د. مصطفى غلمان - أنثروبولوجيا السلطة الانتخابية: في ما لا تقوله صناديق الاقتراع

تأتي الانتخابات التشريعية الجديدة في المغرب محمّلة بأسئلة تتجاوز حدود المنافسة الحزبية وصناديق الاقتراع وبرامج المرشحين. فكل استحقاق انتخابي يعيد بطريقة أو بأخرى كشف الطبقات العميقة التي تنتظم داخلها علاقة الفرد بالجماعة، والمواطن بالدولة والناخب بالنخبة، والرمز السياسي بالمخيلة الاجتماعية. يفرض السؤال الأنثروبولوجي نفسه بإلحاح: ماذا تستطيع الأنثروبولوجيا أن ترى في السياسة حين تعجز السياسة عن رؤية نفسها؟
قد تبدو الانتخابات من منظور علم السياسة واقعة قابلة للقياس، من حيث نسب المشاركة وتوزيع الأصوات وخرائط الدوائر واتجاهات التصويت وقوة الأحزاب وتحولات الولاءات. لكن هذه المؤشرات على أهميتها، تظل عاجزة عن الإمساك بذلك الجزء الخفي من الظاهرة الانتخابية؛ أي ذلك المجال الذي تتشكل فيه الرغبات قبل أن تتحول إلى أصوات، والولاءات قبل أن تتخذ شكل انتماءات حزبية، والخوف قبل أن يصير سلوكا سياسيا، والرمز قبل أن يتحول إلى شعار انتخابي.
من ثمة تدخل الأنثروبولوجيا لا بوصفها منافساً لعلم السياسة، وإنما بوصفها أداة لتوسيع مجال الرؤية. فهي تسأل عن الأشياء التي لا تظهر في جداول النتائج، مثل، كيف يفكر الناس في السلطة؟، وكيف تُبنى صورة المرشح داخل المخيال المحلي؟، ولماذا يستمر بعض أشكال الولاء السياسي رغم تغير الخطابات والأحزاب؟، وكيف تتحول القرابة والمكان والوجاهة والذاكرة الجماعية والرموز الثقافية إلى موارد سياسية؟ وكيف تتداخل السلطة الرسمية مع سلطات اجتماعية غير مكتوبة؟.
فالسياسة وفق هذا المنظور، لا تبدأ يوم فتح مكاتب التصويت، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير، داخل العائلة والحي والقبيلة والقرية والمدينة ومواقع العمل وشبكات الصداقة والتضامن، وفي اللغة اليومية التي يُوصف بها المرشحون والسلطة والناخبون. ولذلك فإن فهم الانتخابات يقتضي النزول من مستوى المؤسسات إلى مستوى الحياة الاجتماعية، ومن النصوص القانونية إلى العادات، ومن الخطاب الرسمي إلى ما يمكن تسميته الاقتصاد الخفي للمعنى السياسي.
وهكذا تكتسب الأنثروبولوجيا السياسية أهميتها؛ لأنها لا تتعامل مع المجتمع باعتباره مجرد خلفية محايدة للفعل السياسي، وإنما تنظر إليه باعتباره منتجا للسياسة ومُعادا إنتاجه بواسطتها. فالسلطة لا تمارس حضورها فقط من خلال القانون والمؤسسات، وإنما تتسرب أيضا عبر اللغة والرموز والتقاليد والتوقعات الاجتماعية، بل وحتى عبر الطريقة التي يتعلم بها الأفراد منذ طفولتهم معنى الطاعة والهيبة والزعامة والامتثال والاحتجاج.

ولذلك فإن تدخلات السلطة داخل أنساق اجتماعية وثقافية معينة لا يمكن فهمها دائما من خلال ثنائية بسيطة من قبيل "الدولة والمجتمع". فهناك مناطق وسيطة تتشكل فيها السلطة عبر وسطاء محليين، وشبكات مصالح وأعيان وفاعلين اجتماعيين وذاكرة تاريخية وموازين رمزية لا تظهر في النصوص الرسمية. فتصبح المهمة الأنثروبولوجية إذن هي الكشف عن السلطة حين تعمل خارج صورتها المؤسسية المباشرة.
وهذا ما يجعل الحركات الاجتماعية بدورها ظواهر تتطلب أكثر من تفسير اقتصادي أو سياسي مباشر. فالحركة الاجتماعية لا تولد فقط من الحرمان، ولا يكفي تفسيرها بالفقر أو البطالة أو التهميش. ثمة لحظة رمزية ونفسية يصبح فيها الإحساس بالظلم قابلاً للتحول إلى فعل جماعي. وهناك غضب يتراكم وذاكرة تستعاد، وإهانة تتحول إلى كرامة مطلوبة، وخوف ينكسر، وجماعة تكتشف فجأة أنها تستطيع أن ترى نفسها كفاعل تاريخي.
أشير في هذا الصدد إلى كتاب لبيورن توماسون عنوانه: "عندما يثور البسطاء: مقاربات أنثروبولوجية للثورات السياسية" ، وهو يشكل مدخلا معرفيا بالغ الأهمية. فالكتاب يلفت النظر إلى قيمة المقاربة الأنثروبولوجية في فهم الثورات، من خلال الاقتراب من التجربة الاجتماعية للفاعلين الذين تصفهم التحليلات الكبرى أحياناً بوصفهم "جماهير" أو "بسطاء"، بينما تخفي هذه التسمية عالمًا كثيفا من المعاني والدوافع والعلاقات والتمثلات.
إن أهمية هذا الطرح لا تكمن في إضافة تفسير آخر إلى قائمة التفسيرات الموجودة، وإنما في تغيير موقع السؤال نفسه. فبالاضافة إلى مقاربة أسباب قيام الثورة، هناك محايثة لظروف وطرائق عيش الناس وشروطها ، وكيف فهموا الظلم ومتى تحوّل الشعور الفردي إلى إحساس جماعي وكيف تشكلت الثقة بين الأفراد؟ وما الذي جعل الخوف قابلاً للكسر؟
هذه الأسئلة تكشف أن الفعل الجماعي ليس دائما نتاج حساب عقلاني للمصالح، كما تفترض بعض المقاربات السياسية، ولا هو مجرد انفجار عاطفي متهلهل. إنه عملية معقدة تتقاطع فيها البنية الاجتماعية مع الذاكرة والرمز والخيال والهوية والانفعال. وربما هنا تكمن إحدى أهم إضافات الأنثروبولوجيا، خصوصا في موضوع إعادة الإنسان إلى قلب الظاهرة السياسية.
إنه يمكن النظر إلى الانتخابات المغربية باعتبارها لحظة أنثروبولوجية بامتياز. فهي تكشف ليس فقط من يفوز ومن يخسر، وإنما تكشف أيضا كيف يتخيل المجتمع السلطة، وما الذي ينتظره من السياسي، وما الذي يجعله يثق أو لا يثق، وما الذي يجعل الخطاب الانتخابي مقنعا أو فاقداً لقدرته على التأثير.
فالناخب لا يدخل صندوق الاقتراع حاملا ورقة اقتراع فقط؛ إنه يدخل محملا بسيرة اجتماعية كاملة. إنه يحمل أيضا ذاكرة المنطقة وتجربة الأسرة وصورة الدولة وتوقعاته من المستقبل، وعلاقته بالمؤسسة، وأحياناً إحساسه بالامتنان أو الخذلان أو الخوف أو المصلحة. ومن ثم فإن الصوت الانتخابي لا يمكن اختزاله في رقم؛ إنه أثرٌ اجتماعي مكثف.

ولعل أخطر ما يمكن أن تفعله القراءة الانتخابية هو اختزال المجتمع في نتائج الصناديق. فالنتيجة تخبرنا بمن حصل على الأصوات، لكنها لا تخبرنا بالضرورة لماذا حصل عليها. والأرقام ترسم الخريطة الانتخابية، لكنها لا تكشف دائما الخريطة العميقة للوعي الاجتماعي الذي أنتجها.
وأعتقج أن بإمكان الأنثروبولوجيا أن تفتح مجالا آخر لفهم الانتخابات، كمجال الرموز والطقوس السياسية. فالاجتماعات الانتخابية، والولائم والزيارات والخطابات والصور، والشعارات والوسائط الرقمية، وحتى المصافحة والجلوس إلى جانب شخصية نافذة، ليست تفاصيل هامشية في العملية السياسية؛ إنها علامات تنتج المعنى وتعيد توزيع المكانة وتؤسس أشكالاً من الاعتراف.
وعلى هذا الأساس يلتقي التحليل الأنثروبولوجي بصورة لافتة مع مفهوم العنف الرمزي عند بيير بورديو؛ إذ لا تحتاج السلطة دائما إلى الإكراه المباشر كي تُطاع، فقد تعمل من خلال منظومة من التصورات التي تجعل علاقات معينة تبدو طبيعية ومقبولة وبديهية. وفي المجال الانتخابي قد تتحول المكانة الاجتماعية أو الرأسمال الرمزي أو النفوذ المحلي إلى قوة سياسية من دون أن تظهر هذه القوة صراحة في الخطاب الانتخابي.
ويزيد ميشيل فوكو أنه يدفع السؤال إلى مستوى آخر حين يجعلنا نفكر في السلطة باعتبارها شبكة من العلاقات والممارسات، لا مجرد مركز يقبع في أعلى هرم الدولة. فتعدو دراسة الانتخابات متجاوزة منطق "من يملك السلطة؟"، إلى أبعد من: كيف تُمارس السلطة؟ وأين تتوزع؟ وكيف تنتج الطاعة؟ وكيف يصبح الأفراد، أحياناً، وسطاء في إعادة إنتاجها؟
ومن جهة أخرى، يتيح مفهوم "المجال العمومي" عند هابرماس مساءلة نوعية التواصل السياسي الذي تنتجه الانتخابات، على اعتبار مدى وجود فضاء لتداول عقلاني حول المصالح العامة، أو حتى أمام سوق رمزية تتنافس فيه الصور والشعارات والانفعالات؟. وهل تسمح الحملة الانتخابية للمواطن بأن يكون فاعلاً في إنتاج القرار، أم تحوله إلى متلقٍّ لرسائل مصممة لاستمالته؟
لقد زادت المنصات الرقمية من تعقيد هذه الأسئلة. فالانتخابات لم تعد تجري فقط في الشوارع والساحات والمقرات الحزبية، وإنما داخل فضاء خوارزمي يعيد ترتيب الرؤية والانتباه. فالمرشح لا يخاطب جمهورا واحدا، والناخب لا يعيش في مجال معلوماتي واحد. كل فرد قد يرى سياسة مختلفة عن الآخر، لأن الخوارزمية نفسها أصبحت طرفاً صامتاً في تشكيل الإدراك السياسي.
وأرى أن السؤال الأنثروبولوجي سيتسع بشكل أعمق، متجاوزا كيفية تغير الثقافة السياسية عندما يصبح جزء من إنتاجها خاضعا لمنطق المنصة. وإمكانية دراسة الناخب الذي يتلقى السياسة في صورة مقاطع قصيرة وتعليقات وصور وميمات، ومؤثرين، وشائعات، ومحتويات مولدة أو معاد تركيبها بواسطة الذكاء الاصطناعي..إلخ.

إننا أمام انتقال عميق من السياسة بوصفها مؤسسات إلى السياسة بوصفها بيئة ثقافية للمعنى. ولذلك فإن الأنثروبولوجيا لا تدرس الانتخابات من خارجها، وإنما تنفذ إلى الطبقة التي تجعل السياسة ممكنة أصلاً، في اللغة التي نتحدث بها عنها، والرموز التي تمنحها الشرعية، والخيالات التي تنتج صور المستقبل، والخوف الذي يحدد حدود الممكن، والذاكرة التي تعيد تفسير الحاضر.
وعندما يثور "البسطاء"، وفق الدرس الذي تقترحه المقاربة الأنثروبولوجية، لا يكونون مجرد كتلة اجتماعية تتحرك بفعل مؤشرات موضوعية؛ إنهم ينتجون معنى جديداً لوضعهم في العالم. وهذا المعنى هو الذي يمكن أن يحول الاحتجاج إلى حركة، والحركة إلى قوة، والقوة إلى لحظة سياسية تعيد ترتيب العلاقة بين المجتمع والسلطة.
لذلك فإن دراسة الانتخابات المغربية من منظور أنثروبولوجي لا تعني استيراد نموذج نظري جاهز، وإنما تعني الاقتراب من المجتمع في تفاصيله الحية، من الأسواق والأحياء والقرى والجامعات ومواقع العمل، إلى المقاهي والهواتف الذكية والمنصات الرقمية؛ من الخطاب الحزبي المعلن إلى اللغة التي يتداولها الناس بعيدا عن الكاميرات؛ من الصورة الرسمية للسياسة إلى صورتها التي تتشكل في الوعي اليومي.
ولذلك فإن قيمة الأنثروبولوجيا تكمن في أنها تذهب إلى المكان الذي تتوقف فيه الإحصاءات عن الكلام. فالانتخابات في نهاية المطاف ليست فقط عملية لاختيار ممثلين داخل مؤسسة تشريعية؛ إنها لحظة تنكشف فيها علاقة المجتمع بذاته وبسلطته وبمستقبله. ومن يكتفي بقراءة صناديق الاقتراع قد يعرف نتيجة الانتخابات، لكنه لا يعرف بالضرورة المجتمع الذي أنتجها.
إن الأنثروبولوجيا في جوهرها تبحث عما وراء الانتخابات وما بعد الخيارات السياسية الجاهزة، وهي الأكثر تعبيراً عن بنية اجتماعية وثقافية عميقة لم نتعلم بعد كيف نقرأها. وهي لن تصبح هامشا في دراسة السياسة، وإنما تتحول إلى أحد مداخل مساءلة ما يبدو بديهياً فيها. فالسياسة حين تُقرأ من أسفل، تكشف أن السلطة ليست فقط ما تفعله المؤسسات بالناس؛ إنها أيضا ما تفعله الجماعات بالسلطة، وما تفعله الذاكرة بالاختيار، وما يفعله الخيال بالمستقبل، وما تفعله الثقافة في إنتاج القبول والرفض.
وهكذا يصبح الاستحقاق الانتخابي مناسبة لا لقياس قوة الأحزاب وحدها، وإنما لقراءة المجتمع الذي تصدر عنه السياسة. وربما هنا تحديدا تستعيد الأنثروبولوجيا مهمتها الأصلية، في أنها تجعل المألوف غريبا بما يكفي لكي نراه من جديد.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى