
ولعل أجمل ما في تلك العلاقة أنها لم تكن مجرد معاملة مالية بين فقيه وأولياء أمور، بل كانت عقداً اجتماعياً غير مكتوب، وهو ما أُصْطلح عليه بالشرط فكان يقال إن الفقيه مْشَارَطْ في الدوار الفلاني يساهم فيه الجميع بما استطاعوا، ويشتركون في حلم واحد: أن يكبر الطفل صالحاً، حافظاً للقرآن، محترماً للعلم وأهله.
لقد كانت لاربعية في ظاهرها ريالات قليلة، وكانت النخضة قطعة زبدة بسيطة، لكنهما في الحقيقة كانتا استثماراً جماعياً في المعرفة والقيم والتربية. ففي زمن كانت فيه البيضة والزبدة والدعوة الصالحة تساوي أكثر من كثير من العملات، استطاعت تلك الجامعة القروية المتواضعة أن تخرج أجيالاً تعلمت القراءة والكتابة، وحفظت القرآن، وتشربت احترام العلم وأهله.
أما اليوم، فقد اختفت لاربعية والحدية والقلوش، بل وضع القلوش بجانب صناديق المال العام وبقيت الذكريات وحدها تذكّرنا بزمن كان فيه ثمن التعليم بسيطاً، لكن قيمته عظيمة، وكانت الوسائل متواضعة، لكن أثرها عميق في النفوس والمجتمع
#وابغيتبلادي د ابراهيم عروش الدريسي
كان له راتب أسبوعي اسمه “لاربعية”، يُدفع كل أربعاء من طرف آباء الأطفال الذين يحفظون القرآن في المسيد. وفي مناطق أخرى كانت تسمى “الحَدًّيًَة” لأنها تُؤدّى يوم الأحد، وكأَنَّ لكل جهة تقويمها المالي الخاص ونظامها الجبائي المحلي.
أما الأمهات، فكانت لهن الجَمْعِيًّة نسبة إلى يوم الجمعة وليست مؤسسة التعاون ،فكنّ شريكات في التمويل بطريقتهن الخاصة. فكل جمعة، تحمل أم الطالب نصيبها من “النخضة”، أي الزبدة المستخرجة من الحليب، لتصبها في القلوش، ذلك الإناء الطيني الذي كان يقيم بجانب الفقيه أكثر استقراراً من كثير من المؤسسات الحديثة.
وهكذا كان الفقيه يتقاضى أجره بالريالات والزبدة معاً، في مزيج اقتصادي طريف يجمع بين النقد والعين، وبين السيولة المالية والسيولة الحيوانية، في زمن لم تكن فيه البنوك قد وصلت إلى أغلب القرى، لكن روح التضامن كانت تؤدي دورها بكفاءة لافتة.
غير أن لاربعية لم تكن سوى الراتب الأساسي.
أما الساعات الإضافية، فكانت تبدأ بعد انتهاء الدوام. هناك السُّبوب لفك عقدة استعصت على أهلها، والتحراز لرد العين والحسد، والدعاء لمن ضاقت به السبل، وعلاج “الشم” للأطفال، وهو الاسم الذي كان الأجداد يطلقونه على حالات الإسهال الحاد التي كانت تفتك بالصغار قبل أن تعرف القرى المضادات الحيوية والمراكز الصحية.
وبحكم الضرورة، لم يكن الفقيه مجرد معلم قرآن، بل كان مؤسسة قائمة بذاتها؛ أستاذاً ومربياً ومرشداً اجتماعياً، و خياطا بالبرشمان وأحياناً ممرضاً شعبياً ووسيطاً لحل الخلافات الأسرية، وكل ذلك من داخل حجرة لا يتجاوز حصيراً وبعض الألواح الخشبية.وكان أكثرهم علما يخصص للمتفوقين دروسا في الآجرومية وألفية مالك
ثم تأتي المنح الاستثنائية التي تشبه الترقيات المهنية في عصرنا الحالي: منحة السلكة، ومنحة نصف القرآن، ومنحة الستين حزباً. وهي مناسبات كانت تنقل الأسرة كلها من وضعية التقشف اليومي إلى حالة احتفال جماعي.
عندها يخرج الطالب من المسيد محمولاً على أمواج الفخر، تتقدمه زغاريد الأمهات، ويحيط به رفاقه وهم ينشدون:
طالب طالب يايو،
أسعدات مو وبّاه،
أمولات الخيمة،
أعطيني بيضة،
باش نزوق لوحتي…
في تلك اللحظة ينسى الأب ما دفعه من لاربعيات طوال السنوات الماضية، وتنسى الأم عدد النخضات التي أرسلتها إلى الفقيه، لأنهما يريان أمامهما ثمرة صبرهما تسير على قدميها حاملةً كتاب الله في صدرها.
كانت فرحة لا تحتاج إلى شهادة معترف بها، ولا إلى حفل تخرج فاخر، ولا إلى صور تنشر على مواقع التواصل الاجتماعي. يكفي أن يعود الطفل إلى بيته وقد صار طالباً في نظر الناس، حتى يشعر والداه بأنهما حققا أعظم استثمار ممكن.
ولعل أجمل ما في تلك العلاقة أنها لم تكن مجرد معاملة مالية بين فقيه وأولياء أمور، بل كانت عقداً اجتماعياً غير مكتوب، وهو ما أُصْطلح عليه بالشرط فكان يقال إن الفقيه مْشَارَطْ في الدوار الفلاني يساهم فيه الجميع بما استطاعوا، ويشتركون في حلم واحد: أن يكبر الطفل صالحاً، حافظاً للقرآن، محترماً للعلم وأهله.
لقد كانت لاربعية في ظاهرها ريالات قليلة، وكانت النخضة قطعة زبدة بسيطة، لكنهما في الحقيقة كانتا استثماراً جماعياً في المعرفة والقيم والتربية. ففي زمن كانت فيه البيضة والزبدة والدعوة الصالحة تساوي أكثر من كثير من العملات، استطاعت تلك الجامعة القروية المتواضعة أن تخرج أجيالاً تعلمت القراءة والكتابة، وحفظت القرآن، وتشربت احترام العلم وأهله.
أما اليوم، فقد اختفت لاربعية والحدية والقلوش، بل وضع القلوش بجانب صناديق المال العام وبقيت الذكريات وحدها تذكّرنا بزمن كان فيه ثمن التعليم بسيطاً، لكن قيمته عظيمة، وكانت الوسائل متواضعة، لكن أثرها عميق في النفوس والمجتمع
#وابغيتبلادي د ابراهيم عروش الدريسي