د. أحمد الحطاب - الحداثة المُزيفةّ

الحداثة la modernité عبارة عن تيار فكري un courant de pensée له مبادئه وقِيمُه، وليست، على الإطلاق، موضة une mode من الموضات العابرة التي تدوم فترةً مُعيَّنة وتختفي. بل الحداثة بدأت علاماتُها في الظهور، في البلدان الغربية، في نهاية القرن التاسع عشر واستمرَّت هذه العلامات في التطوًّرِ والانتشار في بداية القرن العشرين، ولا تزال فوائدُها قائمةً إلى يومنا هذا.

وعندما أقول إن الحداثةَ تيارٌ فكري، فهذا يعني أن لها تأثير une influence على طرق التفكير وعلى العقليات les ،mentalités وتتميَّز بمبادئ خاصة بها يأتي على رأسِها إعطاء أهمِّيةٍ كبرى للفرد l'individu والأولوية la primauté للعقل والنقد الفكري la pensée critique.

غير أن الحداثةَ تمتاز، كذلك، بتثمين valorisation الوقت والانخرط في التَّغيير في عدة مجالات المعرفة، التي تتأثر بها المجتمعات من حيث، مثلاً، الفنون les arts والسياسة التي لا وجود لها، من منظور حداثي، خارجَ إطار الديمقراطية la démocratie.

والحداثة، كتيار فكري، ملموسةٌ في حياة الناس، اليومية، إذ يُلاحظُ أن سلوكََ هؤلاء الناس وتصرفاتِهم منسجمةٌ مع أفكارهم. كما يُلاحظ أن الحداثةَ، كتبارٍ فكري، تتعارض مع التقاليد les traditions، وخصوصا، إذا كانت هذه التقاليد تتعارض مع العقل. حينها، تَحدث بين الحداثة وبين هذه التقاليد قطيعةً une rupture. وتتجلَّى هذه القطيعة في ظهور أنماطٍ جديدةٍ للتفكير والعيش.

وعندما نتحدَّث عن إعطاء أهمِّية كبرى للفرد، فالأمر يتعلَّق بتمتُّعه بالحريات الفردية دون أن تُضايقَ هذه الحريات الفردية حريةَ الناس الآخرين. وحتي لا تُضايقَ الحريات الفردية حريةَ الآخرين، كل تصرُّفٍ وسلوكٍ يجب أن يكونا نابِعين من العقل la raison.

وباختصارٍ شديدٍ، الحداثة، فضلا عن كونها تيارا فكرياً قائمَ الذات، فإنها مجموعة من الأفكار والقِيم والمبادئ، وبالأخص، إنها نظرة جديدة للعالم لها تأثيرٌ على أنماط التفكير والعمل والعيش، وخصوصا، على كيفيةِ تنظيم المجتمعات.

والآن، دعوني أقول لكم لماذا عنونتُ هذه المقالة ب"الحداثة المُزيفة" la modernité factice؟ عنونتُ هذه المقالة ب"الحداثة المُزيفة" لأن هناك فرقاً شاسعا بين الحداثة الأصلية، كتيارٍ فكري له خاصياتُه وقواعدُه، وبين التَّقليد الأعمى l'imitation aveugle للحداثة.

والتَّقليد الأعمى يتمثَّل في تقليد شيء أو شخصٍ، لكن بدون تشغيل العقل. بمعنى أن الشَّخصَ المُقلِّدَ يكتفي بتقليد مظاهر apparences الشيء أو الشَّخص المقلَّد، دون أن يعرفَ، فكرياً، لماذا وكيف، أي دون تفكيرٍ و وعيٍ.

وهذا نوعٌ من الاستلاب une sorte d'aliénation يجعل من الشخصِ المُقلِّد عبدا esclave أو سجيناً prisonnier للشيء أو الشخص المقلَّدين. وهذا الوضع الاجتماعي/النَّفسي موجود بكثرة عند كثيرٍ من الناس الذين يُقلِّدون مظاهرَ الحداثة، دون أن يُكلِّفوا أنفسَهم عناء معرفة هذه الحداثة من الناحية الفكرية.

ولعل أكثر البلدان تقليدا للحداثة، بصفة عامة، هي الدول النامية les pays en développement، وبصفة خاصة، البلدان الإسلامية. لأن البلدانَ الإسلامية، رغم تقليدها لمظاهر الحداثة، فإنها بلدان مُحافظة. لماذا؟

لأنه ليس هناك انسجام بين المظهر الحداثي للمسلمين وبين نمط تفكيرهم الذي هو سجينُ أقوال وفتاوى وعنعنة علماء وفقهاء الدين الذين هم أنفسُهم يقلِّدون مظاهر الحداثة ويتنكَّرون لطُرُق تفكيرها. وهذا، قي حدِّ ذاتِه، تناقُضٌ مزدَوِج. لماذا؟

تناقُضٌ مزدوِجٌ لأن المُسلمَ، أولاً، يقلِّد الحداثةَ بدون تفكير، وثانياً، يثق في عنعنةِ علماء وفقهاء الدين، الذين جعلوا من الدين، ديناً موازِيا كلُّه عداء وكراهية وخوف وتخويف وقهر وإكراه، خلافاً للدين الذي نص عليه القرآن الكريم، والذي كله يسرٌ وأخوه وحب وخير واختيارٌ وتسامحٌ وعدلٌ… أليست حداثة البلدان النامية والبلدان الإسلامية، حداثةٌ مزيَّفة؟ في هذه البلدان، هناك تناقض بين العقليات، من جهة، وسلوك وتصرُّفات الأشخاص، من جهة أخرى!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى