رسالتان بين غانية ملحيس وخالد عطية

رسائة غانية ملحيس الى خالد عطية

خالد العزيز
مقالك العميق «الحرب التي غيّرت العالم ولم تغيّرنا» قراءة فكرية متميزة للحرب على غزة، ليس باعتبارها حدثا سياسيا عابرا، بل كلحظة كاشفة للبنية الأخلاقية والسياسية للعالم، ولواقعنا الفلسطيني والعربي في آن واحد.
أقدّر عاليا قدرتك على المزاوجة بين التحليل السياسي والبعد الرمزي-الفلسفي، وعلى تحويل المأساة إلى سؤال في الوعي لا مجرد واقعة في التاريخ.
لفتني وضوحك في نقد الواقع الفلسطيني والعربي دون انزلاق إلى خطاب التبرير أو الإدانة المجانية.
مقالك يترك القارئ في لحظة تأمل مفتوحة، ويعيد طرح أسئلة جوهرية :
- كيف يمكن بناء وعي فلسطيني وعربي جديد يرقى إلى مستوى تضحيات غزة؟
- ولماذا يتخلّف وعينا ولا يواكب التحوّل العميق في الوعي العالمي؟
لقد دفعتني قراءتك للتأمل في الفارق بين التأثير الكبير لحرب الإبادة والصمود الأسطوري للمقاومة الفلسطينية على الوعي العالمي، وبين ضعف تأثيرها علينا نحن - الفلسطينيين والعرب - رغم أننا الضحايا المباشرون. فبينما حرّكت هذه الحرب ضمائر الملايين في العالم، ظلّ فعلنا الشعبي والسياسي باهتا، محصورا في الغضب والتعاطف، دون أن يتحوّل إلى قوة تغيير فاعلة.
- ما الفارق بين شعوبنا وشعوب العالم الحرّة؟
في تقديري، الجواب يكمن في الأعطاب البنيوية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتنظيمية والقانونية التي تشلّ قدراتنا، وتجعل وعينا أسيرا لبنى التبعية القديمة والجديدة. فما لم نواجه هذه الأعطاب برؤى نهضوية تحررية حقيقية، سيبقى التغيير متعذرا .
فالوعي لا ينمو إلا بالانعتاق من الاستلاب الفكري والثقافي الذي يعيد إنتاج التبعية السياسية والاقتصادية والاجتماعية. علينا أن نستعيد الترابط الطبيعي بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع والوطن، بعد أن استُبدل هذا الترابط في الحقبة الاستعمارية بعلاقة عكسية تخدم الهيمنة وتؤبّدها حتى بغياب المستعمِر المباشر.
المشكلة أعمق من أن تُختزل في اللوم أو الاتهام بالتقصير أو التواطؤ.
إنها مسألة بنية وهيمنة وآليات عمل تحتاج إلى فكر تحرري يبحث في كيفية تشكّل منظومة التبعية، وآليات تفكيكها، وسبل ووسائل إعادة تركيبها ضمن استراتيجيات بعيدة ومتوسطة وقصيرة المدى.
الوعي بأولوية ذلك هو الخطوة الأولى في طريق النهوض.
لقد آن الأوان لأن نتعمّق في دلالات ما كشفته غزة، في الثمن الهائل الذي دفعته، وفي العوامل التي مكّنتها من الصمود الأسطوري والاستعصاء على الخضوع رغم فداحة الخسائر.
مهمّة المفكرين والباحثين والمثقفين اليوم أن ينكبّوا على البحث في سبل تقليص كلفة النضال وتعظيم عوائده، فصراعنا مع النظام الاستعماري الإحلالي طويل، عابر للأجيال، ومكلف، ولا سبيل إلى حسمه إلا بهزيمته وبتفكيك بناه، عبر نضال تحرري شامل يوجّهه وعي معرفي نقدي وسياسات كلية وقطاعية قادرة على تحقيق التحرر بأقل كلفة وأقصر زمن
غانية ملحيس
9/10/2025


***

رد خالد عطية

الدكتورة العزيزة غانية،
أضفتِ إلى المقال عمقًا فكريًا يوسّع أفق النقاش ويكشف جوهر القضية. رؤيتك الثاقبة تُدرك أن أزمتنا لا تكمن في الوعي وحده، بل في البُنى التي تعيد إنتاج التبعية وتحدّ من قدرتنا على تحويل الصمود إلى مشروع تحرر فعلي. فغزة لم تعد مجرد جرحٍ أو رمز، بل أصبحت مختبرًا للوعي، ودعوة لإعادة بناء الذات الفلسطينية والعربية على أسس فكرية ومؤسساتية جديدة.
إن تفكيك منظومة الهيمنة لا يبدأ من السياسة فحسب، بل من الوعي النقدي الذي يحوّل المقاومة من ردّ فعلٍ إلى فعلٍ مؤسس.
أشكرك على هذا الإثراء العميق الذي حوّل المقال من نصٍّ إلى حوارٍ مفتوحٍ يتّسع للفكر والنقاش

خالد عطية 10/10/2025

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى