محمد علي - رسالة اليوم الحادي عشر من رحلة الصمود إلى غزة

محمد علي - نائب بمجلس الشعب التونسي وناشط مدني

الان وهنا لحظة حاسمة في تاريخ النضال السلمي فلا تضيعوها: ادعموا، تكلموا، املأوا الدنيا ضجيجا

اليوم تقترب سفن أسطول الصمود اكثر وأكثر من شواطىء غزة رغم كل العواصف والتهديدات الصهيونية لتبدأ الاختبارات الحقيقية للأسطول في محاولة فرض قناعات إنسانية على كيان همجي ومتغطرس
في بحرٍ ظنّه البعض صامتًا، تحرّكت سفن صغيرة، لكنها مثقلة بالمعاني والرسائل لتُعيد إلى المشهد الإنساني قضية ظنها كثيرون قد غرقت في زوايا الإهمال العالمي: غزة المحاصَرة.
جاء “أسطول الصمود” لا باعتباره حدثًا بحريًا عابرًا، ولا تحركًا إغاثيًا محضًا، بل كجزء من نضال سلمي عالمي الطابع، يختبر قدرة الفعل الشعبي المدني على التأثير، ويعيد مسائلة العالم عن صمته الطويل أمام حصار مستمر يُشكّل جريمة جماعية بكل المقاييس.

1759062289772.png

ما حققه هذا الأسطول لم يكن ماديًا فقط بل امتد إلى تفكيك الرواية الدولية المتواطئة وإحياء روح التضامن الشعبي، وفضح التواطؤ المستتر خلف خطاب “الحياد” و”السيادة”. لقد أثبت “أسطول الصمود” أن السُفن الصغيرة حين تحملها إرادة الشعوب تستطيع أن تهزّ أسس الشرعية الزائفة لأنظمة القمع والحصار.
الأسطول حتى قبل أن يصل كان قد وصل: إلى العقول وإلى الضمير الإنساني وإلى مراكز الإعلام وإلى دوائر القرار وإلى الشارع الشعبي العربي والغربي على حدّ سواء. وهنا تكمُن أولى مؤشرات النجاح: تحويل الحدث من مجرّد اسطول إلى منصة لإعادة طرح قضية غزة كجريمة أخلاقيةً لا فقط كقضية تقرير مصير .
لا يمكن فهم نجاح “أسطول الصمود” بمعزل عن تجربة التاريخ الإنساني في النضال السلمي، حيث كانت هذه الطريقة من المقاومة ركيزة أساسية لتغيير أنظمة قمعية استبدادية او أنظمة ميز عنصري. فالتاريخ الحديث مليء بالمحطات التي أثبتت فيها الإرادة الشعبية المسنودة بالقوة الأخلاقية والالتزام السلمي قدرتها على النصر رغم جبروت الظلم.
على سبيل المثال، تجربة المقاومة السلمية التي قادها المهاتما غاندي في الهند ضد الاستعمار البريطاني حيث استخدم سلاح المقاطعة والاعتصامات والمسيرات السلمية كوسيلة فعالة لكسر سيطرة إمبراطورية عظمى. كانت تلك الممارسات سلاحًا أخلاقيًا وسياسيًا هزّ أركان الاحتلال وأجبره على التفاوض والانسحاب.
وكذلك تجربة حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة بقيادة مارتن لوثر كينغ التي حطمت نظام الفصل العنصري بوسائل سلمية مثل الاعتصامات والمسيرات السلمية مع تركيز على القوة الرمزية للكلمة والأمل. هذه الحركة أعادت تعريف مفهوم المقاومة وأثبتت أن النضال قد لا يحتاج إلى العنف ليُحقّق نتائج جذرية.
كما أن تجربة نيلسون مانديلا وحركة مكافحة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا رغم ما حملته من مراحل من النضال المسلح إلا أن الفترة الأهم كانت تمثلت في النضال السلمي الديبلوماسي العالمي الذي فرض عزلة سياسية واقتصادية قاسية على نظام الفصل العنصري مما دفعه للاستسلام.

1759062377790.png


هذه النماذج وغيرها تؤكد أن النضال السلميً حين يتسم بالوضوح والشرعية الأخلاقية والتنظيم الجماهيري يمكنه أن يفضح أنظمة القمع ويكسر حصونها السياسية والإعلامية حتى لو استمر الظلم لسنوات طويلة.
وبالعودة إلى “أسطول الصمود”، يمكننا القول إن هذه القافلة البحرية تأتي في سياق تاريخي طويل للنضالات السلمية التي أثبتت أن الحق والعدالة قادران على اختراق حصون القوةً مهما بدت منيعة. فالأسطول يمثل امتدادًا معاصرًا لهذه الإرث النضالي موجهًا رسالة للعالم أن الحصار ليس فقط سياسة أو أمنًا بل جريمة أخلاقية يجب كسرها.
في حالة “أسطول الصمود”، تجلت هذه المبادئ بشكل واضح:
• من حيث السردية، فقد خاض الأسطول معركة ذكية ضد الرواية الأمنية التي طالما استخدمها الاحتلال ومناصروه لتبرير الحصار. لقد قدّم صورة مغايرة: نشطاء من دول متعددة متعددي الخلفيات وعُزّل من السلاح ولا يطلبون سوى فك الحصار عن المدنيين، ففضح الخطاب الذي يختزل كل فعل مقاوم في “خطر أمني”.
• من حيث إعادة إنتاج التضامن العالمي، فقد نجح
الحدث في كسر عزلة غزة الإعلامية والسياسية وربطها مجددًا بشبكات نضال أممية تشمل حقوق الإنسان والعدالة المناخية ورفض الاستعمارً والمقاطعة الأخلاقية وغيرها. لقد باتت غزة من جديد رمزًا ضمن منظومة أوسع من حركات الكرامة لا مجرد “منطقة مقاومة مسلحة”.
• من حيث الضغط الأخلاقي والدبلوماسي، فقد وضع الأسطول الحكومات أمام امتحان قاسٍ. هل ستقف مع قافلة سلمية تطالب برفع الحصار؟ أم تصمت – أو تتواطأ – لحسابات سياسية واقتصادية؟ لقد أحدث هذا التحدي خرقًا في جدار الصمتً وفتح الباب أمام ضغوط شعبية متصاعدة لمساءلة الموقف الرسمي في عواصم عربية وغربية على حد سواء.
ما نعيشه الآن ليس مجرد حدث عابرً بل لحظة تاريخية نادرة تشعّ بالرمزية والقوة الأخلاقية. “أسطول الصمود” ليس مجرد قافلة بحرية بل عنوانٌ لتحوّلٍ في الوعي ورايةٌ مرفوعة في وجه الحصار ورسالة موجهة إلى كل من لا يزال في موقع الانتظار أو الترقب: التحقوا الآن، قبل أن يُغلق باب الشرف.
لقد فتحت هذه اللحظة التاريخية نافذة استثنائية للمشاركة الفعالة. لم تعد المسألة تحتمل الصمت ولا التردد. إنها لحظة فاصلة بين من ينتمي إلى ضمير الإنسانية، ومن ينتمي إلى جمهور المتفرجين.
فإلى المؤسسات: هذه فرصتكم لتثبتوا أنكم لستم حياديين في وجه الظلم.وإلى النقابات والأحزاب: أنزلوا موقفكم من البيان إلى الميدان.وإلى الشعوب: هذه لحظتكم لا تتركوها تمر.وإلى الكتاب والمثقفين: الكلمة الآن سلاحً فانصروها.وإلى الإعلاميين: غطّوا الحقيقة كما هيً لا كما تُملَى.
هذه ليست قافلة فقط، بل اختبار ضمير.
ومن لا ينضم إليها، يختار – بوعي أو بدون – الاصطفاف مع حصار جائر يُجَوِّع الأطفال، ويخنق الأمل، ويمنع الحياة.
انحازوا الآن. ادعموها الآن فربما لن تتكرر هذه اللحظة قريبًا لكن موقفكم منها سيبقى شاهدًا لا يُنسى.
ورغم ما تحقق حتى الآن من مكاسب ملموسة، فإن ما جرى يجب ألا يتحوّل إلى شعور بالرضا أو الاكتفاء.
النجاح الرمزي والإعلامي والسياسي الذي أحرزه “أسطول الصمود” هو بداية لا نهاية. بل إن التفاعل الكبير والغضب الدولي واهتمام الشعوب يفرض مسؤولية مضاعفة على كل الأحرار، عربًا وغربا، دولاً ومؤسسات، كي يغادروا مواقع الصمت والفرجة، وينتقلوا إلى موقع الفعل المباشر والدائم
فرغم هذا التقدم، لا بد من تحذير حقيقي من أن يتحول هذا النجاح الأولي والمبدئي إلى لحظة احتفائية عابرة. فالحصار لم ينتهِ، بل ما زال قائمًا بكل قسوتهً والآلة التي اشتد ارتباكها امام عزلة غير مسبوقة قادرة على الالتفاف إن تُركت بلا رقابة وبلا ضغط وبلا فعلٍ متواصل. وهنا، بالضبط، يأتي التحدي الأهم.
ليس مطلوبًا الاحتفاء بل البناء،وليس الوقت وقت الرضا بل وقت الحشد والتوسيع والتصعيد المدني.
إن أهم ما فعله “أسطول الصمود” أنه كشف عن قابلية العالم للاستجابة حين يُوجَّه له خطاب عادل، وواضح لا يخضع لحسابات السياسة الواقعية. لكن هذه القابلية تحتاج إلى تحويلها إلى حركة دائمةً لا لحظة موسمية.
فالأسطول، مهما بلغ صداه، لن يكون كافيًا ما لم يُتبع بمزيد من حملات إعلامية طويلة النفس، توثق الجريمة وتكشف التواطؤ، ومبادرات قانونية وحقوقية لملاحقة الحصار كممارسة دولية مجرّمة، وتحرّكات دبلوماسية وشعبية في العواصم المؤثرة،وتعبئة عربية داخلية تُجبر الأنظمة على اتخاذ موقف، وأخيرًا تحشيد أممي حول رؤية بديلة لفلسطين كقضية تحرر وطني، لا فقط قضية إنسانية طارئة.

1759062433900.png

“أسطول الصمود” ليس مجرد رحلة بحرية بل إعلان نضالي متكامل مفاده أن البحر لا يُحاصر،
وأن الشعوب حين تقرر تُرغم السياسات على التراجع.
لكن هذه الموجة يجب أن تتبعها موجات، وإلا سيبقى الحصار قائمًا، وسيُسجَّل ما حدث في أرشيف اللحظات الجميلة المنفصلة عن نتائجها،فنحن أمام فرصة، ولحظة، وقوة دفع، لكنها تحتاج إلى وعي استراتيجي لا عاطفة آنية.
وكما لم تُقهر شعوب الهند، ولم تُسكت أصوات الأمريكيين من أصول إفريقية، ولم يُنقذ النظام العنصري في جنوب إفريقيا حلفاؤه،
فلن يُقهر صوت غزة.،ولن يُحاصر البحر،ولن يسكت التاريخ عن صمت المتواطئين.


28 سبتمبر 2025

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى