5- رسالة جوابية من غسان جابر إلى غانية ملحيس

5- رسالة جوابية من غسان جابر إلى غانية ملحيس

الصديقة الكاتبة الكبيرة غانية ملحيس،

قرأت تعليقكِ بامتنانٍ عميق، وشعرت وأنا أتتبّع كلماتك أن الفكر حين يلتقي بالصدق، يولد منه نورٌ لا يخبو. كلماتك لم تكن مجرّد إشادةٍ بمقال، بل كانت امتدادًا لروحٍ تؤمن أن الكلمة يمكن أن تفتح نوافذ الوعي، حتى في أكثر الأزمنة عتمة.
لقد أصبتِ تمامًا في توصيف التحوّل الذي نعيشه بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر؛ فهو لم يكن مجرد حدثٍ عسكري، بل زلزالًا وعيًا أعاد تعريف الصراع، وفضح زيف التسويات المزيّفة التي جعلت من الوهم سياسةً ومن الخضوع واقعيةً. اليوم تتفكك الأسطورة الصهيونية في عقول من صدّقوها، كما يتفكك نظامنا الفصائلي في أذهان من كانوا يرونه قدرًا أبديًا لا يُمسّ.
ما قلتهِ عن الانقسام أوجعَ وأصدقَ من أن يُردَّ عليه بعباراتٍ دبلوماسية. نعم، الانقسام لم يعد ترفًا سياسيا أو تنافسًا على شرعيةٍ باهتة، بل صار شرخًا وجوديًا في الجسد الوطني، جعل الاحتلال يتمدّد في الضفة بـ«ضمٍّ ناعم»، فيما يُدفن أهلنا في غزة تحت الركام. لقد تحوّل الانقسام إلى جدارٍ داخليّ أخطر من الجدار الإسمنتي الذي بنته إسرائيل، لأنه يحاصر الفكرة قبل أن يحاصر الأرض.
أتفق تمامًا مع رؤيتكِ بأن المطلوب ليس «وحدةً فصائلية» تُرمّم هياكل ميتة، بل وحدة شعبية قاعدية جديدة تنبع من الناس لا من فوقهم. من الشوارع والأسواق والجامعات والمخيمات لا من مكاتب التنظيمات ولا من شعاراتٍ مُتعبة. فالوطن لا يُبنى من فوق إلى تحت، بل من الجذور إلى السماء.
إن ما نحتاجه اليوم هو أن نعيد صياغة معنى «المقاومة» نفسها؛ أن تكون مشروع حياةٍ وكرامةٍ ووعيٍ، لا مجرد فعلٍ عسكري. فالمقاومة التي لا تصنع إنسانًا حرًّا، لا يمكن أن تصنع وطنًا حرًّا.
ومثلما قلتِ في تعليقكِ الجميل، فالأجيال الجديدة التي خرجت من رحم النار والطوفان لم تعد ترى فلسطين من خلال عدسة الفصائل، بل من خلال بصيرتها الفطرية بالحرية والعدالة. وهذه هي اللحظة التي يجب ألّا نضيعها في اجترار الماضي أو تكرار الشعارات.
شكراً لكِ على قراءتك العميقة التي تُعيد للمقال روحه، وللحوار الفلسطيني نبضه.
وشكرًا لأنكِ تؤكدين أن الفكر المقاوم لا يقلّ أهمية عن الفعل المقاوم، وأننا بحاجة إلى من يضيئون الطريق بالكلمة، لا إلى من يستهلكون الوعي بالضجيج.

بصدق المحبة والتقدير،
غسان جابر

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى