1
الحديث عن اللغة العربية حديث عن تاريخ يسبق اسمَ الحديث في الفصل الصريح بين الرجل والمرأة هنا. في الإحالة على الغياب، وما أقساه وأطغاه، حيث ينعدم التوثيق الدقيق عن جنسانية اللغة هذه، تعبيراً عن " عراقة مخزية " عما هو متعال، معتَّم،يبقي الرجل: الذكَر في الواجهة اعتباراً. كل غوص في اللغة مكاشفة لوطأة قاعية، لقهْر مقرَّر ، لا ينبغي تسميته، لأن ليس في مقدور اللغة المعتمدة تنويرُ الساعي إلى المعرفة، إنما هو إقرار ضمني، أقرار مقدَّر بحِداد، بنعي فاعل في أهليه، يخص المرأة كجسد محكوم من داخل اللغة هذه في تصميتها المعزّز. هكذا يفصح صمت اللغة عن تاريخ يفتقد إلى جواب أصله بداية، إلى وضوح بنيته تكويناً، ليكون أي بحث في تاريخها اقتفاء لقهرها الموقَّع باسم الرجل المزكَّى بذكورته. أي لغة لصمت أسير ٍ كهذا ؟
2
في مقاربة موجزة، وهي مكاشفة حدّية للغة العربية، جهة الجنسانية المقرَّرة فيها، وهي توقف الزمن، وتمثّله نوعياً، يمكن الإشارة إلى صفة المكر، مكر من نوع تاريخي محتفى به،مفعَّل فيها، علامة فارقة مقامة وراسخة على ما لا ينتمي إليها، ولا بأي صفة تستحق الذّكْر، أعني كتهجئة مفصّلة، أعني كحركة لها معنى بذاتها، أعني كفونيتيك يشعِر برصيد بنيوي لحظة الإصغاء، محفوظ كإشعار، كإيماءة، في اللغة هذه وبها، لا انتماء يشغلها، ويعطّل كلَّ قدرة فيها على تجاوز هذه الهوة السحيقة التي هي سبب وجودها في التمييز الجنساني. إنهما توأم حرف واحد، يؤبّدان منذ ما يستحيل البت في مصارحة البدء تاريخاً وجغرافية، كما تقدَّم، وما لهذا النفي من توثيق لهذا التأطير الدلالي فور النطق بها: حرف التاء، اسماً وفعلاً : في الإلحاق، الإضافة !
في الاسم ، اسم العلَم، وما في جهوزية المعلوم هذه، من صراحة المهيمَن ذكورياً وحتى صفاقته، واعترافاً دون مساءلة بسلطته. كما في مثال: الكاتب.
في تقديم " الكاتبة " ثمة لائحة تصورات، أعراف، تقاليد، طقوس وشعائر، مرجعها: الذاكرة الجماعية، وما هو موجه ومتداول في اللغة تعرّي نوعية المسافة الفاصلة بين المعطى الاعتباري لمفهوم " الكاتب " والمعطى الإشهاري على عتبة منزلقة" الكاتبة ".
3
لا قيمة لحرف التاء هنا، ولا بأي شكل. حرف لا يعوّل عليه. بالعكس. ثمة تأريخ صامت، تاريخ مذبحة جسد يُتستر عليها، يقيم بين سطوره، عن هول المصاب المستدام: التاء المربوطة " ة "! حتى أنها لا تُلفَظ أحياناً " كاتبَةْ" بحركة " الفتح للحرف السابق، وعلى منوالها تلك الكلمات الداخلة في منظومتها القواعدية" التقعيدية ":فاعلة، منفعلة، قادمة، ماضية، يقظة، ناطقة، باكية، مناضلة، فجة، صارخة...إلخ.
التقعيد تعطيل لقوى جسدية، وتلجيم لها، للتحكم بقوام الجسد، ونوعه وجنسه، وهو يجب ما قبله طبيعةً !
في الحالة لا تخفي اللغة هويتها ناحية مفارقات ما انبت عليه وبه من سن قوانين، وتوجيه تعليمات تقاوم أي تغيير، أو مسّ بكينونتها وقدسيتها كذلك، وما في ذلك من إحالة تتعدى نطاق الحسي إلى الماورائي، وما يترتب على توقيف للزمن، وتجريده من حركة تنويع، لصالح المقرّ لها.
هوذا شأن الفعل، وهو ماض ٍ: الماضي هذا له شهادته الموجعة، ماض هو حاضر، ومستقبلي بحزامه الناسف باستمرار، شهادة بليغة ضمناً عن الصمت التواطؤي والذي منح اللغة مثل هذا التوصيف المصان. أي من جهة " التاء " كما في : كتبتْ، سكنت، جرَت، جاءت، أقبلت، قامت، تكلمت، صمتت، حكَتْ...إلخ .
القيمة العليا والرئيسة في المعنى، تتمركز في الأصل المغيّب في التاريخ، تعبيراً عن " جرم " تاريخ عاجز عن تسمية الفاعل الجمعي" الذكوري " في وضعها" اللغة " في جامدها ومشتقها: كتب، سكن، جرى، أقبل، تكلم، صمت، حكى...إلخ.. أرأيت، كيف يبرز الفعل محرراً من كل علامة فارقة لصالح الجنساني فيه، لأنه معه، وبه وفيه تكون فضيلة الأصل المقرّر دفعة واحدة .
لهذا، أي قيمة اعتبارية، بأي شكل كان، لحرف " ت " في الحالة هذه؟ أي بوصف التاء" تأء التأنيث الساكنة ". أي التحديد الفوري ودون أي مساءلة للحراك القيمي في هذا التعريف: ما يخلع عن الفعل حياديته، ويمضي به في خانة المعلوم به جنسانياً. كأننا إزاء تحديث واستحداث مستمرين للمتوخى الكارثي باسمهما !
4
أي مقام قيمي للمرأة، المرأة كجسد، جسد حي، تنويعي في طبيعته، له كينونته المميّزة ، وليس بسواه خارجاً، جسد لا يتنشط أو يشار إليه، بإضافة هي تشغيله بما لا ينتمي إليه قوىً فاعلة مجتمعياً، وتعطيله بقوى من خارجه، تصمته، وقد دُفِع به إلى نطاق واضع اللغة المعرَف به من خلاله كذكَر؟
المرأة الكاتبة، في محكومية التاءين، ما يخرجها إلى حيث يكون لقاء الآخر دون حساب، الآخر اللغوي الذي يصبح مجهول القول، الفعل معلوماً على عتبة سلطته الكبرى. أن تكون كاتبة. أي حيث يكون التطويب الدلالي الفصْلي للاسم موجود مسبقاً، باسم لغة لا يد لها" المرأة " في وضْع ما يخصها قواعدياً، ليكون علم الكتابة بالذات تاريخ كلام يعني الرجل، وتاريخ صمت يعني المرأة. تأريخ الكاتب الذي يدرك صنافة الامتيازات وتراتبيتها التي تبقيه في الواجهة، وتاريخ الكاتبة، حيث " التاء المربوطة " ربْط لقواها على وزن قوى الآخر فيها.
5
تتقاسم العربية" بوصفها لغة " كلَّ ما حولها، وهي ذاتها تُعرَف بما هو مقرَّر فيها وعنها، بوصف العالم صنعة عالَم، إقامة فيه، وبناء له في حدود المرسوم جنسانياً، حيث المواقعية لا تُمَس، لأن اللغة أعدمت كل تشكيك، لأنها جعلت الخارج داخلاً، والداخل علماً لا يُرتاب فيه للخارج ذكورياً. في خاصية التقاسم لما هو موجود، وما يتجاوز الوجود المسمى، ثمة الاسم والفعل. ما يشتق عن الاسم معطوف عليه، ويحمل توقيعاً يحرَص على بقائه وديمومته، لأنه هو الأصل، يكون في فعل " كتب " جهة الكاتب، حيث يتراءى عالَم كامل، هائل، مرهوب الجانب، له تاريخه الحسي، فقه إعرابه وسريان فعله في الجسد المجتمعي وصًفته، وأدواره الوظيفية، وتحولاته الرمزية:من يكون الكاتب: كاتب السلطان، الديوان، السر، الإعلامي، المؤرخ، الناثر، والشاعر نفسه في الواجهة هنا، كما هو المأثور في العربية.
في حركة الاسم، مناقبية التجنيس التي تتكلم المقدّم بنوعه، ليكون الذكر في الحالة هذه هبَة اللغة التي يكون هو نفسها مرجعها القويم.
يأتي الفعل مرفقاً بالاسم.. لا إمكان في الحديث عما يخص الاسم، إلا وهو في سلوكه الفعلي، أو الحركي، أو اللغوي. الفعل يقر بزمانه، بمغزى إعرابه، ما يبقيه في الزمن، ويجعل الزمن حاملاً له كحضور لا يتوقف، حضور قوة، حضور مكانة تمتد به إلى عالم الغيب ز
6
في الحديث عن الهامش، تبرز مفارقة كبرى، مفارقة لا يُنتبه، ولم ينتبًه إليه واقعاً، مفارقة تجلو نوعية الصمت المثابة، والسلطة الرمزية التي جعلته تيمة اعتبارية مدائحية للمرأة، بقدْر التزامها الصمت، وإحاطة جسدها من الداخل بخارج يتهجى القيّم عليه. جهة الحديث عن " التاء المربوطة " وما يأتي ربطاً للقوام، لمقام القول والفعل، لقيمومة مواقعية مسجّلة، ومراقبة ومعاقبَة: كاتبة! ليس من تهميش للاسم هنا، لأن التهميش يشير إلى المتن، إلى ما هو موجود في الملء والفراغ، إلى مساحة جغرافية لا يخطئها النظر، إلى قابلية تحرّي العلاقات التي تسمّي كلاً منهما: المتن والهامش. الهامش في الحالة هذه له ما يُسمّيه من خلال المساحة التي يشغلها، أكثر من كونها حساباً، إنه هندسة معنى لوجود معترَف به، رغم نسبية المقدّر، كصوت مسموع، كأذن تلتقط الإشارات وترد عليها في حدود الموهوب لها مكانة.
ينعدم الهامش القائم كمفهوم مكاني، ليكون التهميش نفسه في الحالة هذه مقلقاً، ولا يخفي خبث الدال" وهو ضال في مسعاه " عما يعطى له وليس له من قيمة تستحق الذكر، إنما ما يجعل من المتن، كمفهوم مجتمعي، ذا مكرمة، وإنصاف يؤخَذ في الحسبان.
لأن الحضور المستمر للاسم يتمحور في داخله، في الطريقة الاصطلاحية وخاصيتها التاريخية: الكاتب، الأصل الذي لا يخفي هويته عملياً. بينما في إضافة " التاء " ليكون الاسم: الكاتبة، فأي براغماتيكية صارخة تضعنا في مواجهة الحاصل؟ أي ضيافة يُشك في حقيقتها، طالما أن " التاء المربوطة " لا تضمن سوية الاسم الحادث، وتمييزه المعتبَر، والمعترَف به، حال الأول: الكاتب.
هكذا ينحو بنا مسلك التحرك في اقتفاء " تاء الفعل": كما في " كتبت " مثلاً. لأن فعلاً كهذا لا يعني إلا ما قام عليه أوله مواضعياً .
7
أي عالم يتشكل بمكوناته المختلفة في منظومة جسد المرأة، وهي في موقع الكاتبة؟
للتاريخ، بما هو مقرّر فيه، بأسماء كتّابه، والذين عرِفوا من خلالهم، وكيف مارسوا أدوارهم، أن يقر، وكما هو متموضع فيه لغوياً، بحقيقة الموسوم داخله. وفي ضوء ذلك، يكون شعورُ المرأة، إحساسها، هاجسها الوجودي، شاغلها النفسي العميق بذاتها !
أي جسد تحمله المرأة، وبصفتها كاتبة، في تاريخ طويل، مقرّر جنسانياً، وبشكل صارخ، وإلى الآن، بما يبقي المرأة رهينة صمت لا يد لها فيه، الصمت الذي ما أن يشهّر حقيقته، لأفصحت اللغة عن رعب الحاصل أو الدائر فيها باسم سلطة مقررة تخص الرجل؟
في الفسحة الساخنة والزلقة والتي تقوم وتمتد، وتتلون بالمخاوف، والإرهاصات، والترقبات، والهواجس المؤلمة، وحتى المميتة، وعالم ما وراء القبر، لا تخفي " التاءان " وزر المصاب، وباسمهما، حيث إنهما بريئتان مما يُسمى من خلالهما: التاء المربوطة، وتاء التأنيث الساكنة، في تاريخ يتجاوز تاريخه، كما تقدم.
أي وجود، يمكن أن يحضر مختلفاً، ومن خلال نوعها" المرأة " ككائن مختلف، كما هي شهادتها الجسدية، وانسكانها بما هو وجودي: كوناً، وطبيعة، وحياة، وهي تعيش هذه المحكومية غير المقرَّرة كمحكومية، إشعاراً بحقيقة هي ذاتها ضحية هذا الإقرار المؤبد فيها؟
لا يصلح قول، للأخذ به تعبيراً مباشراً، حياً، ونابعاً من الأعماق، كما يُسمى، مهما ادعت المرأة أنها تتكلم، وتتنشط بملء حريتها، وأنها تعيش جسديتها، مغايرة لما هو خاص بالرجل، أبعد من المنسوب إلى مزعم الجنسانية، والمنطوق عبْرها، لأن الأرضية التي تكون نقطة بداية، أو شاهدة على تهجئته، وبصدد المرأة، المرأة الكاتبة بالذات، كموضوع مفصلي هنا، هي نفسها مطوبة باسم الآخر: الرجل.
نحن نتحدث هنا، عن فضاء رحب، عن كون، عن حياة تمتد بنا إلى ما وراء الموت، عن مفردات لغة، ليس من واحدة فيها، ومنها، إلا وهي تصرّح أداء دور، أو صوغ معنىً، في إهاب الفاعل اللغوي الجمعي الممثلن ذكورياً !
8
إن كل هذا الكم الهائل من الأدبيات التي تحمل اسم المرأة الكاتبة، وبما تعرَف به وظيفياً، وفي مجتمعها الذي يعرَف بمفهومه الجنساني، ووجه لا يخفي علاماته " الشَّعرية " وجانب السلطة في السمات التي تعلوه، لا يشفع لأي قول من نوع: لقد أصبحت المرأة في الموقع الذي يمنحها؟ " حقوقها " ويؤهلها ؟ لأن تمارس نشاطها، بتلك الشخصية التي تعنيها جسدياً، ويكون لجسدها ما يكون للرجل جسدياً، كتمايز، وما وراء هذا التمايز من حدود فاصلة. لأن العبرة في الواقع المرصود، وتوجهات اللغة ومواقع القوة المجتمعية ومراميها.
في مقدور التاءين، لحظة اعتماد جملة قوى فعلية، وفي واقع يمضي بنا إلى مساءلة من يديره ويسيّره إفادتنا بحقيقة أمره .
9
المرأة الكاتبة، ودلالة الكتابة حرْفياً، ثمة الحديث وباستفاضة عن الكتابة، وهي تحمل اسم المرأة. جسدياً، وكما هو العالم الثري للجسد وميزته، بالنسبة للمرأة هذه، وفي لغة الضاد وخيلاء الذكورة الرماحة فيها، لم يدوَّن كتابُها الفعلي بعد !
10
جِدُوا مخرجاً للتاءين: التاء المربوطة، وتاء التأنيث الساكنة، واسمعوا شهادتهما التليدة والمريعة، تعرفوا المرأة وغيابها المتعمد والقسري عن الوعي لما هي فيه، ولما هي عليه، وطغيان الجنساني في مفاصل اللغة هذه وأهواله. حينها ينكشف الوجود الذي لا يزال في حكم المفقود، لصالح المزكى موجودَ وجود مختزل تماماً !
الحديث عن اللغة العربية حديث عن تاريخ يسبق اسمَ الحديث في الفصل الصريح بين الرجل والمرأة هنا. في الإحالة على الغياب، وما أقساه وأطغاه، حيث ينعدم التوثيق الدقيق عن جنسانية اللغة هذه، تعبيراً عن " عراقة مخزية " عما هو متعال، معتَّم،يبقي الرجل: الذكَر في الواجهة اعتباراً. كل غوص في اللغة مكاشفة لوطأة قاعية، لقهْر مقرَّر ، لا ينبغي تسميته، لأن ليس في مقدور اللغة المعتمدة تنويرُ الساعي إلى المعرفة، إنما هو إقرار ضمني، أقرار مقدَّر بحِداد، بنعي فاعل في أهليه، يخص المرأة كجسد محكوم من داخل اللغة هذه في تصميتها المعزّز. هكذا يفصح صمت اللغة عن تاريخ يفتقد إلى جواب أصله بداية، إلى وضوح بنيته تكويناً، ليكون أي بحث في تاريخها اقتفاء لقهرها الموقَّع باسم الرجل المزكَّى بذكورته. أي لغة لصمت أسير ٍ كهذا ؟
2
في مقاربة موجزة، وهي مكاشفة حدّية للغة العربية، جهة الجنسانية المقرَّرة فيها، وهي توقف الزمن، وتمثّله نوعياً، يمكن الإشارة إلى صفة المكر، مكر من نوع تاريخي محتفى به،مفعَّل فيها، علامة فارقة مقامة وراسخة على ما لا ينتمي إليها، ولا بأي صفة تستحق الذّكْر، أعني كتهجئة مفصّلة، أعني كحركة لها معنى بذاتها، أعني كفونيتيك يشعِر برصيد بنيوي لحظة الإصغاء، محفوظ كإشعار، كإيماءة، في اللغة هذه وبها، لا انتماء يشغلها، ويعطّل كلَّ قدرة فيها على تجاوز هذه الهوة السحيقة التي هي سبب وجودها في التمييز الجنساني. إنهما توأم حرف واحد، يؤبّدان منذ ما يستحيل البت في مصارحة البدء تاريخاً وجغرافية، كما تقدَّم، وما لهذا النفي من توثيق لهذا التأطير الدلالي فور النطق بها: حرف التاء، اسماً وفعلاً : في الإلحاق، الإضافة !
في الاسم ، اسم العلَم، وما في جهوزية المعلوم هذه، من صراحة المهيمَن ذكورياً وحتى صفاقته، واعترافاً دون مساءلة بسلطته. كما في مثال: الكاتب.
في تقديم " الكاتبة " ثمة لائحة تصورات، أعراف، تقاليد، طقوس وشعائر، مرجعها: الذاكرة الجماعية، وما هو موجه ومتداول في اللغة تعرّي نوعية المسافة الفاصلة بين المعطى الاعتباري لمفهوم " الكاتب " والمعطى الإشهاري على عتبة منزلقة" الكاتبة ".
3
لا قيمة لحرف التاء هنا، ولا بأي شكل. حرف لا يعوّل عليه. بالعكس. ثمة تأريخ صامت، تاريخ مذبحة جسد يُتستر عليها، يقيم بين سطوره، عن هول المصاب المستدام: التاء المربوطة " ة "! حتى أنها لا تُلفَظ أحياناً " كاتبَةْ" بحركة " الفتح للحرف السابق، وعلى منوالها تلك الكلمات الداخلة في منظومتها القواعدية" التقعيدية ":فاعلة، منفعلة، قادمة، ماضية، يقظة، ناطقة، باكية، مناضلة، فجة، صارخة...إلخ.
التقعيد تعطيل لقوى جسدية، وتلجيم لها، للتحكم بقوام الجسد، ونوعه وجنسه، وهو يجب ما قبله طبيعةً !
في الحالة لا تخفي اللغة هويتها ناحية مفارقات ما انبت عليه وبه من سن قوانين، وتوجيه تعليمات تقاوم أي تغيير، أو مسّ بكينونتها وقدسيتها كذلك، وما في ذلك من إحالة تتعدى نطاق الحسي إلى الماورائي، وما يترتب على توقيف للزمن، وتجريده من حركة تنويع، لصالح المقرّ لها.
هوذا شأن الفعل، وهو ماض ٍ: الماضي هذا له شهادته الموجعة، ماض هو حاضر، ومستقبلي بحزامه الناسف باستمرار، شهادة بليغة ضمناً عن الصمت التواطؤي والذي منح اللغة مثل هذا التوصيف المصان. أي من جهة " التاء " كما في : كتبتْ، سكنت، جرَت، جاءت، أقبلت، قامت، تكلمت، صمتت، حكَتْ...إلخ .
القيمة العليا والرئيسة في المعنى، تتمركز في الأصل المغيّب في التاريخ، تعبيراً عن " جرم " تاريخ عاجز عن تسمية الفاعل الجمعي" الذكوري " في وضعها" اللغة " في جامدها ومشتقها: كتب، سكن، جرى، أقبل، تكلم، صمت، حكى...إلخ.. أرأيت، كيف يبرز الفعل محرراً من كل علامة فارقة لصالح الجنساني فيه، لأنه معه، وبه وفيه تكون فضيلة الأصل المقرّر دفعة واحدة .
لهذا، أي قيمة اعتبارية، بأي شكل كان، لحرف " ت " في الحالة هذه؟ أي بوصف التاء" تأء التأنيث الساكنة ". أي التحديد الفوري ودون أي مساءلة للحراك القيمي في هذا التعريف: ما يخلع عن الفعل حياديته، ويمضي به في خانة المعلوم به جنسانياً. كأننا إزاء تحديث واستحداث مستمرين للمتوخى الكارثي باسمهما !
4
أي مقام قيمي للمرأة، المرأة كجسد، جسد حي، تنويعي في طبيعته، له كينونته المميّزة ، وليس بسواه خارجاً، جسد لا يتنشط أو يشار إليه، بإضافة هي تشغيله بما لا ينتمي إليه قوىً فاعلة مجتمعياً، وتعطيله بقوى من خارجه، تصمته، وقد دُفِع به إلى نطاق واضع اللغة المعرَف به من خلاله كذكَر؟
المرأة الكاتبة، في محكومية التاءين، ما يخرجها إلى حيث يكون لقاء الآخر دون حساب، الآخر اللغوي الذي يصبح مجهول القول، الفعل معلوماً على عتبة سلطته الكبرى. أن تكون كاتبة. أي حيث يكون التطويب الدلالي الفصْلي للاسم موجود مسبقاً، باسم لغة لا يد لها" المرأة " في وضْع ما يخصها قواعدياً، ليكون علم الكتابة بالذات تاريخ كلام يعني الرجل، وتاريخ صمت يعني المرأة. تأريخ الكاتب الذي يدرك صنافة الامتيازات وتراتبيتها التي تبقيه في الواجهة، وتاريخ الكاتبة، حيث " التاء المربوطة " ربْط لقواها على وزن قوى الآخر فيها.
5
تتقاسم العربية" بوصفها لغة " كلَّ ما حولها، وهي ذاتها تُعرَف بما هو مقرَّر فيها وعنها، بوصف العالم صنعة عالَم، إقامة فيه، وبناء له في حدود المرسوم جنسانياً، حيث المواقعية لا تُمَس، لأن اللغة أعدمت كل تشكيك، لأنها جعلت الخارج داخلاً، والداخل علماً لا يُرتاب فيه للخارج ذكورياً. في خاصية التقاسم لما هو موجود، وما يتجاوز الوجود المسمى، ثمة الاسم والفعل. ما يشتق عن الاسم معطوف عليه، ويحمل توقيعاً يحرَص على بقائه وديمومته، لأنه هو الأصل، يكون في فعل " كتب " جهة الكاتب، حيث يتراءى عالَم كامل، هائل، مرهوب الجانب، له تاريخه الحسي، فقه إعرابه وسريان فعله في الجسد المجتمعي وصًفته، وأدواره الوظيفية، وتحولاته الرمزية:من يكون الكاتب: كاتب السلطان، الديوان، السر، الإعلامي، المؤرخ، الناثر، والشاعر نفسه في الواجهة هنا، كما هو المأثور في العربية.
في حركة الاسم، مناقبية التجنيس التي تتكلم المقدّم بنوعه، ليكون الذكر في الحالة هذه هبَة اللغة التي يكون هو نفسها مرجعها القويم.
يأتي الفعل مرفقاً بالاسم.. لا إمكان في الحديث عما يخص الاسم، إلا وهو في سلوكه الفعلي، أو الحركي، أو اللغوي. الفعل يقر بزمانه، بمغزى إعرابه، ما يبقيه في الزمن، ويجعل الزمن حاملاً له كحضور لا يتوقف، حضور قوة، حضور مكانة تمتد به إلى عالم الغيب ز
6
في الحديث عن الهامش، تبرز مفارقة كبرى، مفارقة لا يُنتبه، ولم ينتبًه إليه واقعاً، مفارقة تجلو نوعية الصمت المثابة، والسلطة الرمزية التي جعلته تيمة اعتبارية مدائحية للمرأة، بقدْر التزامها الصمت، وإحاطة جسدها من الداخل بخارج يتهجى القيّم عليه. جهة الحديث عن " التاء المربوطة " وما يأتي ربطاً للقوام، لمقام القول والفعل، لقيمومة مواقعية مسجّلة، ومراقبة ومعاقبَة: كاتبة! ليس من تهميش للاسم هنا، لأن التهميش يشير إلى المتن، إلى ما هو موجود في الملء والفراغ، إلى مساحة جغرافية لا يخطئها النظر، إلى قابلية تحرّي العلاقات التي تسمّي كلاً منهما: المتن والهامش. الهامش في الحالة هذه له ما يُسمّيه من خلال المساحة التي يشغلها، أكثر من كونها حساباً، إنه هندسة معنى لوجود معترَف به، رغم نسبية المقدّر، كصوت مسموع، كأذن تلتقط الإشارات وترد عليها في حدود الموهوب لها مكانة.
ينعدم الهامش القائم كمفهوم مكاني، ليكون التهميش نفسه في الحالة هذه مقلقاً، ولا يخفي خبث الدال" وهو ضال في مسعاه " عما يعطى له وليس له من قيمة تستحق الذكر، إنما ما يجعل من المتن، كمفهوم مجتمعي، ذا مكرمة، وإنصاف يؤخَذ في الحسبان.
لأن الحضور المستمر للاسم يتمحور في داخله، في الطريقة الاصطلاحية وخاصيتها التاريخية: الكاتب، الأصل الذي لا يخفي هويته عملياً. بينما في إضافة " التاء " ليكون الاسم: الكاتبة، فأي براغماتيكية صارخة تضعنا في مواجهة الحاصل؟ أي ضيافة يُشك في حقيقتها، طالما أن " التاء المربوطة " لا تضمن سوية الاسم الحادث، وتمييزه المعتبَر، والمعترَف به، حال الأول: الكاتب.
هكذا ينحو بنا مسلك التحرك في اقتفاء " تاء الفعل": كما في " كتبت " مثلاً. لأن فعلاً كهذا لا يعني إلا ما قام عليه أوله مواضعياً .
7
أي عالم يتشكل بمكوناته المختلفة في منظومة جسد المرأة، وهي في موقع الكاتبة؟
للتاريخ، بما هو مقرّر فيه، بأسماء كتّابه، والذين عرِفوا من خلالهم، وكيف مارسوا أدوارهم، أن يقر، وكما هو متموضع فيه لغوياً، بحقيقة الموسوم داخله. وفي ضوء ذلك، يكون شعورُ المرأة، إحساسها، هاجسها الوجودي، شاغلها النفسي العميق بذاتها !
أي جسد تحمله المرأة، وبصفتها كاتبة، في تاريخ طويل، مقرّر جنسانياً، وبشكل صارخ، وإلى الآن، بما يبقي المرأة رهينة صمت لا يد لها فيه، الصمت الذي ما أن يشهّر حقيقته، لأفصحت اللغة عن رعب الحاصل أو الدائر فيها باسم سلطة مقررة تخص الرجل؟
في الفسحة الساخنة والزلقة والتي تقوم وتمتد، وتتلون بالمخاوف، والإرهاصات، والترقبات، والهواجس المؤلمة، وحتى المميتة، وعالم ما وراء القبر، لا تخفي " التاءان " وزر المصاب، وباسمهما، حيث إنهما بريئتان مما يُسمى من خلالهما: التاء المربوطة، وتاء التأنيث الساكنة، في تاريخ يتجاوز تاريخه، كما تقدم.
أي وجود، يمكن أن يحضر مختلفاً، ومن خلال نوعها" المرأة " ككائن مختلف، كما هي شهادتها الجسدية، وانسكانها بما هو وجودي: كوناً، وطبيعة، وحياة، وهي تعيش هذه المحكومية غير المقرَّرة كمحكومية، إشعاراً بحقيقة هي ذاتها ضحية هذا الإقرار المؤبد فيها؟
لا يصلح قول، للأخذ به تعبيراً مباشراً، حياً، ونابعاً من الأعماق، كما يُسمى، مهما ادعت المرأة أنها تتكلم، وتتنشط بملء حريتها، وأنها تعيش جسديتها، مغايرة لما هو خاص بالرجل، أبعد من المنسوب إلى مزعم الجنسانية، والمنطوق عبْرها، لأن الأرضية التي تكون نقطة بداية، أو شاهدة على تهجئته، وبصدد المرأة، المرأة الكاتبة بالذات، كموضوع مفصلي هنا، هي نفسها مطوبة باسم الآخر: الرجل.
نحن نتحدث هنا، عن فضاء رحب، عن كون، عن حياة تمتد بنا إلى ما وراء الموت، عن مفردات لغة، ليس من واحدة فيها، ومنها، إلا وهي تصرّح أداء دور، أو صوغ معنىً، في إهاب الفاعل اللغوي الجمعي الممثلن ذكورياً !
8
إن كل هذا الكم الهائل من الأدبيات التي تحمل اسم المرأة الكاتبة، وبما تعرَف به وظيفياً، وفي مجتمعها الذي يعرَف بمفهومه الجنساني، ووجه لا يخفي علاماته " الشَّعرية " وجانب السلطة في السمات التي تعلوه، لا يشفع لأي قول من نوع: لقد أصبحت المرأة في الموقع الذي يمنحها؟ " حقوقها " ويؤهلها ؟ لأن تمارس نشاطها، بتلك الشخصية التي تعنيها جسدياً، ويكون لجسدها ما يكون للرجل جسدياً، كتمايز، وما وراء هذا التمايز من حدود فاصلة. لأن العبرة في الواقع المرصود، وتوجهات اللغة ومواقع القوة المجتمعية ومراميها.
في مقدور التاءين، لحظة اعتماد جملة قوى فعلية، وفي واقع يمضي بنا إلى مساءلة من يديره ويسيّره إفادتنا بحقيقة أمره .
9
المرأة الكاتبة، ودلالة الكتابة حرْفياً، ثمة الحديث وباستفاضة عن الكتابة، وهي تحمل اسم المرأة. جسدياً، وكما هو العالم الثري للجسد وميزته، بالنسبة للمرأة هذه، وفي لغة الضاد وخيلاء الذكورة الرماحة فيها، لم يدوَّن كتابُها الفعلي بعد !
10
جِدُوا مخرجاً للتاءين: التاء المربوطة، وتاء التأنيث الساكنة، واسمعوا شهادتهما التليدة والمريعة، تعرفوا المرأة وغيابها المتعمد والقسري عن الوعي لما هي فيه، ولما هي عليه، وطغيان الجنساني في مفاصل اللغة هذه وأهواله. حينها ينكشف الوجود الذي لا يزال في حكم المفقود، لصالح المزكى موجودَ وجود مختزل تماماً !