خالد لياملاحي: حياة فلسطينية... النقل عن الفرنسية: إبراهيم محمود

1788729947714.png




في روايته الرابعة، "هنا تبدأ الأرض Ici commence la terre "، ينسج الكاتب الفرنسي الفلسطيني اللبناني جاد هلال قصة جدته المؤلمة في سرد حياة فلسطينية تتكشف وسط التهجير القسري والجراح العميقة. ومن خلال فصول قصيرة آسرة، يعيد دافع السرد، القائم على التناقل، بناء مسار امرأة وأمة في المنفى.

يعكس عنوان رواية جاد هلال ( هنا تبدأ الأرض. دار إليزاد، 288 صفحة، 21.50 يورو.) ببلاغته" أي العنوان- المترجم"، هذه الحاجة المُلحة لسرد قصة فلسطين من منظورين أساسيين مُهددين بشكل متزايد: الأصل والجذور. تُحدد الجمل الثلاث الأولى نبرة الرواية: "كان والداي مزارعين. مريم ومحمد.ثمة قمح ذهبي في أواخر أيام الصيف، تين، زيتون، أصابع مُحمرة." عندما تتحدث الجدة عايدة وتسترجع ذكريات طفولتها، يكون كل شيء حاضرًا: ذكريات النسب وتغير الفصول، وثمار الأرض وآثارها على الجسد. ثم تتوالى فصول موجزة، سردٌ مشوقٌ يحركه إلحاح توثيق الحياة الفلسطينية، وزرع آثارٍ أو نوافذ بين سنابل القمح المتمايلة في الذاكرة وعلى غلاف الكتاب، قادرة على إطلاق حكايات أخرى. هنا تبدأ أرض فلسطين وتاريخها، تلك الأرض التي تتوق لأن تُسمع.
في قرية شفا عمرو، التي يحمل اسمها وعدًا بشفاءٍ مؤجلٍ باستمرار، تنشأ عايدة الصغيرة بين أبٍ مبذرٍ وأمٍ تسعى جاهدةً لاسترداد أموالها. منذ البداية، يبدو الحب ممنوعًا أو محكومًا عليه بالفشل، سواءً أكانت علاقتها العاطفية العابرة مع آدم، أصغر جيرانها اليهود، أو زواج أختها حواء، الذي "زوّجها" والدها من ياسر العجوز. بسرعةٍ خاطفة، عندما تطلب عايدة يد جارها غني، مرددةً في نفسها "سيظل ذلك أفضل من رجلٍ عجوز"، نستشعر بداية فخٍ مميتٍ يُطبق على الراوية. زوجها، الذي يقضي أيامه بالعزف على المِجْوِيز، وهي مزمارٌ تقليديٌّ ذو أنبوبين معروفٌ في الشرق الأدنى، "رجلٌ ثريٌّ، أرستقراطيٌّ"، ولكنه قبل كل شيء، "غريبٌ" يعيش ويتنفس الموسيقى. كيف لها أن تدخل حياة رجلٍ حبيسٌ منذ البداية في "قصر صمته palais de silence "؟
لا تملك عايدة وقتًا للإجابة لأن التاريخ كان يُشحذ فأسه العظيم. بعد ولادة توأميهما، روها Roha وأمير، بفترةٍ وجيزة، أُجبرت العائلة على مغادرة قريتها إلى مخيم بعلبك، على الحدود مع لبنان. كانت نكبة عام 1948 تجربةً مؤلمةً شعرت بها أقدامهم: "غاصت الحصى في نعالنا وكأنها تقول لنا أن نحتفظ بها معنا". بالنسبة لعايدة، كما هو الحال بالنسبة لمئات الآلاف من الفلسطينيين الذين أُجبروا على ترك ديارهم، لم يكن للمنفى اسم، وكان فقدان أرضهم أمراً يصعب استيعابه: "لم أكن أدرك ما يحدث. كنا جميعاً مقتنعين، كل واحد منا، بأننا سنعود [...] لقد وصلت إلى الاعتقاد بأن ما كنا نمر به لم يكن سوى فترة وجيزة، هروب، مغامرة في الصحراء سنرويها لأطفالنا يوماً ما".

1788730042908.png

من هذا الشرخ الجوهري في السرد الفلسطيني، انزلقت حياة عايدة في دوامة من النزوح والخسائر المتتالية، والتي غالبًا ما تُختزل في كلمات قليلة، كما في لحظة وصولها إلى بيروت: "موت السماء الفلسطينية، في نعش المباني". وبينما تُنهب الأرض الفلسطينية على يد "البرابرة barbares "، تغرق عايدة ببطء في عزلتها، ويتشبث غني بعناد بفكرة مستقبل في لبنان، ساعيًا وراء فرص عمل ضئيلة وغير مستقرة. فكيف يمكن للمرء أن يعيش كفلسطيني في لبنان؟ سؤال شائك آخر يصطدم به مصير غني المأساوي، الرجل الذي ينأى بنفسه تدريجيًا عن عائلته، حتى يصل إلى حد الانعزال في غرفته: "رأى خارجه أن هذه الحياة قصيرة جدًا بحيث لا يستطيع إطالة أمدها، وداخله أن هذه الحياة طويلة جدًا بحيث لا يستطيع تقصيرها". في مفارقة عجيبة، أصبحت آلة المِجْوِز، التي تجسد الازدواجية في اسمها وتكوينها، مصدرًا للفرقة.
مع تقليب الصفحات، ومن حدثٍ إلى آخر، نتابع عايدة، التي ينهشها الخوف من فقدان كل شيء، وتغمرها وحدةٌ عميقةٌ تجعلها غريبةً عن اللبنانيين والفلسطينيين في المخيمات، حالةً شاذةً في بيئةٍ لم تشاركها تاريخها ولا تهجيرها. هل يُمكن أن يُنقذها ميلاد ابنتيها، بتالة وموديكا، ويُتيح لها نسيان لامبالاة زوجها المتزايدة؟ كيف لها أن تتحرر من قبضة المنفى الرهيبة هذه، المُتجذرة في جسدها وذاكرتها؟
يحمل كل فصلٍ نصيبه من اللقاءات الواعدة والآمال الهشة: مجتمعٌ نسائيٌّ ثمينٌ يُحارب "وحش الحنين le monstre de la nostalgie " من خلال الذاكرة، ولحظاتٌ وجيزةٌ من السعادة العائلية تنتهي كحلم، ورؤىً مُقلقةٌ لقريتهنّ الأصلية وهي تختفي في "فم الفراغ الهائل l’immense gueule du vide "، المُفتوح الآن على مصراعيه لأهواء النزاعات والأزمات.
من السياسة إلى التعليم، تستكشف رواية جاد هلال، بأسلوبٍ دقيق، (إعادة) بناء الهوية الفلسطينية في المنفى. ماذا نفعل بالتزام سياسي تحركه الكبرياء أكثر من الوطنية؟ إلى أي مدى يستطيع المرء أن يدافع عن قضية وهو عاجز حتى عن الدفاع عن شعبه؟ كيف يتغلب المرء على الخوف حين يرى حرية المرأة محصورة في إطار الزواج؟ ماذا نفعل ببطولة لا تُخلّف وراءها إلا الألم والفقد؟
من جيل إلى جيل، تتبع الشخصيات مساراتها وتتعلم التعايش مع مخاوفها وهواجسها وأشكال مقاومتها. تحت وطأة القصف، يكرس باتالا طاقته للعمل الميداني والصحافة العربية الجامعة. وعلى الرغم من كل الصعاب، تتمكن عايدة من تغيير مظهرها مؤقتًا "للبقاء على قيد الحياة". من الأردن إلى سوريا، ومن بيروت إلى أبو ظبي، ومن الكويت إلى فرنسا، تتكشف الحياة الفلسطينية عبر عمليات التهجير القسري والعودة المحفوفة بالمخاطر، وعمليات التحقق من الهوية والاختطاف، وأشد الضغوط قسوةً وأبشع الإهانات.
يمكن قراءة الرواية كذلك كقصة عن الخوف الذي يطارد فلسطين ويشكل مصير شعبها. من حرب الأيام الستة إلى الحرب الأهلية اللبنانية، ومن مجزرة صبرا وشاتيلا إلى الإرهاب الذي تبثه الفصائل اللبنانية، يتغير خوف عايدة باستمرار. في بعض الأحيان، يتجلى في صورة جنون ارتياب مدمر، على وشك الانفجار دائمًا. وفي أحيان أخرى، يتحول إلى فقر مدقع، وتحجر لا مفر منه، وموت بطيء. أن تعيش في فلسطين يعني أيضاً أن تُفصح عن ألمك، وأن تعبر حدود العقل والجنون مراراً، وأن تبحث عن السلام في ذكرى قرية طفولتك، التي أصبحت الآن "حلماً بعيداً، أفقاً ضبابياً".
وبعيداً عن شخصية غني Ghani، يجرّ العديد من الرجال مشاكلهم وعيوبهم إلى قصة تبدو وكأنها تُثقل كاهلهم: أمير، ابن عايدة، غالباً ما ينهشه الشعور بالذنب؛ نوردين، زوج موديكا Moudika ، لا يملك ما يُقدمه لها سوى ثروته، التي لا تكفيها بالتالي؛ عدنان، زوج روها، يُشبه "تلك المخلوقات البحرية الضخمة، السمينة، الهادئة، والبطيئة"، يفتقر إلى الشجاعة والحكمة. وفوق كل ذلك، تقف خلف عايدة بناتها، بتالة Batala ، وروها، وموديكا، ثلاث نساء فلسطينيات عليهن، كلٌّ على طريقتها، أن يتمسكن بالأمل، وأن يدفعن أحيانًا ثمن رحلة محفوفة بالمخاطر عبر قلب العنف الذي يستمر أمام أعينهن.
عندما تُقدّم الرواية شخصية أديب، ابن بتالة و"أمل عايدة الصغير"، نُدرك أن الحياة الفلسطينية لا تزال تُبنى من خلال التوارث والحوار بين الأجيال. فرغم أن العلاقات الزوجية قد تنهار عند الفشل أو تنهار تحت وطأة التاريخ وتقلباته، إلا أن الرابطة المتينة بين الجدة وحفيدها كافية لإعادة إحياء جذوة الحب. وعلى الرغم من المآسي والهزائم، يُعاد بناء المجتمع الفلسطيني في نهاية المطاف ضمن سياق القصة.
يصوّر كتاب "هنا تبدأ الأرض" إعادة بناء الحياة الفلسطينية بشكلٍ درامي، وهي عمليةٌ ارتبطت، بشكلٍ أوثق منذ عام ٢٠٢٣، بفشل العالم الذريع في مواجهة النكبة المستمرة لشعبٍ تُرك لمصيره وحده: "لن نتمكن أبدًا من محو العار"، كما يقول أديب. عند إغلاق الكتاب، يلفت انتباه القارئ، قبل كل شيء، الكرامة الراسخة التي تنبثق من السرد، حيث تتحول الذكريات إلى جسور: "لقد روينا قصصنا لنبقى على قيد الحياة". كل مشهدٍ من مشاهد الحياة الفلسطينية هو قطعةٌ من الكرامة أُنقذت من النسيان. كل ذكرى مُستعادة هي سنبلة قمحٍ تنبت في حقل الذاكرة الفلسطينية الشاسع.
في خضمّ ثنايا السرد، نتأمل هذه المعجزات الصغيرة، التي تتجلى في الاحتفاء بالتراث الطهوي (الفتوش، ورق العنب، الفسولية، لبن إيمو، الزعتر، اللبنة، الكوسة، المناقيش، وغيرها) وفي عناصر أخرى متنوعة، ليست مجرد حكايات عابرة: قصيدة لإبراهيم طوقان، تسجيل لفيروز، صداقة مع نساء جزائريات، طائر الشمس، رمز فلسطين الذي يذكرنا بشعر فادي جودة، واسم الفتاة ريما الذي يوحي وحده بمستوى التضحية والصمود المطلوبين من أي امرأة فلسطينية ملتزمة بالدفاع عن حقوق شعبها. ويبدو أن شخصيات أخرى تحمل قصصها حتى في أسمائها العربية، كما توضح هذه الأمثلة الثلاثة: عايدة ("العائدة") تجسد حق الفلسطينيين في العودة؛ وباتالا ("البطلة") مقاتلة لا تعرف الهزيمة. أديب ("رجل الأدب") هو بمثابة قرين الكاتب، وتجسيد للأدب، وربما إشارة إلى رواية طه حسين الشهيرة التي تحمل الاسم نفسه.
كان من المؤكد أن كتابات جاد هلال ستستفيد من إطالة تلك اللحظات الشعرية النادرة والقصيرة جدًا التي تُبطئ أحيانًا وتيرة السرد لاستكشاف أعماق الوضع الفلسطيني. ولكن يجب أيضًا الإقرار بأن اندفاع السرد السريع يعكس الإيقاع المحموم والمزعج لحياة الفلسطينيين الذين ما زالوا يتعرضون للمضايقة والتهديد والقمع بكل أشكاله.
في نهاية الكتاب، يوجه جاد هلال شكره الأول إلى جدته، التي "وجدت القوة، [...] رغم حزنها ونفيها"، لتروي له قصتها. وهذا يعني، كما في المثل الفلسطيني الذي استُشهد به في بداية الكتاب، أنه يجب علينا الاستمرار في سرد قصص الفلسطينيين، في الوقت الذي تُظلم فيه عواصف متتالية سماء فلسطين.
Khalid Lyamlahy:Une vie palestinienne
إشارات من المترجم
-غلاف الرواية بالفرنسية من وضعي
-جاد هلال، من مواليد " 1987 " وقد نال العديد من الجوائز في فرنسا، عن أعماله الروائية.
-ما هو مسطور على الغلاف الخارجي للرواية، وبلغتها الفرنسية، يفصح عن محتوى المقال المترجَم أعلاه:
في عام ١٩٤٨، أُجبرت عايدة وعائلتها على مغادرة قريتهم في فلسطين. بدأت رحلة المنفى: أولًا إلى مخيم بعلبك، ثم إلى بيروت. كيف لها أن تعيد بناء الروابط المفقودة بعد أن ابتعد عنها زوجها؟ وكيف لها أن تعيش في حيّ غريب عنها؟ وكيف لها أن تشعر بوحدة شديدة لدرجة أن أطفالها اضطروا لرعايتها، على حساب حريتهم؟ ثم اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية، جالبةً معها الخوف والجوع والعنف. مع كل مجزرة جديدة للفلسطينيين، كانت عايدة تنكمش أكثر في شقتها. تفككت الأسرة: ذهب الأطفال إلى المنفى هربًا من الحرب، وللنجاة منها. وفي النهاية، انضمت عايدة إلى ابنتها في باريس. وبينما كانت تروي قصتها عن فلسطين لحفيدها أديب، وجدت نفسها تنقل شيئًا آخر غير الألم. لم تعد تنقل المنفى، بل تنقل الأرض.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى