رسالة جوابية من غانية ملحيس إلى غسان جابر

الصديق العزيز غسان،

جزيل الشكر على رسالتك النبيلة التي تعكس عمق الفكر ورقي الكلمة، وتؤكد أن الكتابة الحقيقية لا تتوقف عند حدود النص، بل تمتد إلى فضاء الحوار والتفاعل الفكري الخلّاق.

سرّني كثيرًا أن قراءتي لمقالك «الفساد بين بلاد التنين وبلاد التنوين» وجدت صداها لديك، وأنها تفاعلت مع ما أردتَ قوله بين السطور؛ فالنص الذي يوقظ الحوار هو النص الذي يمتلك حياةً خاصة، تتجدّد كلما قُرئ بعينٍ مختلفة.
لقد تميّز مقالك بجرأة الطرح واتساع الرؤية، إذ تناول الفساد لا كعرضٍ اجتماعيّ أو خللٍ إداري، بل كبنيةٍ متجذّرة في منظومة الوعي والاقتصاد والسياسة، تربط بين الفعل اللغوي والفعل الاجتماعي في شبكةٍ واحدة من المعاني والمصالح. وهي مقاربة نادرة في الكتابة العربية المعاصرة، لأنها تعيد إلى اللغة دورها كأداةٍ للوعي لا كوسيلةٍ للتبرير.
وأقدّر في مقالك أنك جعلت من السخرية موقفًا معرفيًا ومقاومةً فكرية، لا مجرّد أسلوبٍ بلاغي، فهي هنا ليست نفيًا للجدّية، بل وجهها الأكثر صدقًا.
كما شدّني حضور البعد الفلسطيني في المقال، وإن كان مواربًا، ذلك البعد الذي لا يرفع رايةً، بل يتسرّب في نَفَس النصّ ووعيه، بوصفه وعيًا بالتحرر لا جغرافيا للصراع فحسب.
ما يجمعنا، في جوهره، هو الإيمان بأن معركتنا الفكرية لا تنفصل عن معركتنا الأخلاقية، وأن الإصلاح لا يبدأ من المؤسسات وحدها، بل من اللغة التي تصوغ وعينا بالعالم وبأنفسنا.
غايتنا أن تتحوّل المقالات إلى فضاءٍ للحوار كهذا، حيث يلتقي النقد بالفعل الثقافي في تفاعلٍ يفتح أفقًا جديدًا للمعنى، ويعيد الاعتبار لدور المفكر والمثقف والناقد كصوتٍ يضيف ولا يتربّص، يضيء ولا يُدين، ويكشف ولا يُقصي.

دمتَ شريك الحلم والعمل في التأسيس لمستقبل يليق بتضحيات شعبنا.

خالص التقدير والاحترام
غانية ملحيس

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى