د. محمد سعيد شحاتة - عناصر الإبداع عند الشاعر محمد الشربيني

تتجسّد عناصر الإبداع عند الشاعر محمد الشربيني في عدة مستويات أساسية، أبرزها الصورة الشعرية التي تتخذ بعدًا بصريًا وفلسفيًا معًا؛ فالصورة عند الشربيني ليست مجرد انعكاس للواقع الخارجي، بل هي فعل وجودي يكشف الذات في علاقتها بالكون، ويحوّل التفاصيل اليومية إلى رموز متصلة بالمعنى الكوني، ومن خلال استخدامه للصور يدمج الشاعر بين الحلم والواقع، وبين الحضور والغياب، وبين العاطفة والوعي الوجودي، مما يمنح صورته الشعرية القدرة على توليد المعنى بدلًا من الاكتفاء بإعادة إنتاجه، وهذه الصور تقوم بدور مزدوج: جمالياً، عبر تشكيل مشهد بصري متحرك ومتعدد الحواس، وفلسفياً، عبر إحالتها إلى تجارب وجودية، مثل البحث عن الآخر، والانتظار، والغياب، والانكسار، كما أن الصور المتراكبة والمتداخلة في نصوصه تخلق جدلية مستمرة بين التوتر والانسجام، وبين البناء والهدم، فتبرز لحظة الإبداع بوصفها مساحة عبور من اللغة إلى الوجود، ومن الذات إلى الآخر.
وهناك عنصر آخر جوهري في الإبداع عند الشربيني وهو الموسيقى الداخلية والتوتر الإيقاعي، فتعمل الموسيقى الداخلية على خلق حساسية وجدانية لدى المتلقي، ويستخدم الشاعر تكرار الأصوات، والفواصل، والوقفات القصيرة، وتتابع المقاطع الطويلة؛ ليجسد حركة المشاعر والوعي الشعوري، والإيقاع الداخلي هنا ليس مجرد زخرفة صوتية، بل وسيلة لتجسيد الصراع الداخلي للذات، كما في نصوص مثل: "سأعلنها بعد ذاك الطريق الطويل" و"أحرّر نفسي من الاستعارات والذكريات"، حيث تعكس الموسيقى الداخلية تراكمات الذاكرة، وحركة الانتظار، والصراع بين الحب والغياب. والتوتر الإيقاعي يتيح للنص أن يتحول إلى تجربة حسية متكاملة، تدمج الصوت بالحركة والصورة، وتجعل المتلقي يعيش حالة القلق النفسي والعاطفي للذات، فينمو المعنى الشعوري مع دفق اللغة والصور، وهذه العناصر مجتمعة تُظهر أن الإبداع عند الشربيني ليس مجرد صياغة لغوية، بل هو فعل شعري متعدد الأبعاد، يربط بين البصر، والسمع، والفكر، والعاطفة؛ ليخلق نصًا ينبض بالحياة والوجودية في آن واحد.
ويمثل الزمن في شعر محمد الشربيني أداة إبداعية مركزية، ليس كخلفية للأحداث فحسب، بل كعنصر فعال يشكل بنية النص الشعري ويحدد إيقاع التجربة الوجودية؛ فالشاعر يتعامل مع الزمن شعوريًا لا كإطار خطّي ثابت، بل كسلسلة من اللحظات المتداخلة بين الماضي والحاضر والمستقبل المحتمل، وهذا التدافع الزمني يخلق إحساسًا بالتوتر الدائم بين الفقد والرجاء، وبين الغياب والحضور، ويؤسس للوعي القلِق الذي يميز الشعر عنده.
في نصوص مثل قصيدة "لو تأتين"، يتحرك الزمن بطريقة غير خطية، حيث تتداخل صور الماضي مع حلم المستقبل، ويصبح الانتظار فعلًا شعوريًا، وتجربة معرفية تتكشف عبر الصور الحسية والرمزية. فـ"وقع الخطى على الأفق" في قوله " فأسمعُ وَقْعَ خُطاكِ ... على الأفق ... حيـنَ يُلِّحُ عليَّ الرحيلْ " أو "خيط الأماني" في قوله "تمدين للأرض خيط الأماني" ليست مجرد لحظات زمنية بل تمثل توترات الوعي؛ إذ يصبح الزمن مشحونًا بالغياب والحلم، ويجعل الذات العاشقة تعيش في حالة تأرجح بين الرغبة والانتظار.
ومن زاوية فلسفية، يمكن قراءة الزمن في شعر الشربيني وفق مقاربة هايدغرية، حيث يتجسد الزمن كوجود، والوعي الزمني كتحرّر للذات من القيود المادية، فتحوّل الشعر إلى فعل شعوري يُعيد إنتاج التجربة الإنسانية في لحظة حضور مستمر، حتى ولو كان هذا الحضور افتراضيًا أو طيفيًا. وهكذا يصبح الزمن الشعري عند الشربيني أداة لتوليد الفعل الإبداعي، ويعيد ترتيب الوجود ويضفي على اللحظة الشعرية كثافة وجدانية عالية، تجعل القارئ يعيش حالة من الانغماس الوجداني مع الذات العاشقة والكون الحاضر في النص.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى