محمد علي - رسالة اليوم الثاني عشر من رحلة الصمود إلى غزة: خطوات عن غزة ومازلنا وما زالت تحتاج دعمكم

محمد علي - نائب بمجلس الشعب التونسي وفاعل جمعوي


من عرض البحر، من حيث لا تُرى الحدود ولا تُسمع سوى أصوات الريح نكتب إليكم ونحن نواجه المجهول بأيدٍ عزلاء وقلوب
مملوءة بالإيمان…

من على ظهر سفينة “أنس الشريف”، إحدى سفن أسطول الصمود المتجه إلى غزة، نحمل على عاتقنا رسالة لا تموت: أن لا نكون صامتين في زمن يُذبح فيه العدل ويُحاصر فيه الإنسان.
كل ميل بحري نقطعه الآنً هو تحدٍّ مفتوح في وجه القهر وصرخة في وجه التواطؤ.لسنا مجرد سفن محملة بمساعدات إنسانية،نحن شهود على مرحلة سوداء من الصمت الدولي، نُبحر في وجه العجز الذي صارت له مؤسسات وقوانين وخطابات محسوبة بعناية كي لا تزعج المحتل.
لكننا، في أعماق هذا البحر، نحمل روايات أولئك الذين لم تصلهم النجدة نحمل دموع أمهات تستغيث، وأصوات أطفال كيصرخون تحت الأنقاض، ولم يجبهم أحد.


1759129623192.png

أتذكرون تلك الليالي عندما قصفت الطائرات مدارس كانت تأوي عائلات نازحة؟صرخ الأطفال : “يا عالم، ألحقونا!.لم يصلهم أحد.غُطيت جثثهم الصغيرة في فناء المدرسة ولم تصل أي سفينةولا تحركت أي عاصمة.
أتذكرون اليوم الذي قصف فيه مستشفى الشفاء،
كان الأطباء يجرون العمليات على الأرض في الظلام دون تخديرً لأن العالم اختار أن ينظر إلى الجهة الأخرى.
المولدات توقفت والأجهزة الطبية تعطلت والجرحى قضوا لأنهم لم يجدوا حتى حقنة مورفين.
في تلك اللحظة، لم نكن بحاجة إلى تنديد كنا بحاجة إلى تحرك.
وهكذا، مرة تلو أخرى، يتركون وحدهم.يُترك أهل غزة وحدهم، يصمدون بأسنانهم، يُعيدون بناء ما يُهدم، ويزرعون الحياة في الركام.لكنهم – صدقونا – تعبوا من الصبر.
تعبوا من الصمت الدولي ومن ازدواجية المعايير ومن “الحياد” الذي لا يقتل فحسب بل يُبرر القتل.
ورغم كل هذا التخاذل الرسمي لا يمكننا أن نتجاهل بوادر الأمل بل المعجزات الصغيرة التي بدأت تتشكّل في أفق هذه المعركة الطويلة.لقد رافقت أسطول الصمود، والقضية الفلسطينية عمومًا، صحوة استثنائية – خاصة في الغرب – لم تكن متوقعة بهذا الزخم.

1759129754237.png 1759129798084.png

لأول مرة منذ عقود تتحول فلسطين إلى قضية رأي عام حقيقية لا تقتصر على دوائر التضامن التقليدية بل تتوسّع لتشمل طلاب الجامعاتً وأساتذتها ونقابات العمال ومنصات الفن ومؤثري الثقافة.
شاهدنا الجامعات الأمريكية الكبرى تتحول إلى مخيمات دعم لغزة وشاهدنا موظفين غربيين يستقيلون من مؤسساتهم رفضًا للتواطؤ وشاهدنا إعلاميين يخرقون الصمت المهني ويستقيلون من مؤسسات إعلامية مرموقة ليقولوا: “كفى!”،ورأينا مظاهرات بمئات الآلاف في عواصم أوروبية ترفع العلم الفلسطيني لا بوصفه رمزًا للضحية بل رمزًا للمقاومة والصمود.
هذه الصحوة ليست مجرد موجة عابرة إنها تحوّلٌ ثقافيٌّ وأخلاقيٌّ عميق يعيد بناء السردية ويفضح اختلال المعايير ويُربك حسابات القوى التي لطالما اعتادت تزييف الصورة.
ونحن – من على متن هذه السفينة – نوجّه التحية لكل أولئك الذين تحركواً وصرخوا وكتبوا وتحدّوا موازين القوى الحالية الظالمة:أنتم لستم بعيدين عنا أنتم معناً في هذا البحرً وفي هذه الرحلة وفي هذه القضية وأنتم جزء من هذا الأسطول ولو لم تكونوا على متنه.
إلى البرلمانات والإعلام والنخب: أنتم شركاء في الجريمة:
لم يعد في الوقت متّسع للمجاملات ولا مكان للّغة الناعمةً لقد بلغنا مرحلة لا يصلح فيها إلا الكلام الواضح والصارخ.
البرلمانات العربية؟
أنتم لا تمثّلون شعوبكم بل تُمثّلون عليها.صمتكم جريمة وتقاعسكم تواطؤ وتكرار البيانات الجوفاء لم يعد يُخدع به أحد.أنتم تُموّهون خذلانكم بعبارات دبلوماسية فارغة في وقت يُذبح فيه شعبٌ بأكمله أمام كاميرات العالم.
أي برلمانات هذه التي لا تحرك ساكنًا وقد سُحق شعبا بأكمله وجوع وحوصر ؟
أين اللجان؟ أين المداولات الطارئة؟ أين جلسات الاستجواب والمحاسبة؟كلها غائبة، لأن الضمير مات أو نُفي.
لا فائدة من مقاعد تُرفع عليها الأيدي للموافقة على صفقات وميزانيات ومشاريع قوانين وفصول ومراسيم بينما تُكبل أيدي أطفال غزة تحت الركام.

1759129696053.png

وأنتم، في وسائل الإعلام الكبرى، لا تتحدثوا عن “القيود التحريرية” و”الخطوط الحمراء”.
لقد صرتم أنتم الخط الأحمر أمام الحقيقة.
أنتم لستم صامتين فقط، بل تساهمون في صناعة الأكاذيب وتروّجون لمعادلات مختلّة تساوي بين القاتل والضحية.أنتم تنقلون صوت الاحتلال بحرفية عالية، وتدفنون الرواية الفلسطينية باسم “الحياد”.
أنتم سلطة، نعم، لكنكم صرتم سلطة جبانة وخانعة ومروّضة وسكوتكم عن المجازر لا يُغتفر.
إنكم لا تكتفون بعدم نقل الحقيقة، أنتم تساعدون في طمسها.
أما أنتم، يا من وصفتم بالمثقفين والنخب، فقد سقط أغلبكم سقطة مدوية في لحظة تاريخية فارقة.
أنتم من صاغ المصطلحات، وأنتم من نظّر للمقاومة،نخ وأنتم من قرأ التاريخ جيدًا،ثم آثر أكثركم أن تكونوا مجرد متفرجين أنيقين تجلسون على الأرائك وتغرقون في التحليل البارد بينما البيوت تهوي على رؤوس ساكنيها.
أين أنتم؟
هل اختفت مفرداتكم؟ هل أصاب أقلامكم الجفاف؟ أم أنكم تنتظرون أن تتضح “الصورة النهائية” كي تكتبوا بأمان؟
صمتكم لا يُفسَّر إلا بالخوف أو التواطؤ.
من يملك الكلمة ولا يقولها خانها.
من يرى الحقيقة ويسكت خانها.
ومن ظن أن “الحياد” في مجازر الشعوب موقفٌ ناضج فليعلم أن التاريخ لن يغفر له.
نقولها بوضوح وبلا تحفّظ أنتم في كل مواقعكم وبكل تخلّيكم لستم فقط متخاذلين أنتم شركاء في الجريمة.
رسالتي إلى من يقرأ:
غزة لا تحتاج دموعك بعد القصف،
ولا منشورك المتألم بعد أن تفوت الفرصة.
غزة تحتاجك الآن.
في لحظة القرار.
في لحظة الصمود


‎29 سبتمبر 2025

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى