إبراهيم محمود - وجهها

1759231578354.png





وجهي ليس وجهها. وجها ليس وجهي بالتأكيد. لوجود مسافة بيْنية، تراتبية بين وجهينا. بعيداً عن التقابل، أو التناظر، هناك إشكالية كبرى في تهجئة الوجه كاسم، بالنسبة إلينا كبشر، لوجود ما لا ينبغي غض الطرْف عنه، وهو أن وجه المرأة يحتفظ بخاصية أبدية له، وإن كان في خانة التحول أو التبدل، فالفناء. أتحدث عن الوجه الذي يظل لحظة رؤيته ومعرفته وجه أنثى، بوصفه الوجه الذي يتأبد إشراقاً وعمقاً.
وجهها ليس كوجهي. وجهي ليس كوجهها. ليس هناك حديث عن التشبيه الممكن، وهو ممكن، إنما في الصميم. لا مجال لإدخال حرف " الكاف " في العلاقة القائمة، في صيرورتها، وإخضاع الاثنين معاً، لمصير دنيوي متقلب ومهدد بالزوال. أتحدث هنا عما يبقي وجهها، وجه المرأة، وجه الأنثى في خاصيتها الحقيقية في الداخل، وعلى مستوى كوكبي، في منأى عن التحول، استناداً إلى القيمة المعززة فيه.
أتحدث عن وجهها ككينونة مميَّزة بفرادة نابعة من نوعه الأنثوي، وفيض المستجد فيه، حيث هندسة المعنى!
2
الحديث عما يميزني وجهياً كذكر، من خلال الذقن، أو لأن وجهي مشعر، كما يقال، وأن وجهها، خلاف ذلك، لا يقرّبني منها البتة، بقدر ما يجعلني أكثر تفهماً لها في منظورها الوجهي، أبعد مما هو وجهي مباشر، وجهها الإيقوني العصي على الامتلاك رسماً أو تصويراً فوتوغرافياً .
الخطأ أكثر من كونه حسابياً، جرّاء تأطير وجهها بما هو جسماني آيل إلى التلاشي دنيوياً. أنا لا أعصمه من التغير، أو أزعم أنني قادر على ذلك، ولا في الخيال. هذه ليست ساحتي رهاناً ما. إنما أمضي بالفكرة إلى ما ينأى بي عما هو عرَضي، خاضع لمنطق الزمن ومؤثراته، إلى المستوى الذي يدفع بي إلى معاينة وجهها عن بعد، على خلفية من العلامة الفارقة التي تجلوها باعتبارها امرأة، أي حياة كانت تُسمّى دونها !
3
وجهها هو المحوَّل من المرئي واقعاً إلى الممكن تخيله متعالياً على الواقع، اعترافاُ بجدارته في حياة من نوع آخر، ولأن المراهَن عليه في ضوء معطياته الخصبة، يجيز له مثل هذا التجاوز لما يجلوه جلدياً أو لحمياً. لأنه قائم في زمن من نوع مغاير، على وقْع المأمول منه. وجهها هو الذي يشهد دوران الحياتي فيه.
إذ بخلاف ٍ قطعي، كما أرى، لكل ما دوّن عن المرأة، وهو في غالبه يعدَم الأثرَ الكاشف لثراء اسمه ودفق حيواته داخلاً، أتلمسه في المنبسط والمختلف تضاريس تترى طبيعة. وجهها مستقر الزمن لمن ينشد سمواً في حياة لم يعيشه، لأنه لم يتهيأ لمثل هذه اللحظة !

4
لا يحتاج وجهها لأن يذكّر بكينونته كواجهة تتقدم جسدها. إنه مرئي، منظور إليه، ويمكن الوقوف أمامه، أو معايشته في أي وقت. هناك حضور نوعي لوجهها على صعيد المأثرة الخلْقية له، وما يكمن وراء نضارته وسلاسة الهيئة التي تسمح بإمعان النظر في سيمائه إلى درجة التلاىشي، أكثر مما يقال فيه شعراً، أرحب دلالة مما يؤخَذ عنه وباسمه استلهاماً في الرسم. إنه خاصية توقيع لا يتكرر لنوع حيوي شديد القرب من النظير اللحمي والخلْقي طبعاً: الرجل، ولكن المتردد حول المرأة كاسم، كمخلوق، وكتكوين عضوي برؤية مختزلة من قبل الزاعم أنه " سيدها " أو ولي أمره، أو الموهوب قيمة استثنائية تخول له تمثيلها، غيّبها عن ناظريه الفعليين، وجرى تجريد ذلك الوجه الذي يُنسَكن إليه مما يؤاسي، ومما يلهم، ومما يبقي الأمل نابضاً بالآتي.
إن كل ما يعنينا له وجهه، ومشدود إلى وجه ما، وليس هناك ما نتفكره إلا بمؤازرة وجهية. فأي وجه لديه هذه المؤهلات الحسية وما هو مفارق لها، هذا الحنو والسمو في رفد الروح بما يفلترها سوى وجهها بجلاء؟
5
أبسط طريقة، وأوجزها، وأبلغ شهادةً لمعرفة وجهها، هو السعي إلى عدم أخذ المرئي من المرأة بوصفه وجهها. هناك ما ينتظر الرؤية، ينتظر اللحظة غير المقدَّرة كما يجب في صدمة الاكتشاف في الممكن النظر إليه وكتشافه للمرأة الأولى، المرأة التي تمهد لحياة من نوع لم يعَش بع من قبل الرجل، وهي الحياة التي تبقي المرأة في وبالوجه الذي لم يُر بعد وراء المعروض للعين. ثمة الوجه الذي يترقرق ويتموسق بحقيقته، الوجه المعطى والموهوب حباً دون مقابل، لمن يكون حبيبا، ولمن يكون زوجاً ولكم يكون رضيعاً، ابناً وابنة، حفيداً وحفيدة.. إنها هذا السلالة الطويلة والموصولة بوجه لا ينفد عطاء حباً وعناقاً لم يعدَم لقاء الآخر، وقابلية الانبناء من الداخل بمؤثر وجهها ذاك، إن تحررنا، ولو لبعض الوقت، من طغيان القيمي الذكوري فينا.
6
كما يبدو، وبدقة أكثر: كما يظهر عري الوجه البديع، المغري الوحيد الأوحد الذي يترقب عينين تقدران فيه روعته المتجددة، وراء مؤثرات الزمن، وعواديه، الوجه الذي يعجز النسيان عن طي صورته، اسمه، كما لو أنه موجود بهبَة حيوية منه، لأن المتمثل فيه أكثر مما هو مسنود إلى الذاكرة، كون الذاكرة لا تُسمى إلا باعتراف معين، ضمني، صامت مما هو نسياني طبعاً. يتعالى وجهها على كل من النسيان والتذكر، لأن له معياره الجمالي، الذوقي والمتوحد مع قوى تعنيه ولا تبارحه، هي سبب ديمومته الباطنية المميَّزة بسمو الروحي فيه .

7
هناك حضور طبيعي، بكل مكوناته حتى الجحمادي فيها، يتراءى خلف تلك الغلالة: البشرة، الأدمة ذات الرقة، وذات المسامات التي تتنفس عالماً بكامله، حضور ممثّب بالوجه: وجهها الذي حرّم ذات تاريخ مجهول، مما يمحوره كونياً، ومما يجعل الحياة ذات اعتبار، ومعنى من خلاله. أكثر مما هو موصوف باللغة. وجهها متعال في بنية تشكله على اللغة. على كل قصائد الشعراء الغزلية، بما أن هذه تتحرك على تخوم الدنيوي، وتعبّر عن مكابدات الشعراء وحتى الفنانين الذين يمارسون ما هو قياسي أرضياً. ليس في حاضرة الوجه ما يجعله متاحاً بالطريقة التسويقية، أو التخيلية الدالة على جرح، ندبة روح ملتهبة من لدن المسكون بغواية خارجية. للوجه ما يشد الناظر الفعلي، والذي يتفاعل ببصيرته، وكما هو الأثر الغفل من الاسم، لحياة مرسومة عالياً، وهي في واجهتها: وجه الوجه بامتياز .
8
وجهها ملهم كل من الشاعر والفنان ، رغم مأثرة المتخيل السامي فيه، لا يخفي أرضيته. وجهها الموسوم هنا، وكما هي بصيرتي الروحية إزاءه ليس هو الوجه الذي يُرى مع الولادة، ويدخل في إهاب المتغير الزمني. إن سر الكينونة الكوكبية، ما يتوارى وراء حجب المنظور المادي، وأبعد مما هو مرصود ومسطور ميثولوجياً، سر الرجل نفسه وما يجعل أسمى مما هو عليه مقاماً روحياً، وأكثر أهلياً بالحياة في زهوها، هو ما يستبطن الوجه، ما يكون مستقراً ومتجذراً كقيمة إحيائية مستدامة وراء الوجه المكتفى به، وهو حجاب عرضي له .
9
هذا الوجه الذي يشغلني، بوصفه الأكثر حضوراً بحقيقته الرمزية، لأنه القادر، كما هي علاقتي به مذ وعيت إلى الآن، أكثر قابلية من وجه يمكن تفكّره، واللوذ به عن قرب وبعد، وجه مأخوذ بمثال ينعطف عليه، وبلغة تتوقف عليه، في المائي المتسرب منه، والنابع منه ظلالاً على وجه المنسوب مائياً إليه، ودفء المودع فيه، مؤهل لأن يكون محفّز متخيل الرجل في مختلف مواقعه، إن رام فلاحاً، أو نشد طمأنينة، أو شده طموح أبعد مما هو إنساني متداول، يحيل إليه كل ما هو نابض ومقوم في الحياة وبها. إنه الممكن المنفح على ممكنات، المجاري لنظير محال لم يدرَك على حقيقته، بوصفه الآخر الذي يكون في متناول من يؤم جهات مفتوحة على بعضها بعضاً، وهو نفسه مسكون بالقوى التي تنمّي فيه ما هو أبعد من مفهوم متوقف عليه" الإنسان " جهة الأنثوي في عمومه، وليس مجرد المرأة .
10
ليس لما نرغب فيه، وجه محدد. غير أن الاسم لكي يكون له اعتبار، محل من إعراب المعنى، لا بد أن يعطى ذلك الوجه الذي يتوقف أهميةً، وقيمة بالمقابل، ليس لأن وجهها يتطلب ذلك كشرط لا بد من الانصياع له، وإنما لأن ما فينا، وهو يتنشط قولاً وفعلاً، لا يمنحنا سكينة، ويحثنا على البحث والسؤال، إلا انطلاقاً مما يعلونا ويتقدما ونعرَف به وجهياً. إن أفكارنا، رغباتنا، هواجسنا، مشاعرنا، أحاسيسنا، أحلامنا، كوابيسنا، آلامنا وآمالنا، أفراحنا وأتراحنا، مصائبنا وشواغلنا اليومية...إلخ، تأخذ طريقها إلى داخلنا، ويجري الاهتمام بها، والتفاعل معها، ورؤيتنا من خلالها، تأثراً بالمعطى الوجهي، وجهها على وجه التحديد لها طبعاً.
أليس النظر عالياً، حيث وجهها بمثل هذا الإشراق المبهج لنا، والمخصب لقوانا، هو توقنا لاشعورياً إليه؟


11
وجهها الذي تجري تهجئته، لا يُسمى. ما يعرَف عنه، هو في نسبه النوعي أنثوياً، دون ذلك، لا شيء يمكن التوقف عنه. لأن وجهها هذا ، وبالصيغة المسطورة هنا، متعال على كل اسم أو توصيف، ليكون في مقدور كل منا، إن أوتي إرادة لها طاقة تنويرية داخلية، أن يعيش الوهج ذي الهالة والناعم أثراً في محيطه.
ثمة ما هو إنصافي، ناطق بقوته المتمركزة داخله، قوة مخصبة لا عنفية، تهذب في ناشده ما يُرتجى بهاءاً.

12
وجهها هو الآخر القريب والبعد، السامي وفي متناول اليد قطافاً من محبة واعتزاز بما هو متغذى به وعليه ليبقى هكذا، ما يضمن للإنسانية، والطبيعة وحمولتها المادية والحياة، قابلية الانعطاف بسلام غير معهود .
لهذا، ليس من كلية يمكن تعريفه من خلالها، فيرتجى منه أن يكشف عن مكوناته، أو جملة أجراء يجري التفصيل في أسمائها، كما هو الممكن البحث فيه صفات أو مناقب تبقي الأنثوي في حميمية كل إشارة إليه. هو ليس هذا الكل الذي يشاد به، هذا التصنيف الجمالي، أو القيمي كرم عطاء، أو سخاء إضاءة داخلية، أو جود حب لا مقابل له، أو دفء عناق لا يحاط بصفء سريرته .
وجهها له ما لا يسمى، ليكون المحرر من ربقة التسمية، وما لا يقبل التسمية من الخارج. عريه الذي يليق به، وهو ليس عرياً، كما هو مقتضى المعمول به في لغتنا المحكية، أو في سياقه الفلسفي، أو حتى الفني. لأن في ذلك تفكيراً في التخوم الممكن وضعها، أو الحدود المعتبَرة سموَّ مكانة.. لأنه في تحرره من كل الإشارات أو العلامات التي تستدعي النظر هنا وهناك، والالتفاتة إلى الخلف، لتحري ما هو مستقر متحفياً أو أرشيفياً أو وثائقياً، كما لو جاء ويتشكل بالإضافة، بقدر ما يكون العاري والكاسي في الآن، الداني والنائي في آن، السامي والخافق حسياً، المرئي تناهياً واللامرئي لاتناهياً، المعلوم بنوعه أو بحقيقته المؤثرة ، وما في ذلك من تخيس لحقه، والمجهول إنسانياً، وليس لأنه هكذا، إنه المنادي في أعماقنا، وهو يعلو متخيلنا الجماعي، ذاكرتنا الجماعي، بما يحررنا مما هو حدودي محترب فينا، إن رمنا بقاء، وسلاماً وتعايشاً مع أنفسنا، وكل ما هو عايَن ومشار إليه في الطبيعة ظاهراً وباطناً. هوذا بعض بعض المأثور الأنثوي وجهاً أنّى تنفسنا بعمق!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى