د. أحمد الحطاب - كفى من الضحك على الدقون!

إن أكبر الضاحكين على الدقون، هم الأحزاب السياسية. لماذا؟ لأن هذه الأحزاب السياسية تسخر من الناس وتُخادِعُهم وتستخِفُّ منهم. بمعنى أن الأحزاب السياسية المغربية، ما يهمُّها، هو الوصول إلى كراسي السلطة، كيفما كانت الطُّرقُ والوسائل المُؤدِّية إلى هذه السلطة. وبعبارة أخرى. الأحزاب السياسية لا تُعطي أيةَ قيمةٍ لأصوات المواطنين. لكنها تستعمل كلَّ أنواع الخداع والنفاق لاستقطاب هذه الأصوات.

بالنسبة لهذه الأحزاب السياسية، صوتُ الناخب ليس إلا رقماً جافاً لبطاقةٍ وطنيةٍ، يجب خِداعُه والكذبُ عليه وجعلُه يثق فيما تُروِّجه الحملات الانتخابية من آمال، ليُضخِّمَ مجموع الأصوات التي قد تقود هذا الحزبَ السياسي أو ذاك لكراسي السلطة. والدليل على ذلك، كل الأحزاب السياسية، إلا حزب واحد، وافقت على القاسم الانتخابي le quotient électoral, رغم أنه غير ديمقراطي.

فإذا استثنَينا السنوات الأربعة أو الخمسة الأولى بعد استقلال البلاد، حيث كانت الأحزاب السياسية كلها وطنية بما للكلمة من معنى نبيل، وعددُها لا يتجاوز عددَ أصابع اليد الواحدة، كل الأحزاب السياسية الحالية، رغم إدِّعائها أنها وطنية، كلها انتهازية ولا ترى في المواطنين إلا أرقاما جافة صالِحة، فقط وحصريا، لتدعيم حظوظ هذا الأحزاب أو ذاك للوصول إلى كراسي السلطة.

فهل يُرجى خيرٌ من أحزاب سياسية تخلَّت عن وطنيتِها وعن مبادئها طمعاً في السلطة؟ وهل يُرجى خيرٌ من أحزاب سياسية تمَّ إنشاءُها بسبب خلافات شخصية بين قياداتٍ حزبية وليس من أجل مبادئ تخدم مصلحةَ الوطن؟ وهل يرجى خيرٌ من أحزاب سياسية تمَّ إنشاءُها لتدعيم الوضع القائم l'ordre établi؟

أي حزبّ سياسي، إذا لم يكن نابِعاً من إرادةٍ شعبيةٍ، أي إذا لم يكن أصلُه ضارِباً في أعماق المجتمع ويحمِل همومَ هذا الأخير ويُكرِّس جهودَه لخدمة الصالِخ العام الوطني، فهو حزبٌ انتهازي، أي أن مَن كانوا وراء تأسيسه، ليسوا إلا جماعة من مُتربِّصي الفًرَص des guetteurs d'occasions ومُحاولة الاستفادة منها، غالبا، من خلال طُرُق غير مشروعة.

وعلى ذكر الطرق غير المشروعة، يتبادر إلى ذهني السؤال التالي : "مَن المسؤول عن انتشار الفساد في البلاد"؟ المنطق يقول : "كل حزب سياسي وصل إلى كراسي، عن طريق الانتخابات، تقع على عاتقه محاربةُ الفساد بجميع أشكالِه. ومحاربة الفساد منصوصٌ عليها في دستور البلاد. كيف ذلك؟

يكفي أن يتمَّ تفعيلُ عنصرين مهمَّين أشار إليهما الدستور بوضوح. إنهما "ربط المسؤولية بالمحاسبة" relier la responsabilité avec la reddition des comptes واستقلالية القضاء l'indépendance de la justice. وكل حزب سياسي وصل إلى كراسي السلطة، عن طريق الانتخابات ولم يُفعِّل هذين العُنصرين، يُعتَبَر قد قَبِل أن يمارس السلطةَ في جوٍّ وفي ظروف مشحونة بالفساد. ومُمارسة السلطة بنزاهة avec probité واستقامة intégrité، غير ممكنٍ، على الإطلاق، في بلدٍ نخر الفسادُ مجتَمعَه ومؤسساتِه. لماذا؟

لأنه، عندما يكون الفسادُ منتشِراً في المجتمع وفي مؤسسات الدولة التي هي تحت مسؤولية الأحزاب السياسية الحاكِمة، يكون ضغط اللوبيات الاقتصادية على هذه الأحزاب الحاكمة، قويا. وقد نقول إن هذه اللوبيات تصبح هي الآمِرُ والناهي، على الأقل، في الأمور الاقتصادية، علما أن الاقتصادَ هو الذي يخلق الثروة!

والتجربة بيَّنت وتُبيِّن لنا أن كل الأحزاب السياسية، التي مارست وتُمارس السلطة حالياً، لم تُحارِب أكبر آفةٍ تُعِبق تقدُّمَ البلاد وتنمِتَها. وكل حزبٍ سياسي لم يحارب الفساد وقَبِلَ أن يحكُمَ البلادَ في جو مشحون بالفساد، اجتماعياً واقتصاديا، فهو نفسه فاسِدٌ أو عقليات قياداتِه فاسِدة.

إذن، أحزابنا السياسية الحاكِمة، حالياً، أو تلك التي مارست السلطة، ماضياً، إن لم تُحارب الفسادَ، فإنها، صِمنياً، تُساعِد على انتشاره، وخصوصا، أن محاربةَ الفساد تحتل الصدارةَ في الحملات الانتخابية.

والغريب في الأمر، أن نفسَ السيناريو يتكرَّر من ولاية برلمانية/حكومية إلى أخرى، دون أن يستيقظَ ولو حزبٌ واحِد من غفوتِه ويُؤنِّب ضميرَه، إن كان لديه ضمير، ويلاحظ أن المغاربةَ سئِموا هذا الوضع إلى أن أصبح الفسادُ ثقافةًً متداولة في المجتمع وفي مؤسسات الدولة.

وحينما يتحوَّل الفسادُ من آفةٍ اجتماعية إلى ثقافةً، فإنه يُصبح هو الخيط الناظم لشؤون الناس في حياتهم اليومية. وهذا يعني أن جمبعَ الناس العاديين والسياسيين طبَّعوا مع الفساد. إلا فئة الشباب المنتمين إلى GenZ رفضوا هذا التَّطبيع وهم مُصمِّمون على إجبار القيادات الحزبية على الأخذ بعين الاعتبار هذا الرفض.

إن ضحكتم، يقول شبابُ GenZ، في ماضي الأيام أو طيلةَ عقودٍ، على دقون الشعب المغربي، فلن نسمحَ لكم بالضحك على دقوننا! وبعبارة أخرى، إن خدعتم الشعبَ المغربي بنِفاقِكم طيلةَ عقودٍ مضت، فنِفاقُكم سيسطدِم بوعيِنا وبعقولِنا النَّيِّرة والمُستنيرة!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى