محمد علي - رسالة اليوم الرابع عشر من رحلة الصمود إلى غزة: اننا يا اهل غزة اقرب منكم اكثر مما نتصور.

محمد علي - نائب بمجاس الشعب التونسي وناشط مدني




اننا يا اهل غزة اقرب منكم اكثر مما نتصور.

أقف الآن على سطح سفينة انس الشريف، والهواء حولي يعبق بملح البحر ورائحة القلق والأمل معًا. الساعات قليلة، وهذه الدقائق الثقيلة لا تشبه سوى لحظاتٍ قلّما مرّت عليّ في حياتي؛ لحظات امتحانٍ تختبر فيها موازين القيم وتكشف معدن الناس. اقتربنا كثيرا من منطقة الخطر الشديد اي مساحة تدخل قوات الاحتلال الصهيوني المفترضة، ووعودهم بالاعتراض صارت تُعلَن جهارًا. يمكن للظرف أن يتحول في أي لحظة من مجرد تهديدٍ إلى فعلٍ حقيقي : اعتراض و احتجاز وعنف. ومع ذلك، لا أرى الخوف على الوجوه، بل أرى شجاعةً عاتية تغلبت على كل حسابات النجاة الشخصية.
انني لست وحدي على هذا البحر فوراءي ووراء كل موجة، تمتد سلسلة من السفن، كل سفينة تحمل قصصًا، وكل سطح يغني بصوتٍ موحّد: صوت القيم، وصوت من لم يعد صمتهم مقبولاً. أريد أن أصف لكم ما أشعر به عن رفاقنا في بقية سفن الأسطول، لأن قوة الأسطول ليست في حجم السفن، بل في ثبات القلوب الموجودة عليها
-1-
في السفينة المجاورة، أسمع ضحكات مكتومة بين موجات الجدّية. هناك نشطاء شباب يستبدلون النظرات القلقة بنكاتٍ خفيفة ليخففوا عن بعضهم؛ هم يعلمون أن الضحك هنا ليس علامة على الاستهتار، بل وقاية نفسية من فظاعة المشهد المحتمل. التزامهم بالعمل الإنساني يمنحهم طاقة لا تُقاس، فهم يتذكّرون وجوه المرضى في غزة قبل كل شيء، وهذا يمدّهم بصلابة تجعلهم يقفون كشجرةٍ لا تنحني مهما طالت الرياح.
على سطح سفينة أخرى، ترى رفاقا وأصدقاء من جنسيات شتى يتبادلون ملفات وصورًا، لكن أنظارهم لا تغادر البحر. هناك سواد من العيون الصارمة، ويدافعون بالكلمة والصمت معًا. قوتهم تكمن في يقينهم أن كل فعلٍ مسجّل وكل ذاكرة تُحفظ ستصير يومًا سيفًا قضائيًا أو وثيقة ضمير. هم يعلمون أن المواجهة ليست فقط جسدية، بل أخلاقية وتاريخية، وبهذا الوعي يتحول كل توقّعٍ للخطر إلى وقودٍ للصمود.
في سفينة أخرى، تجد شبانٌا شغوفون، متطوعون أتوا من بلاد بعيدة. يُنشدون أغانٍ هادئة عند الغروب، وكأن صوتهم يقول للعالم: “نحن بشر أيضًا، ونرفض أن تُعامل إنسانية غيرنا كسلعة”. هذا الوشّاح الحنون من الأصوات يمنحنا إحساسًا بالأسرة الكبيرة التي نُشكّلها، ويحوّل الخوف الجماعي إلى تلاحم جماعي. عندما تبدأ أصوات الدعاوى أو الأذكار، تشعر أن هناك قوةٍ أعمق من كل تهديد: قوة الروابط الإنسانية.
وهناك طواقم التواصل والإعلام: شبابٌ وفتيةٌ يركبون الموجات لنقل صورةٍ حقيقية، لا مُعالجة ولا تزييف. قوتهم تكمن في الصدق؛ فهم يعرفون أن العالم قد يغمض عينيه، لكن الكاميرا لن تكذب إن سُجّل المشهد، وأن ذاكرة الناس أقوى من أمرٍ عابر. هم يسهرون ليلًا، يحررون فيديوهات وينسقون بثًا مباشرًا لأن كل نقلٍ حي يعني توسيع دائرة الشهود وكل شاهدٍ جديد يضع ضغطًا على من يفكرون في استخدام القوة
-2-
عندما ألتفت عبر المسافات بين السفن، أرى تعابير لا تحتاج للكلام: تحديق صارم وقبضة يد تُرفع لدقيقة واحدة، امرأة تُمسك بيد رفيقتها لتؤكد الوجود، شابٌ يضع بيده صورة طفلٍ غزيّ أمام صدره. هذه الرموز الصغيرة تبني معنويات لا تهدمها سفينة معرّضة للاغراق. إنها لغة العيون التي تقول: “نحن معًا”، ويد واحدة تمتد لتضمّ يدًا أخرى. هذه اليد الواحدة، وهذا التلاحم، هما ما يمنع الخوف من أن يصبح سيفًا يقطع الصفوف.
-3
في كل سفينة، هناك منازل صغيرة من الأمل: كتابٌ متداول وصلاةٌ مشتركة ولحنٌ متكرر. هذه العادات البسيطة تعمل كحاجز نفسي ضد انهيار الروح. التجنيد النفسي هنا إيجابي، يقوم على تشجيع الأمل والعمل بدل الانهيار في حلقة الهلع. قائدٌ على سفينة يمرّ بين الطواقم، يبتسم بابتسامة لا تخلو من الجدية، ويقول: “لا تدعوا الخوف يملك الفرح البسيط”. هذه الكلمات تنقذ نفسًا الآن وتبني ذاكرةً لاحقة عن قوة إنسانية لا تقبل أن تُسلب.

1759301794873.png

-4-
الشجاعة هنا ليست دائمًا فعلًا بطوليًا دراماتيكيًا؛ أحيانًا تكون مجرد بقاء إنسانٍ على قيد الإنسانية أمام ممارسات تُريد أن تغيّر المعايير. الشجاعة تكون في أن تصر على إعداد قهوة لرفيق في قمة عاصفة أو أن تشدّ على يد رفيقة متوترة، أو أن تُسجل شهادة لتسلمها لاحقًا لمن سيكتب التاريخ. هذه الأفعال الصغيرة تعطي الأسطول مظهرًا لا تستطيع أي قوة أن تنهيه: مظهر مجتمعٍ متكافل ومدعوم بقيم صلبة.
-5-
أشعر اليوم بأننا لسنا مجرد مجموعة سفن، بل شريانٌ واحد. كلما تماسك الجزء، شعرت بقوة تدفّع الجزء الآخر. إن أي اعتداء أو اعتراض قد يحصل على سطح سفينتنا لن يكون محاولة لفصلنا بل اختبارٍ يُظهر معدننا. وإني واثق أن باقي السفن ستصرخ بصوت واحد: لن يُقتل الحق ولن يُدفن الضمير. ستكون صرخاتنا المشتركة مرآةً لكل من يتابع وستكون شهادتنا المشتركة دليلًا على أن النية كانت إنسانية وقيمية قبل كل شيء.
في هذه اللحظة الحرجة، لا أترك مكاني. لا لأجل الشهرة، ولا لغياب الخوف، بل لأنني أدرك أن وجودي هنا له معنى يتجاوز وجودي الشخصي: أن أحمل صوتًا لا يمكن لاحتلال قهري أن يخمده بسهولة. وجودي على السطح هو رسالة لكل أم في غزة، ولكل طفلٍ لا يجد دواءً: أن هناك من يفكر فيكم، ويرفض أن تكونوا مطموسين من ذاكرة العالم.
-6-
ما يُدهشني هنا — ويُلهمني في كل لحظة — هو أن هذا الأسطول ليس كتلةً موحّدة من لونٍ واحد أو فكرٍ واحد.
نحن لسنا نسخة مكرّرة من بعضنا البعض، بل نحمل تنوعًا فكريًا وسياسيًا وثقافيًا واسعًا:
من اليسار الأممي إلى اليمين الليبرالي، من المؤمنين بالثورات إلى المؤمنين بالإصلاح، من العرب إلى الأوروبيين، من المتدينين إلى العلمانيين وغير المتدينين، الكل هنا، في نفس السفن، على ذات الهدف: كسر الحصار عن غزة، والوقوف في وجه الجريمة بصوت أخلاقي جامع.
هذا التنوع لا يربكنا، بل يعكس عمق القضية التي جمعَت كل هؤلاء المختلفين. كلٌ يحتفظ برأيه، بتجربته، بمرجعيته، ولكننا نتلاقى في لحظة أخلاقية حاسمة:
أن ما يحدث في غزة عارٌ على الإنسانية، وأن السكوت عليه جريمة لا تُغتفر.
هذا التنوع داخل الأسطول ليس نقطة ضعف بل عنوان تحدٍ… نحن هنا لنعيد صياغة مشهد نقيض لمشهد الاحتلال: مشهدٌ يفرض الوحدة من خلال القيم، لا من خلال القهر، ويحتفي بالاختلاف بدل أن يقمعه.
إن أقوى صفوف المقاومة هي تلك التي تعرف كيف تحتضن المختلفين دون أن تضيع البوصلة.
‎وهذا الأسطول اليوم — بتنوعه وتعدده — هو رسالة
‎إلى العالم: أن الشعوب الحيّة قادرة على الالتقاء حين يستدعيها الواجب الأخلاقي، وأن العدالة لا تنتمي إلى تيار أو عَلم أو أيديولوجيا… بل إلى ضمير الإنسان، متى قرر أن يتحرّك
-7-
لقد شددت رِباط الكرامة في صدري، وأمسك ببينات الإيمان بأن الحق سيبقى أبدًا إن بذلنا الجهد لنحميه. ولو اعترضت قواتهم سفننا، فدعهم يعلمون أن وراء كل سجينٍ اسمًا، ووجهًا، وذاكرةً، وأن وراء كل ساحلٍ محروم آلافًا من الشهود. قوة الأسطول الحقيقية ليست في العتاد، بل في القيم التي نحملها: تضامن وإنسانية وشوكة في حلق الظلم.
أنا هنا، كواحدٍ من ووجوه هذا الأسطول، وأقسم أن وجودنا هذا لن يكون عبثًا. إنما هو شهادة: أن البشر قادرون على اختيار الكرامة حتى وإن كان الثمن باهظًا.
أسأل الله أن يحفظ رفاقي، وأن يجعل صمودنا بوابةً لعالمٍ لا يظلّل فيه الظلم بالسكوت بعد اليوم.
01 اكتوبر 2025

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى