قراءة نقديّة في مجموعة "قصائد منتفضة" لمحمد مصطفى الغماري

قراءة نقديّة في مجموعة "قصائد منتفضة" لمحمد مصطفى الغماري
......
- مدخل عام: القصيدة في مواجهة الغياب
- في غياب الشاعر، تحضر القصيدة ككيانٍ مقاوم للعدم، وتستمر في الوجود لتقول ما لم يستطع الزمن إسقاطه من الذاكرة. هكذا تبدو تجربة محمد مصطفى الغماري في مجموعته «قصائد منتفضة من كتاب أسرار النار» (منشورات اتحاد الكتّاب الجزائريين، 2021)، إذ تتحوّل القصيدة إلى شاهدٍ ناطقٍ على عصرٍ ملتهبٍ بالاحتلال والمقاومة، وإلى صوتٍ يواصل الحياة في غياب صاحبه.
القصائد هنا ليست مجرّد نصوص شعرية؛ بل وثيقة وجدانية وتاريخية، تلتقي فيها جمالية اللغة بقداسة القضيّة، فتمنح النصّ بعدًا يتجاوز حدود الفن إلى الرسالة والرؤيا والوعي.
- التجربة الشعرية: الشعر كفعل مقاومة
- يتأسّس مشروع الغماري الشعري على رؤية فلسفية ترى في الكلمة فعلاً مقاوماً، وفي القصيدة معراجًا إلى الحرّية، فالمجموعة تنتمي إلى ما يمكن تسميته بـ"شعر الانتفاضة"، لكنها ليست شعرًا تحريضيًا فحسب، بل هي شعر الوعي المقاوم الذي يربط بين التاريخ والمصير الإنساني.
من خلال عناوين القصائد الكبرى:
(ليلى المقدسية – حطّم القيد – أيّها الشهداء – المنتصرة – الصوت الخالد – الحق والسيف)
يتضح أن الغماري يؤسّس ملحمة شعرية تتجاوز البعد الآني للحدث إلى رمزية كونية:
-ليلى المقدسية ليست فتاة بعينها، بل هي رمز لفلسطين الأنثى، للأرض المطهّرة بالدماء.
الحق والسّيف تعبير عن ثنائية الوجود العربي بين الفكر والقوة.
أمّا الصوت الخالد، فهورمز البقاء الأبدي للشّهداء وللشّعر ذاته.
- اللغة والأسلوب: بين الفخامة والترسّل
- لغة الغماري في هذه المجموعة جزلة متينة، متشربة بوهج التراث القرآني والبياني.
يمزج بين البلاغة الكلاسيكية والرمزية الحديثة، فتبدو قصيدته وكأنهاامتداد للقصيدة العربية في ملامحها الخليلية، لكنها تتنفس إيقاع العصر وألمه.
يقول في قصيدة" ليلى المقدسية" :
- يا مهرةً تفدي الحمامَ بمهرِها *** أعظِمْ بها من ذاتِ كعبٍ مُعصَرِ
- أغليتُ مهركِ أن يكونَ سبائِكًا *** ما الكنزُ ما الّهبُ النضارُ الأصفرُ
- أعظم بمهرك أن يكون بنادقا *** لغة الرّصاص بها بيان الأدهر
- من كفِّ أروعَ مقدسيٍّ لم يكن *** لينامَ عن جرحِ الجنابِ الأطهرِ
- من كفِّ أروعَ مقدسيٍّ لم يكن *** لينامَ عن جرحِ الجنابِ الأطهرِ
- وقنابلٌ غضبى يسيلُ لهيبُها *** مطرًا على المستوطنِ المستكبرِ
- نلحظ هنا توازنًا بين عمق الصورة ورصانة البيان :
فالمهرة رمز للعفّة والعزّة، والذهب رمز للمادّة الزائلة، يقابله مهر الشهادة الذي لا يُقوَّم بثمن.
هذه المفارقة البلاغية تمنح النص بعدًا صوفيًا مقاومًا؛ إذ ترتقي التّضحية إلى طقسٍ مقدّسٍ من طقوس الحرية.
- الصورة الشعرية: التناص والتكثيف الدلالي
- الصورة عند الغماري ليست زخرفًا بل جهازًا معرفيًا وجماليًا.
يتكئ على التناص القرآني ليُشرعن الفعل المقاوم ويمنحه مشروعية روحية.
يتردّد في النص أثر من قوله تعالى: «وقاتلوا الذين يقاتلونكم...» و«ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا»،
إذ تتحوّل القصيدة إلى منبر إيماني للبطولة، كما في قوله:
- من كفِّ أروعَ مقدسيٍّ لم يكن *** لينامَ عن جرحِ الجنابِ الأطهرِ
- وقنابلٌ غضبى يسيلُ لهيبُها *** مطرًا على المستوطنِ المستكبرِ
هنا تتحوّل القنبلة إلى مطرٍ مطهّ يغسل الأرض من دنس العدو، وهي صورة مضادة للمألوف البلاغي** تجعل من العنف فعلَ تطهيرٍ روحيّ.
- الخصائص الفنية والمعمار الشعري
- تقوم المجموعة على المطوّلات الشعرية (كما في "ليلى المقدسية "التي تجاوزت 340 بيتًا)، مما يدلّ على طاقة بنائية استثنائية وقدرة على الحفاظ على الإيقاع الداخلي والدرامي للنّص دون ترهّل.
- خصائص فنية بارزة:
- نَفَس ملحميّ واضح : القصائد تتوالى كفصول من "ملحمة شعرية للمقاومة".
- الإيقاع الخليلـي المنتظم : يدل على ارتباط الشاعر بالأصول الكلاسيكية.
- الرمزية الواقعية : تمزج بين الصورة المجرّدة والمشهد الحيّ.
- البنية الحوارية : يحاور الشهيد، والمكان، والقدس، والذات، مما يضفي طابعًا دراميًا.
-اللغة التصويرية المشحونة بالعاطفة الدينية والسياسية.
- البعد الإنساني والروحي:
ليست قصائد الغماري دعوة للثأر، بل إنشاد للكرامة، فمفرداته تمزج بين "الدمع والسيف"، "النار والضوء"، "الموت والخلود".
- إنّها شهادة جمالية تقول: إنّ المقاومة ليست ضدّ الآخر فقط، بل ضد الخذلان والجمود والسكوت عن الحقّ في وجه الباطل.
هنا يلتقي الشعر بالتّصوّف، حيث يتحوّل الدم إلى نور، والروح إلى نشيد خالد.
بهذه المجموعة، يرسّخ الغماري مكانته ضمن جيل الشعراء الجزائريين الذين ربطوا القضايا القومية بالبعد الإنساني (مثل مفدي زكريا، وصالح خرفي محمد الأخضر السّئحي، ومحمد العيد آل خليفة) وغيرهم، لكنّه يضيف صوته الخاص بجرسٍ لغويٍّ قرآنيٍّ وإيقاعٍ حماسيٍّ يتقاطع مع شعر المقاومة الفلسطينية (درويش، القاسم، زياد).
قصائده المنتفضة لا تتحدث عن فلسطين فحسب، بل عن الإنسان في مواجهته للظلم الكونيّ، وهو ما يمنحها بعدًا فلسفيًا عابرًا للحدود.
خاتمة: الشعر كذاكرة لا تموت
- إنّ قصائد منتفضة* ليست ديوانًا عاديًا، بلبيان شعري في معنى الانتماء والكرامة.
من خلالها، استطاع محمد مصطفى الغماري أن ينسج وثيقة فنية لمقاومة النسيان، وأن يجعل من الشعر وسيلة لحفظ الذاكرة وتطهير الوجدان.
وإذا كان الشاعر قد آثر الصمت في حياته الأخيرة، فإن قصائده ما زالت تصرخ في وجه الغياب: لا غياب بعد الشعر.







Toutes les réactions :
2Vous et عزوز العيساوي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى