رسالة من غسان جابر إلى غانية ملحيس

رسالة من غسان جابر إلى غانية ملحيس

إلى الكاتبة القديرة غانية ملحيس،

أعبّر عن خالص شكري وتقديري لقراءتك العميقة والمضيئة لمقالي "الفساد بين بلاد التنين وبلاد التنوين". لقد التقطتِ ببصيرتك النقدية ما كنتُ أطمح أن يصل إلى القارئ خلف طبقات السخرية، من فكرةٍ ترى في الفساد بنيةً مركّبة أكثر من كونه انحرافًا فرديًا، ومن اللغة ساحة صراعٍ بين الوعي والتبرير.

تحليلكِ الرفيع لمستويات النص — من رمزيته اللغوية إلى أبعاده الاقتصادية والسياسية والثقافية — أعاد تقديم المقال في سياقه الأعمق، سياق السؤال عن علاقة السلطة بالمعنى، واللغة بالفعل، والمجتمع بذاته. وقد أسعدني أنكِ قرأتِ السخرية لا كترفٍ بلاغي، بل كفعل مقاومة، وكوسيلة لتعرية واقعٍ يختبئ خلف الشعارات والتقارير والمصطلحات المنمّقة.

أقدّر إشارتكِ إلى الاقتصاد الريعي والهيمنة الثقافية كجذورٍ لإعادة إنتاج الفساد، فهما بالفعل مفتاح فهم العلاقة المعقّدة بين الدولة والمجتمع في عالمٍ عربيٍّ يعيش ازدواجية الخطاب والفعل. كما أتفق معكِ في أنّ المقارنة بين الصين والعالم العربي هي رمزية في جوهرها، هدفها الإشارة إلى الفارق بين ثقافة تُحاسِب بالفعل، وأخرى تُبرّر بالقول، أكثر من كونها مقارنة بين نظامين سياسيين بعينهما.

لقد التقطتِ ببراعة البعد الفلسطيني في النص — البعد الذي لا يُعلن نفسه مباشرة لكنه يسكن المفردة والنية، إذ لا يمكن فصل الفساد الداخلي عن منظومة الاحتلال والاستعمار، ولا عن الحاجة إلى وعيٍ تحرّري يعيد تعريف المسؤولية والمواطنة والكرامة.

قرأتُ مقالتك كحوار فكري لا كمجرد نقد أدبي، وكجسر بين الكاتب والقارئ في زمنٍ نحتاج فيه إلى نقاشٍ مسؤول حول الإصلاح والعدالة واللغة.
أؤمن كما تفضلتِ أن معركتنا ليست فقط مع الفساد، بل مع النظام الذي يحتاج إليه ليستمر، ومع الوعي الذي يُعيد إنتاجه دون قصد.

فشكرًا لكِ على قراءةٍ تعيد للناقد دوره الحقيقي: أن يضيء النص لا أن يختزله، وأن تمنح الكلمة بعدَها الفكري لا مجرد صداها البلاغي.

مع خالص التقدير والاحترام،
غسان جابر

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى