بهجت العبيدي - تناقض حفيظ دراجي الكاشف: وصف فتح بالاحتلال ووصف حماس بـ "ضربة معلم"... أزمة الحكم الأيديولوجي

تظل المعضلة الأعمق التي تواجه الوعي السياسي هي التخلي عن الموضوعية حينما تُلوِّنُ الأيديولوجيا الأحكام. فالعقل البشري، حين يخضع لانحيازاته المسبقة، يكف عن قياس الأفعال بمقياس واحد، ويبدأ في تطبيق ما يُعرف بـ "المعيار المزدوج"، فيرى الفعل الواحد مُدانا إذا صدر عن الخصم، ومُحتفًى به إذا جاء من الحليف. هذا الخلل لا يضرب المنطق فحسب، بل ينسف جوهر العدالة والمساءلة.
لعل أبلغ تجسيد لهذه الأزمة نجده في التناقض الصارخ الذي كشفه المعلق الرياضي المعروف، حفيظ دراجي، عبر منصات التواصل الاجتماعي؛ فقد قدم دراجي، دون قصد، نموذجاً مجهرياً للخلل الأيديولوجي في الثقافة السياسية العربية. عندما صدر عن السلطة الفلسطينية (التي تقودها حركة فتح) ما اعتُبر ترحيبا أو مرونة تجاه خطة سياسية، بادر دراجي بإصدار حكم لاذع، واصفاً الفعل بـ "ترحيب بالاحتلال"، مستخدما لغة إدانة شديدة لم تقبل أي تبرير أو تأويل. وفي المقابل، عندما أقدمت حركة حماس على خطوة تفاوضية أو سياسية وُصفت هي الأخرى بقدر من المرونة تجاه ترتيبات الأمر الواقع، تغير الميزان كليا، فقد رأى دراجي في هذا السلوك "ضربة معلم" و "خطوة ذكية تجمع بين الحنكة والذكاء في إدارة الموقف". إن المفارقة هنا لا تكمن في جوهر الحالتين السياسيتين، بل في تباين ميزان التقييم ذاته؛ فالانحياز المسبق جعل نفس السلوك—أو ما يقاربه من حيث المرونة السياسية—مُدانا بـ "الخيانة" لدى فريق، ومُشادا به بـ "العبقرية" لدى الفريق الآخر.

ما زاد المشهد سوءا وكشف عن العمق الحقيقي للأزمة الفكرية، هو رد فعل شريحة من الجمهور على هذا التناقض. فبدلا من ممارسة النقد المنهجي لتقييم تناقض الأحكام، كان الرد الفوري لأحد المعلقين، على سبيل المثال، هو إنكار الواقع ذاته بقوله: "من الواضح أن الصفحة ليست صفحة دراجي". هذا الإنكار المباشر، الذي يُفضِّل تكذيب المعلومة على زعزعة التصور المسبق، هو المؤشر الأخطر. إنه يعكس عقلا لم يَعُد يمتلك أداة النقد المنهجي، بل يظل أسيرا لتصوراته وأوهامه حول نزاهة أو حكمة من ينتمي إليهم أيديولوجيا. هذا السلوك يبرهن على أن المشكلة لم تَعُد مشكلة "تغريدة" أو "شخص"، بل أزمة ثقافة كاملة تطالب بضرورة صناعة عقل جديد يتخذ من النقد المنهجي منهجا له، رافضا الخضوع لسرديات التقديس والتشيطن.

إن هذا النمط من التفكير، الذي يتجاوز حالة دراجي ليشمل مجالات أوسع، يعمل بآليات مدمرة؛ فهو يلجأ إلى التأويل الانتقائي، حيث يفسَّر الفعل بما يخدم الفرضية المسبقة: إن صدر عن "فريقنا" فهو تكتيك وحنكة، وإن صدر عن "خصومنا" فهو خيانة وعمالة. ويقود هذا بدوره إلى تقديس الذات وتشيطن الآخر، لتتحول السياسة من إدارة للمصالح إلى ساحة صراع بين "الخير المطلق" و "الشر المطلق"، مما يُلغي أي مساحة للحوار أو التفاهم. والنتيجة المباشرة لهذا هي تسميم الوعي الجمعي، إذ يغدو الناس أسرى سرديات متناقضة لا تعكس الواقع، بل تعكس فقط مشاعر الحب والكره تجاه الأطراف المتصارعة، مما يُفقد الحوار العام أساسه الموضوعي القائم على الوقائع.
إن المخرج الوحيد من دوامة الانقسام والتناقض الأيديولوجي يكمن في إعادة الاعتبار لمبدأ العدالة الفكرية: الفعل يُقاس بذاته، لا بهوية من صدر عنه. فما يضر المصلحة الوطنية يُدان، سواء جاء من حماس أو فتح أو أي طرف آخر، وما يصب في صالح الشعب يُثمّن ويُشجَّع، بغض النظر عن القائم به. فغياب هذا المعيار الواحد يعني ضياع مفهوم المساءلة، وفتح الباب لإعطاء الغطاء لكل تناقض أو خطأ ما دام الفاعل ينتمي إلى "الخندق الصحيح". إن بناء عقل جديد قادر على النقد المنهجي هو الاستثمار الحقيقي لإنهاء الأزمة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى