إبراهيم محمود - النص جسداً ونسيجاً: أيّ تحميل؟

1
ربما بات في حكم البداهة الربطُ بين النص وكلّ من الجسد والنسيج. بدقة أكثر: النظر إلى النص بوصفه جسداً، ونسيجاً كذلك . يمكن التذكير هنا بـ " corps " والذي يسمّي نفسه داخله. والنسيج المتداخل مع النص في الإحالة اللغوية: النص " texte "، والنسيج " tissu "
إن أقرب مثال إلينا وأوضحه في الحالة الأولى، ما انبنى عليه مؤلف رولان بارت" لذة النص: Le plaisir du texte " ، حيث المحسوس حيوي، عضوي، جسمي في الصميم، أي يمكن قياسه واقعاً .
في الحالة الثانية، يمضي بنا النص كتسمية لغوية إلى ما هو مصنَّع في النسيج، كما يجري توصيفه من قِبل جاك دريدا في مستهل " صيدلية أفلاطون "، القسم الثاني، من مؤلَّفه " الانتثار "، ليكون هو نفسه جسماً حياً!
في الحالتين،نجد أنفسنا بين مكون بيولوجي يعنينا، يمثّلنا، ونعرَف به، هو الجسد، بمفهومه الإنساني طبعاً، وما في الداخل من قوى فاعلة في نشأته، وتغيّره، وحتى فنائه بالمقابل،ومكون صنْعي، حِرفي، مادي، لا يعدِم نسبته إلى يد ماهرة، يد يقظة، يد مدركة لما لها صلة به، أي النسيج، وهو في الخارج: ملء السمع والبصر!
الغائب، أو المغيَّب الطارح نفسه سؤالاً في الحالتين: أي صلة قربى بين الحالتين، وحاملهما المشترك: النص، ليكون له هذا الاعتبار المركَّب" داخلاً وخارجاً "، وحيث ينعدم التجنيس هنا وهناك؟ ثمة مراوغة في البنية!

2
في مجمل المتردد باسم النص، وبناء عليه، ورجوعاً إليه كذلك، يعوَّل على الجسد، بالمقرَّب منه إنسانياً، تنويراً لمفهوم يحوز كل ما جري ويجري تسطيره، وله معنى: النص، ويتكلم بالمعزز به جسدياً، ولكنه التعويل الذي يخفي طابعه التجنيسي. أي جسد هذا الذي يُسمى، وفيه هذه القوى التي تتراءى نصاً، والنص غفل عن اسم الفاعل والمفعول فيه، على صعيد المكون الاجتماعي، التاريخي، والثقافي بالجملة. ثمة هلامية، أي ما يخفي في الجسد حضوره المشخص كنوع، كمكانة محمولة بمرجعها الاجتماعي، بصمة تلفت النظر إلى المودَع في شمولية المسطور، أو المتصوَّر جسدا، وله اسمه، هيئته، صوته وصمته معاً.
أي نسيج، في الخارج، في صفة صنعته: مادته، وآلة جعله ثوباً، وجهة المكتسي وموقعه القيمي؟
لا فصل في النطاق السيميائي بين الجسد والنسيج، لحظة ترابطهما عبر النص. ففي كل منهما ثمة ما هو مساماتي، قادر على منح مكوّنه الحياة التي تتناسب وحيويته في الداخل، والنسيج متصوَّر جلد بمسامات، يتشرب حبراً، أو يكتسب لوناً عبر عملية امتصاص، دون تجاهل حركية اليد وخاصيتها الجنسانية .

3
هل يمكن الحديث عن النص، جسداً، أو نسيجاً، دون سؤال الشاغل له، ومميّزه في المحرّك النوعي هنا؟
هل كان يدور في خلَد بارت- دريدا، سؤال له وجاهته في إدارة شئون الجسد/ النسيج، معرَّفاً بجنسانيته؟
أليست الجنسانية كعلامة تفريق، كفراغ مطلوب، لرؤية المختلف، قيمته، مؤثرة في تلوين النص ؟
للجسد أن يُسمّي نفسه، أن يضع خريطة قواه الحية، أو طاقته الإيروسية بدالتها الحياتية، ومواجهتها لما هو مهلِك" أو ثاناتوسي "، أن يسرد تاريخاً يحمل توقيعه، لكن الذي يستحيل تجاهله، هو عدم تجاهل موقعه في التجنيس، أي كفاعل ذكوري. أتراه بارت كان في غفل عما تقدم في الجسد وهو يسهب في الحديث عن لذات النص/ الجسد أو متعه، أي عما يجلوه خارجاً، بالإفصاح عن مركّبه الثقافي، وعما يستبطنه مردود َ فعل ؟
أتراه دريدا، وهو ينير العلاقة على صعيد ثنائية اللغة: الشفاهية والكتابية، أو في الصوت والصمت، حيث يتواجه سلطوياً، قرباً وبعداً، وفي سرود متداخلة: كلٌّ من الأب والابن، غير مدرك للصوت الذي لا ينبغي تصميته، وهو يشغل الجسد، أو النص هنا، حيث اليد لسان فاعل تفعيل أثر في نسيج لا يطرَح دون تسمية؟
كيف لجسد أن ينبري بمقتضى متخيل مغر ٍ،هو تمثيله لنص، لنص، حيث يحفّز قوى تترى، بهيئة الجسد، دون إقامة فصل بين لائحة القوى الفاعلة، وتصارعاتها في المتن/ صميم الجسد؟
أفي مقدور النسيج الذي يتشرب حبراً، وبملامسة يد لا تخفي نوعيتها، أن تحجب الاسم الذي يقف وراءها؟
4
أن يكون النص جسداً ونسيجاً، هو احتكار لكل من الداخل والخارج. إنما أي قبعة إخفاء قادرة على نفي طبيعة الصوت، أو الهيئة العضوية الدالة على نوعه، أي حيلة يمكنها أن تفلح في حجب اللمسة الماضية في النسيج؟
بالطريقة هذه، لا يعدو تاريخ الجسد إلا هذا الموجَّه فيه بما يبقيه سيداً، متسيداً، أمثولة حاضرة في تجنيس القيم التي عرفناها مذ كان وعيه بنفسه،تنسيباً لا يقبل الشك، إليه. وليكون للنسيج وضع الرديف في المكاشفة.
ليكون تاريخ النص بوصفه جسد تاريخ قهره لقواه، وانضباطها من هذا المنظور المهيمِن، تاريخ التواطؤ بين المسمى بـ" اللوغوسنتريسم " و" الفالوسنتريم "، ومن باب تقريب المشهد الرحال في الذاكرة الجماعية إجمالاً: تاريخ التواطؤ السعيد والمحتفى به في سرديته الكبرى جنسانياً هنا وهناك، بين المطروح بعلامته الفارقة عقلاً/ لوغوساً، أو نفسه " لوجيك: المنطق بمأثرته المسواقة يونانياً ، مسمىً ذكورياً، وما يتباهى الرجل، من موقع الفحولة، في مشهدية مفتوحة على مدار الساعة، وليكون تاريخ الجسد، جسد المرأة معرَّفاً به، مخصياً في قواه، وما في ذلك من تحوير لعالمه الداخلي، أي أنوثة تعدَم قيمتها، بما أنها تفتقر إلى المشهَّر به ذكراً.
أي نص ينظَر فيه، وهو مدشَّن بنية وتركيباً، ومن خلال لغة يُحتكَم إليها، بعيداً عن هذه الحيازية القاهرة؟
5
أي نوع ِ نص يسمى، في هذا التقابل بين " برجوازية ذكورية رثة "، و" بروليتاريا أنثوية مختزلة"تاريخياً؟
6
في مقدور أي كاتب/ كاتبة، شحْن متخيله"ـها " بتلك القوى التي تسهم في تسطير نص، يلتقي فيه الاجتماعي، السياسي، الاقتصادي، النفسي، والفكري، حيث الانتماء أو التنسيب القهري إلى تينك الفئتين، وبينهما تاريخ لا يُعتد به، بما أنه يفتقر إلى ذاكرة تعزّز فيه قوى الانتماء إلى الحياة، فالآتي، والسعي إلى جعله واقعاً ؟

7
في مواجهة جسد يعيش يباب المعنى، أيْ نص محكوم بمواته، ما أكثر الرجال الذين لا يكفّون عن التلويح بذكورتهم، وما أقل الرجال الذين يُهان فيهم الإنسان الوحيد القادر على تفعيل الحياة فيهم. ما أكثر النساء اللواتي لسن سوى النساء بالمواصفات التي ارتآها رجالهن، وليس الإنساني الذي يعزّز الحياة بهم معاً .
8
في العودة إلى النص: الجسد، النسيج . لا يُتطلَّب من النص أن يحدد محتواه. تكفيه قواه الدالة على تنوعها، لمعرفة مدى استحقاقه لأن يقرَأ، أو يُصغى إلى صمته الداخلي، وتذوق جماله الذي به صيرَ نصاً .
9
في أي عملية فصل بين المرأة والرجل، وفي المنحى الجنساني، من قبل الكاتب، وهو لا يخفي توتره، أو قلقه، أو زعم حرصه على سوي مجتمع، نكون إزاء إيغال في الجرح الملتهب، وتعميق مأساته، لأن كل إجراء من هذا النوع يتشكل خطاباً إيعازياً، وليس رفْد معرفة تسمّي عمقاً، دون أي إشارة مباشرة .
10
أنا على يقين تام، أن ليس هناك ما هو أكثر إيلاماً وتعسفاً من الدور المعطى لعلامات الترقيم، التي تتقاسم أي نص، محوّل جسدي، أو مزكّى نسيجي. كونها تمارس تقطيعاً للفكرة المركَّبة التي استولدت نصها. وفي الوقت نفسه تفصح عن خوف قائم، مأخوذ به مسبقاً، جهة جنسانية النص. البعثرة تمثيل بالنص، بجسده، وصاية ضاربة على القارىء أو من يطلب علماً بالطريقة هذه، ومحاولة تأطيره لجعله في مستوى المركَّب نصاً.

11
ليس هناك نص، ومن خلال اللغة التي رأى بارت أننا مغمورون بها، كما لو أنها رداءنا الذي يخفي عرينا الذي نتهرب منه، وعرينا الذي يمارس تفريقاً بحدوده الطبيعية بيينا رجالاً ونساء، وما لذلك من حيوات، من تعددية أصوات، ومن اختلاف مواجع وامتداد جهات، بما أن اللغة هي صنعة أيدينا المؤنسنة بمعايير تسويقية تتججاوب مع رغباتنا الموجهة، وقيمنا التي تتنفس أهواءنا وقوانا التي تؤطرنا في الداخل.
لا نص إلا بلغة لم يحن أوانها بعد، لتكون اللغة التي تبصر من الجهات كافة، محررة من وطأة الجنسانية التي تصيّر جسد المرأة، وبأكثر من معنى " وطئاً " لرجل محكوم بذكورة تستبد به عملياً.
لا شأن للجسد، للنسيج، بما يخص النص، ولا بأي اعتبار، إلا بولادة فعلية ، وهي في حكم المجهول زمنياً!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى