رسالة من غانية ملحيس إلى غسان جابر

الصديق العزيز غسان جابر

قرأتُ بإعجاب مقالك المتميّز “حين يسقط الجدار في الوعي قبل أن يسقط في الأرض”، وقد شدّني فيه عمقه التحليلي وبلاغته الرمزية التي باتت سمة مميّزة لمقالاتك.
استوقفني على نحو خاص دقّة تصويرك للمعاناة الفلسطينية، كما في تمييزك البليغ بين الموت في غزة والموت في الضفّة، ووضوحك في النقد الذاتي، وتسليطك الضوء على الانقسام الداخلي كأخطر العقبات أمام المقاومة والوحدة الوطنية.
ومع ذلك، أرى أن هذا الانقسام لم يعد مجرّد تنافس على السلطة والنفوذ، بل تحوّل بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى تباين جوهري في الرؤى والمناهج في مقاربة الصراع.
فالسلطة الفلسطينية حسمت خيارها بالاستمرار في ترويج أوهام التسوية السياسية مع عدوّ وجوديّ مسيانيّ إحلاليّ نقيض مأفون بعقدة التفوّق على الأغيار، تراهن على حُماته، وتظنّ أن بقاءها ممكن بمزيد من التكيّف والتنازل عن الحقوق الوطنية غير القابلة للتصرّف.
في المقابل، تراهن المقاومة على ما يُحدثه الصمود الأسطوري والاستعصاء على الاستسلام من تحوّلات نوعيّة في الوعي الفلسطيني والعربي والعالمي، تُسقط أوهام “القوة التي لا تُقهر” التي زرعت الخوف في الوعي العربي، وشلّت إرادة التحرّر، وأمّنت للكيان الصهيوني شعورا زائفا بالأمان على مدى خمسة وسبعين عاما.

لقد كشف قطاع غزة الصغير المحاصَر - من عدوّه وأهله وذويه والعالم - حدودَ القوة حين تفعل الإرادةُ التحرّرية فعلها، وأسقط القناع عن وجه الوحشية الصهيونية، وعرّى حُماتها أمام شعوبهم التي بدأت تكتشف زيف المنظومة القيمية التي صاغت وعيها.
فانهارت السرديّة التي منحت العدوّ شرعية سياسية وأخلاقية طوال ثمانية عقود، ووُضع هو وحلفاؤه في مواجهة القانون الدولي والرأي العام الإنساني.
إن القيمة الجوهرية في مقالك تكمن في رؤيته الفلسفية والفكرية التي تساعد القارئ على فهم المأساة الفلسطينية بعمق أكبر، وفهم الملهاة الفلسطينية أيضا.
وأشاركك الرأي في أهمية الوحدة الوطنية، لكنّ الوحدة المطلوبة ليست تلك التي تُرمّم نظاما فصائليا استنفد أغراضه، بل وحدة قاعدية شعبية عابرة للفصائل والتنظيمات والأحزاب، تقوم على مشروع نهضويّ تحرّريّ إنسانيّ جامع للكلّ الفلسطيني، داخل الوطن المحتلّ وخارجه.
نحتاج إلى بناء أطر سياسية وتنظيمية ونقابية وشبابية جديدة، مستقلة عن وصاية الجيل الذي استنفد قدرته على إحداث التغيير الجذري المطلوب، كي تواكب التحوّلات التكوينية التي أحدثها طوفان الأقصى في الوعي الجمعي.
لسنا بحاجة إلى أجهزة تنفّس اصطناعيّ لإحياء فصائل تعاني من موت سريري منذ عقود، بل إلى روحٍ جديدة تُعيد للحلم الفلسطيني جوهره التحرّري ومعناه الإنساني الكوني.
شكرا لك على جهدك الدؤوب الذي يُثري الوعي، ويوسّع دائرة الحوار الوطني حول مستلزمات النهوض والتأسيس لمستقبل أكثر عدلا وكرامة.

خالص المودّة والتقدير،
غانية ملحيس

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى