اسمي مهتاب قرباني Mahtab Ghorbani " أم عزباء" كاتبة، وناشطة في مجال حقوق الإنسان، أُدرك تمامًا الصعوبات التي تواجهها النساء والأطفال المنفيون. قضيتُ أنا نفسي عامين ونصفًا في مخيمات اللاجئين، وفي عام ٢٠٢٣، كُرِّمتُ كواحدة من خمس نساء منفيات ملتزمات بقضيتهن في فرنسا.
أنا من بلد يُسجن فيه الكُتّاب أو يُقتلون؛ قصائدي ليست سوى مديح للحياة.
أعيش في فرنسا منذ عام ٢٠١٨، بعد ثمانية عشر عامًا من النضال من أجل الحرية والمساواة والكرامة الإنسانية في إيران، والتي قادتني إلى السجن ثم إلى المنفى.
مهتاب قرباني
تقديم المترجم
من خلال صورتها في وضعيات مختلفة، حصيلة مبدأ حياتي بالغ العمق، يمكن أن تعرف من تكون في شخصيتها وهي في حضورها الإنساني، ولعل تقديرها لدور الصورة الفوتوغرافية في إبراز كينونة الإنسان من الداخل، كان وراء نشرها لصور عنها، كما لو أنها تريد أن تقول: هي ذي أنا.
الصورة ليست مجرد لقطة من كاميرا، إنما لقطة حياة تحيل مباشرة على حقيقة لا تضاء إلا بوعي مدفوع الثمن. حيث تردتد الكاميرا إلى الوراء انتهاء الانتهاء من " مهتمتها " تاركة المجال للصورة في أن تنزل إلى شارعها، إلى برّيها، إلى الناس حيث يكونون، وحيث يريدون أن يكونوا بوصفهم بشراً يستحقون أن يعيشوا الحياة بثرائها.. إنها أكثر من مجرد مشاهدة، حيث إن الصورة لا تكفي بتوقيف الزمن، بقدر ما تبقيه في حركته النهرية، كما هو نهر هيراقليطس، وهذه المرة تعبيراً عن أن التغير هو العلامة الفارقة في الحياة، إنما التعبير الذي ينبه من يريد تغيير مجرى النهر، أو تعكير صفوه وهو يجري على طبيعته، أن ليس هناك من قوة بقدارة على التحكم بمصير النهر. ثمة العمق المقاوم، وثمة الفضاء المقاوم، حصيلة إرادة تعرّي جسدها ليس توقاً إلى تلك المسماة بالإباحية المبتذلة حيث يفقد الجسد كل قيمة اعتبارية وذوقية له، إنما تعرية الجسد المستحم في ماء النهر الصافي وإيماناً بمضاء عزيمته، وتحدياً للظلم، ونشداناً للحرية، ولما هو إنساني. الصورة الفوتوغرافية مشهد صاعد بماساته، ومعاً بضعف الآخر وهو يحاطَب بزواله المحتوم، ويبقى الإنساني في المحصلة، ومهتاب صوت إنساني، بدقة أكثر: صوت نسائي إنساني، بتعبير أوضح، واعترافاً بحقيقة الاسم: إشعار بقلب حي ربما أكبر من جسمه، بجسم لا يعبأ بمن يضربه ويعذبه، إنما بحياة تسمّي الإنسان في عمومه، وأن المرأة هي أولاً وأخيراً إنسان، من لحم ودم، من قلب وعقل كاملين، راشدين حياة لها تاريخها، في إيران وخارجها، تشعِرنا بروعة الحرية، ونكهة اسمها، ونورانية صوتها، وكاريزمية هويتها، لمن يسمّي الليل المعتم ليلاً، وجسده يشتعل نهاراً، ويخيف الجلاد في عرائه المخزي، في عريه الآخر الذي يتكتم عليه، عري أي كان، في ذكورة بغيضة، تخشى حتى النظر في صورتها.
أقدّم قصيدتين، لم أجد غيرهما انترنتياً لشاعرتنا الإيرانية مهتاب قرباني" قربان إنسانيتها وهي حية، وقربان حياتها وهي صاعدة فيها، وقربان قضية الإنسان في دمها وفمها وهي تتنفس حريتها" ولعل فيهما كنموذج،ما يعلّم لمن يريد أن يتعلم ما تكونه الحياة، وما تريده من كل منا ليتأهل إليها، وهي أكثر من مجرد الصورة الفوتوغرافية في الزمان والمكان، وتأكيداً على الفارق البيّن بين العادي منها، والاستثنائي فيها طبعاً، طبعاً، في حياتها وكتابتها الجامعة بين ما هو سياسي وإيروسي: التمثيل الصادم والمهيب لما هو حياتي، وتكون صورها التي تشدنا إليها، كما لو أنها هي " هذه الصور " ترجمان حقيقة ما تقول وتفعل، وتوقِع على صدقها تماماً، حيث تمتزج الصورة الملتقطة بالكلمة المنسابة نهرياً خارجها إلى أعالي الروح وأبعد! .
بعض لها عنها:
وُلدت مهتاب قرباني في طهران عام 1983 لعائلة ناشطة سياسيًا، وتأثرت بشدة بالنضالات والصمود المتأصلين في تاريخها الشخصي. كان والدها سجينًا سياسيًا في إيران في ثمانينيات القرن الماضي، مما شكّل فهمها للمقاومة والعدالة منذ صغرها. واصلت دراستها في الأدب الفارسي في الجامعة، حيث بدأ شغفها بالكتابة والنشاط في مجال حقوق الإنسان.
في سن السابعة عشرة، اعتُقلت لأول مرة، وعلى مر السنين، تعرضت لثلاث اعتقالات أخرى بسبب أنشطتها في مجال حقوق الإنسان وكتاباتها. مُنعت جميع أعمالها في إيران، مما يدل على البيئة الصعبة التي نشأت فيها. في عام 2016، غادرت إيران مع ابنتها البالغة من العمر ست سنوات، وتعيش في فرنسا كلاجئة سياسية منذ سبع سنوات. كأم عزباء، اتسمت رحلتها بتحولات شخصية ومهنية عميقة.
خلال فترة إقامتها في فرنسا، نشرت أربعة كتب باللغة الفارسية وديوانًا شعريًا باللغة الفرنسية. حازت روايتها الأولى، "الكتابة بسكين"، على جائزة الأدب الأجنبي من المركز الدولي للكتاب في فرنسا. وعلى مدار السنوات السبع الماضية، دُعيت إلى أكثر من ثلاثين مهرجانًا أدبيًا في مدن ودول مختلفة، منها بلجيكا والسويد وهولندا وفرنسا. ونُشرت قصائدها في أنطولوجيتين فرنسيتين، مما يدل على تنامي التقدير الذي تحظى به أعمالها في الأوساط الأدبية الناطقة بالفرنسية.
تزاوج في كتابتها بين السياسة والإيروتيكا.
من القصائد القديمة لفتاة إيران الشجاعة
غير مكتملة
أحلم أنني أدور في الريح،
أنني أتلوى
وأن تفاحاً أحمر من غصن يدي الخضراوين
يسقط على الأرض.
تجذبني الريح،
أنا رهينتها وقد غلفت جسدي.
تغني: "عُرْي جسدك
يشبه ضوء القمر.
إلى متى ستظل أسيرًا لي؟"
يا ريح، يا متشردًا مُهانًا!
لقد فسدت ثماري
في صراعك.
هل أنت إعصار؟
هل أنت ريح سامة؟
أنتَ تُمزقين جسدي.
غصنُي يميل من اليسار إلى اليمين.
أصرخ:
أطفالي، بلا قبر ولا دفن،
يختفون في هجمة هذه العربة الدموية.
يا ويل! يا ظلم!
رفاقي يفرّون من سجنك،
تاركين جذورهم،
وأجسادهم في أيدي المنفى المسمومة.
بيوتهم هشة بلا أساس.
يا ويل! يا ظلم!
ألم تكفِك غاباتي الخضراء؟
لقد احترقت في نارك قرونًا:
أغصاني، أوراقي، وثماري.
أتيتَ،
فخلع الليل النهار عن عرشه في روحي.
جفّ دم حبيبي على يديك.
نار المعبد، بسبب شتائك،
تحلم بالشمس تحت الرماد البارد.
روحي تتحلل حزنًا.
يا ريح، أصرخ من أجل العدالة!
الحب الذي يشتعل في داخلي يكشف سرًا.
جذوري
جذوري
مدفونة هنا في وطني.
يا ريح، اتركينا!
أنتِ ريح أرض الصحراء المحروقة.
أنتِ ريح الأيام الخوالي،
أيام بلا غد.
ستبذر الأرض ساقي من جديد.
أغصان يدي الخضراء
ستُثمر ثمارًا طازجة.
سأنجو من نارك.
حتى لو كنتُ وحدي ومُهمَلاً،
سأقاوم هجومك
ولا أتمنى لك إلا هزيمتك،
وانهيارك، وزوالك...
أحلم أنني أرقص في الريح.
أدور في داخلي،
فتفرّ مني الريح
ويرحل الليل في أعقابها.
تبدأ الشمس بالغناء في غابتي.
ثماري تبتسم
وتفخر في رقصة المطر،
وأغصاني تلامس الأرض
وتحتضن جذوري.
أحلم أنني أرقص في الريح
***
اللحن
ما عدت أعشقك
ولا أبحث عنك،
ولا أذرف دموعي بفارغ الصبر
أفكر في فراقنا
ولا أطلب عودتكِ إليّ.
وجدتك عشية بلوغي كامرأة
وخلّدتك
في لحظة من لحظات وجودي
وفي عبورك لقلبي الشغوف.
وجدتك وسط صخب
ظهيرة صيف
وفي صمت الكائنات الهائمة
وتسللتُ إلى صفائكِ الدائم
بابتسامتك الحماسية الأولى
وخلّدتك
لا في قلبي
ولا في عقلي
ولا في فراشي.
خلّدت في طعم حياتي،
في حلاوتها العميقة
ومرارتها الجارفة.
جسّدت الرغبة والحزن في آنٍ واحد!
يصبح وجهكَ افتراضيًا عندما أتخيلكِ،
ولكنه لا يصاحبه لحنٌ عذب.
لكنك تنشر شخصك، ودفئك،
وصوتك الحريري الأبيض،
كنسيمٍ في أرجاء عالمي.
أنت في بريق عيني.
أنت الابتسامة التي تتشكل فجأةً على شفتي،
وأنت في قطرات دموعي المتدفقة،
التي تمطر على صحراء وجهي.
لقد تضاعفت في عطر أزهار النرجس،
وكتبي القديمة،
وفي بهجة علبة أقلامي الملونة،
وفي بياض أوراقي المجهولة.
أنت عبير الزمن بين الكلب والذئب،
وعبير الأرض، والقطيع، والنار.
أنت فرحة سقوط المطر المفاجئ،
وحزن انهيار رجل الثلج. أنت ميلاد الطبيعة،
في أنفاس رضيع نائم،
ثملاً برائحة الحليب،
وأنت هدوء دفء الصدر.
أنتَ قلقُ ديوانِ حافظ،
وتجوالُ اللحظاتِ الأولى من العامِ الجديد.
أنتَ موجود.
تأتي
حينَ تشتعلُ سيجارةٌ
في هدوءِ الوحدةِ
وفي صفاءِ فنجانِ الشاي
وفي استرخاءِ تعبِ الروتينِ
وفي تجنُّبِ متاعبِ حياةٍ بلا مفاجآت.
أنتُ تتدفق.
تتدفقُ في كلِّ وجودي.