خالد عطية - خطة ترامب لغزة: وصاية دولية بحبر إسرائيلي

إعلان البيت الأبيض لما سمّاه “الخطة الشاملة لإنهاء الصراع في غزة” ليس مجرد مبادرة سياسية، بل محاولة لإعادة إنتاج الهيمنة بوسائل جديدة. عشرون بنداً كُتبت بلغة إنسانية براقة، لكنها في العمق ليست سوى صياغة أمريكية بحبر إسرائيلي، تعكس منطقاً استشراقياً يرى الفلسطيني كموضوع إدارة وإصلاح، لا كذات فاعلة وصاحبة قرار.

منذ البند الأول، تُعرّف غزة باعتبارها “منطقة يجب أن تُطهَّر من التطرف والإرهاب”، وهي صياغة تجرّم المقاومة وتحصرها في خانة الإرهاب. من يملك سلطة تعريف “التطرف”؟ واشنطن وتل أبيب حصراً. في المقابل، يُقدَّم وقف الحرب كامتياز مشروط، لا كحق، ويُختزل الصراع في تبادل رهائن وأسرى، بينما آلاف الفلسطينيين الذين يعيشون تحت الاحتلال يختفون من النص.

يبدو واضحاً أن الخطة تنقل غزة من دائرة الاحتلال المباشر إلى دائرة الوصاية الدولية. لجنة تكنوقراط فلسطينية تُدير الخدمات تحت إشراف “مجلس سلام” دولي يرأسه ترامب نفسه، وبمشاركة شخصيات غربية مثل توني بلير، بينما يظل القرار السيادي غائباً بالكامل. هذا النموذج ليس جديداً، بل يذكّرنا بتاريخ طويل من محاولات إخضاع الفلسطيني لسلطات خارجية: من الانتداب البريطاني إلى مشاريع التدويل والوصاية الدولية في منتصف القرن العشرين، وصولاً إلى “السلام الاقتصادي” الذي رُوّج له بعد أوسلو. الخطة الحالية ليست استثناء، بل استمرارية.

اللغة المستخدمة في النص تكشف عن وظيفة خطابية أعمق. كلمات مثل “تسامح”، “تعايش ديني”، “إعادة إعمار” تتكرر بكثافة، لكنها تخفي غياباً تاماً لمفردات مثل “احتلال”، “عدالة”، “حق تقرير المصير”. هذا الغياب ليس اعتباطياً، بل مقصوداً: فالاحتلال يُعاد تعريفه كـ”نزاع”، والمقاومة كـ”إرهاب”، والوصاية كـ”سلام”. بهذا تصبح غزة “ملفاً إنسانياً” أكثر منها قضية سياسية، وتُفرغ من جوهرها التحرري.

البنود الاقتصادية تكمل هذه الصورة. الحديث عن “خطة تنمية بقيادة ترامب” و”منطقة اقتصادية خاصة” و”فرص عمل” يوحي بوعود ازدهار، لكنه في الحقيقة يضع غزة تحت وصاية رأس المال الدولي، ويعيد إنتاج منطق التحديث من الخارج: مجتمع عاجز يحتاج إلى إنقاذ خارجي. حتى “حرية الخروج والبقاء” التي يزعمها النص ليست بريئة، فهي تفتح الباب أمام تهجير ناعم يُقدَّم كخيار فردي، بينما هو في الحقيقة هندسة ديمغرافية جديدة.

الأمن يحتل موقع القلب في الخطة: نزع السلاح، تدمير البنية التحتية للمقاومة، تشكيل قوة استقرار دولية بإشراف أمريكي، تدريب شرطة محلية ضعيفة، وضمانات إقليمية من مصر والأردن والخليج لصالح أمن إسرائيل. بهذا تُختزل غزة في معادلة أمنية، وتُعاد صياغة علاقتها بالعالم على أساس “ضبط التهديد”، لا على أساس حق سياسي.

حتى البند الذي يتحدث عن “إمكانية الدولة الفلسطينية” لا يعدو أن يكون وعداً مؤجلاً. الدولة هنا ليست هدفاً آنياً، بل احتمال غامض قد يتحقق إذا نجحت غزة في الانضباط وفق شروط الخطة. ما يُقدَّم كأفق سياسي ليس سوى تأجيل دائم لمطلب التحرر الوطني.

إن خطورة هذه الخطة ليست في تفاصيلها فقط، بل في خطابها العميق. فهي تعيد تعريف الفلسطيني: ليس مواطناً يسعى إلى الحرية، بل مستفيداً من مساعدات، مريضاً بحاجة إلى علاج، شعباً يحتاج إلى إعادة إعمار وإشراف دولي. بهذا تُدفن السياسة الفلسطينية تحت ركام “المشاريع الإنسانية”.

ما فشلت إسرائيل في تحقيقه بالقوة العسكرية، تحاول الولايات المتحدة أن تشرعنه عبر النصوص الدولية: وصاية دولية بغطاء إنساني، نزع للسلاح مقابل حق في البقاء، فصل غزة عن الدولة الفلسطينية، وتحويل المقاومة إلى جريمة. إنها ليست خطة سلام، بل مشروع لإدارة استعمارية جديدة، يلبس قناعاً إنسانياً بينما يواصل منطق السيطرة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى