-رسالة جوابية من يحيى بركات لغانية ملحيس

د.. غانية...

ما كتبته ليس تعليقًا على مقال، بل مشهدًا آخر في الفيلم ذاته.
كأنّك أمسكتِ الكاميرا من الجهة المقابلة وعدّلتِ زاوية الضوء،
فبانت الحقيقة أكثر قسوة، وأكثر صدقًا.
حين قلتِ إن المسرح بات يتّسع للكومبارس،
رأيتُ معك كيف تحوّلت السياسة إلى عرضٍ مدفوع الثمن،
يتبادلون فيه الأدوار ويتخفّفون من الضمير كما يتخفّف الممثل من زيه بين مشهدٍ وآخر.
والعبارة التي جعلتِها مفتاحًا للبوست “مناطق جمركية خاصة تُعفى فيها الجرائم”
هي أكثر توصيف دقيق لزمنٍ صار فيه المجرم محميًّا بالقانون،
والضحايا مهدّدين بتهمة النجاة.
قرأتُ في كلماتك خريطةً لواقعٍ بلا عدالة،
وعالمٍ يحدّق في الفيلم الأمريكي الطويل، متناسياً الستار الذي يخفي الحقيقة.
نعم، إنهم يشاهدون المشهد ولا يدركون أن الكاميرا موجهة إليهم أيضًا،
وأن ما يبدو “سلامًا” في الصورة ليس سوى لقطة دعائية تخفي وراءها مقصلة العدالة.

ومع ذلك، تتركين في النهاية نافذة ضوء تقول:
“لكنّ الحق، كالشمس خلف الغيم، سيعود ليضيء المشهد ويعيد كتابة السيناريو من جديد.”
وهنا تمامًا، تتقاطع رؤيتنا يا د. غانية...
فأنا أؤمن أن العدالة لا تموت، بل تُحتجز مؤقتًا في غرفة المونتاج.
قد يؤخرون عرضها، قد يحذفون بعض اللقطات،
لكنها في النهاية ستخرج بنسختها الكاملة،
وسيعاد كتابة السيناريو من جديد بدماء من لم يُمنحوا دور البطولة.
تحليلك أضاء الظل الذي كنتُ أكتب منه،
وجعل من النصّ والمشهد مرآتين لزمنٍ واحد.
فالحقّ، كما قلتِ، لا يغيب،
إنه فقط ينتظر اللقطة التي لا يمكن للمخرجين السياسيين حذفها.
يحيى بركات
13/10/2025


***

17- رسالة ثانية من يحيى بركات لغانية ملحيس

‎ د. غانيه...
‎كلماتك ليست تعليقًا على مقال، بل مشهدًا تالياً في فيلمٍ يكتب نفسه كل يوم بدمٍ جديدٍ ووعيٍ لا يلين.
‎حين كتبتُ عن "المشهد بلا بطل"، كنت أصف غياب الوجوه الفلسطينية عن قاعة الضوء،
‎أما أنتِ فقد كشفتِ الوجه الآخر للمشهد، حيث غزة هي البطل الذي لا يحتاج مقعدًا ولا ميكروفونًا ليحضر.
‎قرأتُ سطورك، فشعرت أن العدسة اتسعت حتى شملت العالم.
‎تحليلُك للأرقام، لعمق الجرح، لثقل الفقدان، لم يكن إحصاءً،
‎بل لغة أخرى للمأساة… لغة تعرف أن كل رقمٍ في غزة يحمل روحًا،
‎وأن كل بيتٍ مهدوم هو ذاكرةٌ تُعيد نفسها كي لا تُنسى.
‎قلتِ إن غزة فرضت نفسها على المسرح الدولي،
‎وأنا أراك محقة تمامًا؛
‎لقد قلبت غزة أدوار المسرح،
‎فصار القاتل في ركنٍ ضيّقٍ يبرر دماءه،
‎وصار الضحية في مركز الضوء،
‎يُملي على العالم فصولاً جديدة من أخلاق المقاومة.
‎وما أدهشني في قراءتك هو هذا الانتقال البصري الدقيق:
‎من بروتوكولات الزعماء في شرم الشيخ
‎إلى الركام الحيّ الذي يكتب التاريخ في غزة.
‎بين هذين المشهدين،
‎تثبتين أن "الغياب الفلسطيني" ليس فراغًا سياسيًا،
‎بل حضورًا ميتافيزيقيًا يعيد تعريف العالم من جديد.
‎نعم، د. غانيه،
‎غزة الغائب الحاضر،
‎هي التي تُعرِّي "الفيلم الأمريكي الطويل" من حبكته الكاذبة،
‎وتجعل من كل كاميرا في العالم مرآةً أخلاقيةً تفضح النفاق الدولي.
‎حين تنظرين إلى غزة بوصفها “رمز القوة الأخلاقية والسياسية الذي يعيد تشكيل العالم”،
‎فأنتِ لا تمدحينها، بل تكشفين الخطر الوجودي الذي تمثله على نظامٍ عالميٍّ بُني على الهيمنة.
‎ولهذا بالضبط يخافونها.
‎ولهذا بالضبط تُقصى عن الطاولات... كي تبقى في القلب.
‎أقدّر كلماتك، وأراها استكمالًا لما بدأناه:
‎أنا كتبتُ المشهد من القاعة،
‎وأنتِ كتبته من الذاكرة،
‎وما بين القاعة والذاكرة وُلد النصّ الكامل للحقيقة:
‎أنّ غزة لا تُشارك في المؤتمرات لأنها هي التي تُقيمها.
‎كلّ ما يحدث حولها تفاصيل جانبية لفيلمٍ طويل،
‎لكنها رغم الجراح
‎الكاتبة، والمخرجة، والشاهد الوحيد الذي لا يمكن إقصاؤه من المشهد.
‎دمتِ بهذا الوعي النادر،
‎وهذا الحضور النبيل الذي يوازي في نُبله حضور غزة نفسها.


***

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى