محمد علي - نائب بمجلس الشعب التونسي وناشط حقوقي
على بُعد ساعات من شواطئ غزة
غزة، التي لا تغيب عن ضمير الأحرار، تترقب في هذه الساعات الحرجة سفن تبحر نحوها من قلب الضمير العالمي. سفن صغيرة الحجم، عظيمة الرسالة، تتحرك بثبات نحو شواطئها المحاصَرة، رغم التهديد، ورغم التجاهل الرسمي من أغلب العواصم، ورغم الذاكرة المؤلمة التي تحمل أسماء الشهداء الذين قضوا في عرض البحر من أجل أن يصلوا إلى غزة فقط، لا أكثر.
ساعات تفصلنا عن لحظة مفصلية قد تُعيد تشكيل المزاج الشعبي الدولي تجاه القضية الفلسطينية، وتعيد فتح جراح العدوان، وتضع الكيان الصهيوني أمام امتحان جديد، وفضيحة دولية أخرى في حال ارتكب جريمة جديدة أمام أعين العالم.
أولاً: إرث البحر وذاكرة الدم
لا يمكننا أن نتحدث عن هذه السفن والأساطيل دون العودة إلى الذاكرة الممهورة بالدم والبطولة.
في عام 2010، أبحرت سفينة “مافي مرمرة” من تركيا باتجاه غزة ضمن “أسطول الحرية”، وعلى متنها مئات النشطاء من عشرات الجنسيات، محمّلين بمساعدات إنسانية ورسالة سياسية واضحة: ارفعوا الحصار عن غزة.
لكن الاحتلال لم يكن يرى في هذه السفينة أكثر من “خطر يجب احتواؤه”.فهاجمتها قوات الكوماندوز البحرية الصهيونية في المياه الدولية، وأطلقت النار الحيّ على متضامنين عزل، ما أدى إلى استشهاد عشرة نشطاء، واعتقال من تبقى، في جريمة لم تُحاسب عليها العصابة الصهيونية حتى اللحظة رغم الإدانات الدولية.
ورغم قسوة ما جرى، لم تتوقف السفن والقوارب وتوالت المحاولات عبر السنوات، بعضها تم اعتراضه، وبعضها تم منعه في اللحظات الأخيرة، لكن الشعلة لم تنطفئ، وها هي تعود اليوم، في هذا الوقت الحرج من العدوان الشامل، لتقول للعالم من جديد:غزة ليست وحدها.
ثانيًا: تصاعد الضغط العالمي
لا يخفى على أحد أن العدوان الهمجي الحالي على قطاع غزة الذي بدأ منذ سنتين بات عارياً أمام الرأي العام العالمي.
جرائم الإبادة الجماعية واستهداف المستشفيات والمدارس ومنع دخول الدواء والغذاء والماء – كلها باتت موثقة بالصوت والصورة، لا تحتمل تأويلاً ولا تبريراً.ومع ذلك، لا تزال المواقف الدولية – حتى اللحظة – تتراوح بين الإدانات الشكلية والتصريحات المنمقة دون أن تترجم إلى خطوات حقيقية لردع الاحتلال رغم التحسن الكبير في هذا الإطار
مع اقتراب هذه القوافل من شواطئ غزة، تتزايد الأصوات المطالبة بحمايتها. هناك ضغط شعبي واضح في عدة دول، خصوصاً من قِبل منظمات المجتمع المدني، والنقابات، والمنظمات الحقوقية والبيئية.
لكن تبقى المخاوف مشروعة: هل تملك هذه الأصوات القدرة على التأثير على صانع القرار الرسمي؟ هل هناك إرادة دولية لمنع جريمة بحرية جديدة؟
أم أننا سنشهد تكرار سيناريو الإدانة بعد فوات الأوان؟
ثالثًا: شجاعة المبحرين.. حين يكون الجسد درعًا
أمام هذه القوافل، لا توجد حماية عسكرية، ولا ضمانات أممية، ولا تغطية ناجعة من أساطيل دولية.
السلاح الوحيد الذي يحمله أولئك المبحرون هو قناعتهم الأخلاقية، وعزمهم على أن يتحولوا إلى شهود أحياء – أو شهداء – من أجل قضية الشعب الفلسطيني.
على متن هذه السفن، هناك أطباء، وبرلمانيون، وصحفيون وناشطون من كافة الخلفيات تركوا أوطانهم وأعمالهم وأسرهم وركبوا البحر لأنهم لا يستطيعون الصمت بينما يُقتل شعب بأكمله خلف الجدران والأسلاك.
إنهم ليسوا مغامرين إنهم أصحاب ضمير.
والمجتمع الدولي، إذا كان حريصاً على قيم الحرية والكرامة، فليحمِ هؤلاء، وليجعل من حركتهم لحظة يقظة لا لحظة ندم.
من السيناريوهات المحتملة:دروس من البحر
مع اقتراب لحظة الوصول، تتعدد السيناريوهات المحتملة، وكلها مرهونة بمدى تهوّر أو رضوخ الاحتلال، وبقدرة العالم على الضغط الحقيقي.
نستعرض هنا السيناريوهات الثلاثة المتوقعة بناءً على التجارب السابقة:
1. السيناريو العسكري الدموي – تكرار “مافي مرمرة”
هذا هو أسوأ السيناريوهات وأكثرها خطورة.
أن تتعامل قوات الاحتلال مع هذه القوافل على أنها تهديد أمني، فتقتحمها بقوات كوماندوز، وتستخدم الرصاص الحي لترويع واعتقال النشطاء، أو حتى تعمد إلى إغراق السفن أو استهدافها بصواريخ أو ألغام بحرية.
هذا ما جرى في مافي مرمرة، حين هاجمت قوات الاحتلال السفينة في عرض البحر وقتلت الكثير من النشطاء ثم روّجت روايات كاذبة عن “أسلحة مخفية” و”مقاومة عنيفة”، رغم أن كل التقارير الدولية أثبتت عكس ذلك.
تكرار هذا السيناريو اليوم سيكون كارثة سياسية وأخلاقية للاحتلال، لكنه ليس مستبعداً في ظل العقلية المتطرفة المسيطرة عليه خاصة وأن الكيان يعيش حالة هستيرية من العزلة والعداء مع المجتمع الدولي.
2. السيناريو التقني – التشويش والإعاقة دون مواجهة مباشرة
في هذا السيناريو، يلجأ الكيان إلى أساليب غير دموية لكنها فعالة في تعطيل القوافل.
وتشمل هذه الأساليب:التشويش على أجهزة الملاحة وقطع الاتصالات وإطلاق زوارق بحرية لتطويق السفن وجرّها إلى ميناء “أسدود” بالقوة وممارسة التهديد عبر مكبرات الصوت والطلقات التحذيرية.
هذا السيناريو سبق أن استخدم في أكثر من محاولة إبحار خلال الأعوام الماضية، حيث تم إرغام السفن على التراجع أو اقتيادها دون إراقة دماء، ثم ترحيل الناشطين بعد التحقيق معهم.
رغم أنه يبدو أقل دموية، إلا أنه لا يقل خطورة، لأنه استمرار للحصار، ومنع لوصول الإمدادات، وخرق واضح للقانون الدولي البحري، خاصة أن السفن لا تحمل سلاحًا، ومهمتها إنسانية بحتة.
3. السيناريو السياسي – التراجع أمام الضغط وتحييد القوافل
وهو السيناريو الأفضل نظريًا، والأقل احتمالًا عمليًا ما لم يُمارَس ضغط دولي حقيقي وهو أن يضطر الكيان الغاصب إلى السماح بوصول السفن، أو على الأقل إلى عدم اعتراضها، خشية رد الفعل العالمي، خصوصًا ان القوافل تضم شخصيات اعتبارية من عشرات الدول ومن مختلف القارات.
في هذه الحالة، قد يُسمح للقوافل بالرسوّ على مقربة من شواطئ غزة، أو تسليم المساعدات إلى الهلال الأحمر أو إلى ممثلي الأمم المتحدة داخل القطاع، كنوع من “الاحتواء الإعلامي”.
ورغم محدودية المكاسب الفعلية، إلا أن رمزية وصول القوافل ستكون انتصارًا كبيرًا لروح المقاومة المدنية السلمية، وستُحرج الاحتلال أمام العالم.
في هذه اللحظات الحرجة، نقول بوضوح: العد التنازلي قد بدأ.والمطلوب منّا – كبرلمانات، ومؤسسات وشعوب أن نكون حاضرين قبل وقوع الفعل، لا بعده.
لا نريد بيانات إدانة بعد المذبحة، بل تحرّكًا دبلوماسيًا وشعبيا وحقوقيا واعلاميا يمنع المذبحة.لا نريد بكاءً على الشهداء، بل وقوفًا إلى جانبهم وهم أحياء، وهم في عرض البحر، يواجهون عنجهية كيان لا يعرف قانونًا ولا رحمة.
لكل المبحرين نحو غزة:
أنتم في عين التاريخ.
وسيكون احرار العالم صوتًكم حتى تصلوا.
أو سيحاكمون من منعكم أمام ضمير العالم
على بُعد ساعات من شواطئ غزة
غزة، التي لا تغيب عن ضمير الأحرار، تترقب في هذه الساعات الحرجة سفن تبحر نحوها من قلب الضمير العالمي. سفن صغيرة الحجم، عظيمة الرسالة، تتحرك بثبات نحو شواطئها المحاصَرة، رغم التهديد، ورغم التجاهل الرسمي من أغلب العواصم، ورغم الذاكرة المؤلمة التي تحمل أسماء الشهداء الذين قضوا في عرض البحر من أجل أن يصلوا إلى غزة فقط، لا أكثر.
ساعات تفصلنا عن لحظة مفصلية قد تُعيد تشكيل المزاج الشعبي الدولي تجاه القضية الفلسطينية، وتعيد فتح جراح العدوان، وتضع الكيان الصهيوني أمام امتحان جديد، وفضيحة دولية أخرى في حال ارتكب جريمة جديدة أمام أعين العالم.
أولاً: إرث البحر وذاكرة الدم
لا يمكننا أن نتحدث عن هذه السفن والأساطيل دون العودة إلى الذاكرة الممهورة بالدم والبطولة.
في عام 2010، أبحرت سفينة “مافي مرمرة” من تركيا باتجاه غزة ضمن “أسطول الحرية”، وعلى متنها مئات النشطاء من عشرات الجنسيات، محمّلين بمساعدات إنسانية ورسالة سياسية واضحة: ارفعوا الحصار عن غزة.
لكن الاحتلال لم يكن يرى في هذه السفينة أكثر من “خطر يجب احتواؤه”.فهاجمتها قوات الكوماندوز البحرية الصهيونية في المياه الدولية، وأطلقت النار الحيّ على متضامنين عزل، ما أدى إلى استشهاد عشرة نشطاء، واعتقال من تبقى، في جريمة لم تُحاسب عليها العصابة الصهيونية حتى اللحظة رغم الإدانات الدولية.
ورغم قسوة ما جرى، لم تتوقف السفن والقوارب وتوالت المحاولات عبر السنوات، بعضها تم اعتراضه، وبعضها تم منعه في اللحظات الأخيرة، لكن الشعلة لم تنطفئ، وها هي تعود اليوم، في هذا الوقت الحرج من العدوان الشامل، لتقول للعالم من جديد:غزة ليست وحدها.
ثانيًا: تصاعد الضغط العالمي
لا يخفى على أحد أن العدوان الهمجي الحالي على قطاع غزة الذي بدأ منذ سنتين بات عارياً أمام الرأي العام العالمي.
جرائم الإبادة الجماعية واستهداف المستشفيات والمدارس ومنع دخول الدواء والغذاء والماء – كلها باتت موثقة بالصوت والصورة، لا تحتمل تأويلاً ولا تبريراً.ومع ذلك، لا تزال المواقف الدولية – حتى اللحظة – تتراوح بين الإدانات الشكلية والتصريحات المنمقة دون أن تترجم إلى خطوات حقيقية لردع الاحتلال رغم التحسن الكبير في هذا الإطار
مع اقتراب هذه القوافل من شواطئ غزة، تتزايد الأصوات المطالبة بحمايتها. هناك ضغط شعبي واضح في عدة دول، خصوصاً من قِبل منظمات المجتمع المدني، والنقابات، والمنظمات الحقوقية والبيئية.
لكن تبقى المخاوف مشروعة: هل تملك هذه الأصوات القدرة على التأثير على صانع القرار الرسمي؟ هل هناك إرادة دولية لمنع جريمة بحرية جديدة؟
أم أننا سنشهد تكرار سيناريو الإدانة بعد فوات الأوان؟
ثالثًا: شجاعة المبحرين.. حين يكون الجسد درعًا
أمام هذه القوافل، لا توجد حماية عسكرية، ولا ضمانات أممية، ولا تغطية ناجعة من أساطيل دولية.
السلاح الوحيد الذي يحمله أولئك المبحرون هو قناعتهم الأخلاقية، وعزمهم على أن يتحولوا إلى شهود أحياء – أو شهداء – من أجل قضية الشعب الفلسطيني.
على متن هذه السفن، هناك أطباء، وبرلمانيون، وصحفيون وناشطون من كافة الخلفيات تركوا أوطانهم وأعمالهم وأسرهم وركبوا البحر لأنهم لا يستطيعون الصمت بينما يُقتل شعب بأكمله خلف الجدران والأسلاك.
إنهم ليسوا مغامرين إنهم أصحاب ضمير.
والمجتمع الدولي، إذا كان حريصاً على قيم الحرية والكرامة، فليحمِ هؤلاء، وليجعل من حركتهم لحظة يقظة لا لحظة ندم.
من السيناريوهات المحتملة:دروس من البحر
مع اقتراب لحظة الوصول، تتعدد السيناريوهات المحتملة، وكلها مرهونة بمدى تهوّر أو رضوخ الاحتلال، وبقدرة العالم على الضغط الحقيقي.
نستعرض هنا السيناريوهات الثلاثة المتوقعة بناءً على التجارب السابقة:
1. السيناريو العسكري الدموي – تكرار “مافي مرمرة”
هذا هو أسوأ السيناريوهات وأكثرها خطورة.
أن تتعامل قوات الاحتلال مع هذه القوافل على أنها تهديد أمني، فتقتحمها بقوات كوماندوز، وتستخدم الرصاص الحي لترويع واعتقال النشطاء، أو حتى تعمد إلى إغراق السفن أو استهدافها بصواريخ أو ألغام بحرية.
هذا ما جرى في مافي مرمرة، حين هاجمت قوات الاحتلال السفينة في عرض البحر وقتلت الكثير من النشطاء ثم روّجت روايات كاذبة عن “أسلحة مخفية” و”مقاومة عنيفة”، رغم أن كل التقارير الدولية أثبتت عكس ذلك.
تكرار هذا السيناريو اليوم سيكون كارثة سياسية وأخلاقية للاحتلال، لكنه ليس مستبعداً في ظل العقلية المتطرفة المسيطرة عليه خاصة وأن الكيان يعيش حالة هستيرية من العزلة والعداء مع المجتمع الدولي.
2. السيناريو التقني – التشويش والإعاقة دون مواجهة مباشرة
في هذا السيناريو، يلجأ الكيان إلى أساليب غير دموية لكنها فعالة في تعطيل القوافل.
وتشمل هذه الأساليب:التشويش على أجهزة الملاحة وقطع الاتصالات وإطلاق زوارق بحرية لتطويق السفن وجرّها إلى ميناء “أسدود” بالقوة وممارسة التهديد عبر مكبرات الصوت والطلقات التحذيرية.
هذا السيناريو سبق أن استخدم في أكثر من محاولة إبحار خلال الأعوام الماضية، حيث تم إرغام السفن على التراجع أو اقتيادها دون إراقة دماء، ثم ترحيل الناشطين بعد التحقيق معهم.
رغم أنه يبدو أقل دموية، إلا أنه لا يقل خطورة، لأنه استمرار للحصار، ومنع لوصول الإمدادات، وخرق واضح للقانون الدولي البحري، خاصة أن السفن لا تحمل سلاحًا، ومهمتها إنسانية بحتة.
3. السيناريو السياسي – التراجع أمام الضغط وتحييد القوافل
وهو السيناريو الأفضل نظريًا، والأقل احتمالًا عمليًا ما لم يُمارَس ضغط دولي حقيقي وهو أن يضطر الكيان الغاصب إلى السماح بوصول السفن، أو على الأقل إلى عدم اعتراضها، خشية رد الفعل العالمي، خصوصًا ان القوافل تضم شخصيات اعتبارية من عشرات الدول ومن مختلف القارات.
في هذه الحالة، قد يُسمح للقوافل بالرسوّ على مقربة من شواطئ غزة، أو تسليم المساعدات إلى الهلال الأحمر أو إلى ممثلي الأمم المتحدة داخل القطاع، كنوع من “الاحتواء الإعلامي”.
ورغم محدودية المكاسب الفعلية، إلا أن رمزية وصول القوافل ستكون انتصارًا كبيرًا لروح المقاومة المدنية السلمية، وستُحرج الاحتلال أمام العالم.
في هذه اللحظات الحرجة، نقول بوضوح: العد التنازلي قد بدأ.والمطلوب منّا – كبرلمانات، ومؤسسات وشعوب أن نكون حاضرين قبل وقوع الفعل، لا بعده.
لا نريد بيانات إدانة بعد المذبحة، بل تحرّكًا دبلوماسيًا وشعبيا وحقوقيا واعلاميا يمنع المذبحة.لا نريد بكاءً على الشهداء، بل وقوفًا إلى جانبهم وهم أحياء، وهم في عرض البحر، يواجهون عنجهية كيان لا يعرف قانونًا ولا رحمة.
لكل المبحرين نحو غزة:
أنتم في عين التاريخ.
وسيكون احرار العالم صوتًكم حتى تصلوا.
أو سيحاكمون من منعكم أمام ضمير العالم