لم يحدث في تاريخنا العربي الحديث، بكل ما فيه من صعود وسقوط، من انقلابات وممالك وجمهوريات، أن خرج زعيم عربي ليحمل نعش أديب من أبناء بلده على كتفه. لا في القاهرة ولا في بغداد ولا في دمشق ولا في الجزائر. لا في زمن الملوك ولا في زمن الثورات. ظل الأديب، في أحسن الأحوال، مكرّمًا بالكلمات لا بالفعل، مُحتفىً به في قاعات مغلقة، لا في الشوارع حيث تصنع الرموز وتُخلّد الصور في ذاكرة الشعوب. المشهد الذي التقطته عدسات التاريخ في موسكو، حين حمل جوزيف ستالين بنفسه نعش الأديب الروسي العظيم مكسيم غوركي، لا يمكن أن يمرّ مرور العابرين على التاريخ، لأنه لم يك مجرد لحظة وداع، بل إعلانًا رمزيًا عن علاقة نادرة بين السلطة والفكر، بين الزعيم وصوت الكلمة.كان غوركي أكثر من كاتب؛ ضمير روسيا في لحظاتها الملتبسة بين الفقر والثورة، بين الحلم والمأساة. كتب عن الإنسان المنكسر والخبز المفقود، عن العذاب والكرامة، عن أولئك الذين طحنهم الفقر وأعادتهم الكلمة إلى الوجود. حين مات غوركي في 1936، لم يك موته حدثًا أدبيًا فحسب، بل لحظة وطنية؛ خرجت روسيا كلها تودّع الرجل الذي كتب عن آلامها بلغة شعبها. وهنا كان حضور ستالين، الزعيم الذي حكم نصف العالم بقبضة من حديد، مشيًا خلف نعش الكاتب الذي كان صديقًا للثورة ومرافقًا لحلمها الأول. مشهد ستالين وهو يحمل النعش على كتفه لم يك مجاملة، بل إعلانًا رمزيًا أن الكلمة، في لحظات التاريخ الكبرى، لا تقل وزنًا عن البندقية، وأن الأدب ليس زينة وطن بل أحد أركانه.في المقابل، إذا نظرنا إلى المشهد العربي منذ بدايات القرن العشرين، نرى هوّة واسعة بين الحاكم والمثقف. كم من أديب عربي مات في المنفى، أو عاش منبوذًا في وطنه، أو دُفن بصمت لا يليق بما كتب؟ !!كم من شاعر وأديب ظلّ ينتظر كلمة اعتراف من سلطة لا ترى في الأدب سوى هامش للزينة، لا مرآة للوعي؟ لم يحدث أن حمل زعيم عربي نعش كاتب، لا لأن الكُتّاب لم يكونوا عظامًا، بل لأن الزعماء لم يروا فيهم شركاء في بناء الوعي، بل خصومًا محتمَلين في معركة الخطاب والسيطرة.الفرق بين ستالين والأنظمة العربية ليس في طبيعة الحكم، فكلاهما عرف الاستبداد، ولكن في إدراك الرمزية. كان ستالين، رغم قسوته، يدرك أن الشرعية لا تُبنى بالقوة وحدها، بل بالأسطورة التي تصنعها الكلمة. لذلك كان غوركي بالنسبة له جزءًا من ذاكرة الثورة، من شرعيتها الأخلاقية أمام التاريخ. أما في العالم العربي، فقد انفصلت السلطة عن الثقافة، وصار المثقف إما تابعًا أو مطاردًا، وصارت الدولة تُشيّع رموزها السياسية لا رموزها الفكرية.إن صورة ستالين وهو يحمل نعش مكسيم غوركي تُعيد إلى الأذهان سؤال العلاقة بين السلطة والمثقفين، بين من يحكم ومن يكتب. هل يمكن للزعيم أن يرى في الأديب ندًّا لا تابعًا؟ هل يمكن أن يعترف له بمكانته في صياغة الوعي الجمعي، لا باعتباره خطرًا على النظام؟ إن الشعوب التي لا تُكرم كُتّابها لا تبني لنفسها ذاكرة. والسلطة التي تخاف من الكلمة لا تملك عمقًا تاريخيًا، لأنها تجهل أن الكلمة هي التي تبقي الأسماء حيّة بعد أن تسقط التماثيل.ربما لهذا يبدو مشهد ستالين وغوركي اليوم أشبه بالحلم، أو المفارقة. كيف يمكن لطاغية أن يحمل نعش أديب؟ وكيف يمكن لزمن الحديد أن ينحني أمام الورق؟ الإجابة ليست في النية انما في الرمزية. التاريخ لا يخلّد النوايا،انما الصور التي تعبّر عن لحظاته الأعمق. في تلك الصورة، لم يك ستالين يُشيّع رجلًا فقط، بل يُشيّع فكرة ويكرّم دور الكلمة في بناء الأمة السوفياتية. حمل الزعيم على كتفه نعش الأديب، لأن الأدب في تلك اللحظة أحد أعمدة الدولة، ولأن غوركي، بما كتب، أعطى للثورة لغتها الأخلاقية والإنسانية.
أما نحن، فقد بقينا أسرى معادلة معكوسة: الأدب يُشيّع الزعيم، لا الزعيم يُشيّع الأدب. الأديب يكتب مرثية الحاكم، لا الحاكم مرثية الأديب. وهكذا تحوّلت الثقافة إلى ظلّ للسلطة، لا إلى ضمير لها. وربما لن تتغير هذه المعادلة إلا حين يدرك الحاكم العربي أن أعظم ما يمكن أن يفعله من أجل وطنه هو أن يحمل فكر أبنائه لا أجسادهم، وأن يحمل نعش كاتب كما يحمل علم بلاده، لأن الاثنين وجهان لذاكرة واحدة.، تبقى الصورة القديمة بالأبيض والأسود، لستالين وهو يسير بخطى بطيئة خلف نعش مكسيم غوركي، أكثر من حدث تاريخي. إنها درس في الرمزية، في كيفية تحويل الموت إلى لحظة وفاء للكلمة، وفي أن العظمة لا تقاس فقط بما نفعله في حياتنا، بما نحمله على أكتافنا بعد موت الآخرين. تلك الصورة تختصر قرنًا من الفوارق بين عالمٍ يقدّس الكلمة، وعالمٍ ينسى أصحابها.!!
أما نحن، فقد بقينا أسرى معادلة معكوسة: الأدب يُشيّع الزعيم، لا الزعيم يُشيّع الأدب. الأديب يكتب مرثية الحاكم، لا الحاكم مرثية الأديب. وهكذا تحوّلت الثقافة إلى ظلّ للسلطة، لا إلى ضمير لها. وربما لن تتغير هذه المعادلة إلا حين يدرك الحاكم العربي أن أعظم ما يمكن أن يفعله من أجل وطنه هو أن يحمل فكر أبنائه لا أجسادهم، وأن يحمل نعش كاتب كما يحمل علم بلاده، لأن الاثنين وجهان لذاكرة واحدة.، تبقى الصورة القديمة بالأبيض والأسود، لستالين وهو يسير بخطى بطيئة خلف نعش مكسيم غوركي، أكثر من حدث تاريخي. إنها درس في الرمزية، في كيفية تحويل الموت إلى لحظة وفاء للكلمة، وفي أن العظمة لا تقاس فقط بما نفعله في حياتنا، بما نحمله على أكتافنا بعد موت الآخرين. تلك الصورة تختصر قرنًا من الفوارق بين عالمٍ يقدّس الكلمة، وعالمٍ ينسى أصحابها.!!